سوريا كمعرض أسلحة روسية

 

نشرت وزارة الدفاع الروسية بتاريخ 25 شباط (فبراير) 2021، لقطات ومقطع فيديو يتضمن إطلاق صواريخ إسكندر-ك في سوريا. جاء ذلك رداً على مزاعم أرمينية جاءت على لسان رئيس الوزراء الأرميني الحالي نيكول باشنيان، بتاريخ 23 شباط 2021، والذي قال إن السلاح الروسي لم يساعد جيشه في حرب كاراباخ الأخيرة، وإن صواريخ إسكندر لم تكن فعالة ولم تنفجر، أو انفجرت بنسبة 10% فقط. تصريحات باشنيان بدورها جاءت في سياق تبريره خسارة جيش بلاده حرب كاراباخ 2020 في مواجهة الجيش الأذربيجاني، ورداً على سؤال صحفي طلب منه تعليقاً على تصريح رئيس الوزراء الأرميني السابق سيرج سركسيان، والذي قال إن الجانب الأرميني كان بإمكانه استخدام صواريخ إسكندر-إي التي يمتلكها منذ الأيام الأولى لبدء المعركة. 

الفيديو الذي نشرته وزارة الدفاع الروسية كان مرفقاً بتأكيدٍ مفادُه أن أرمينيا لم تستعمل هذه الصواريخ إطلاقاً، وأنها ما زالت محفوظة في مخازنها، وأن هذه الفئة من الصواريخ استُخدِمت بنجاح في سوريا، وأنها الأفضل في فئتها، الأمر الذي يعترف به الجميع بحسب التأكيد.

خدمة توصيل الصواريخ في حميميم

أظهر الفيديو لقطات إطلاق الصواريخ من قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية، التي تتخذها قوات الاحتلال الروسي قاعدة رئيسية لعملياتها في سوريا، وذلك باتجاه هدفين أحدهما المشفى الوطني في شمال حلب في مدينة إعزاز، والآخر مبنى في مدينة الطبقة في محافظة الرقة على بعد حوالي 1 كم فقط من سد الفرات.

القصف الذي طال المشفى الوطني في إعزاز يعود لتاريخ 15 شباط 2016، وكانت وسائل الإعلام المحلية قد أبلغت عنه على أنه استهداف بصاروخ باليستي دون تحديد نوعه ولا من أطلقه. إلا أن الدقة غير المعهودة في القصف الصاروخي، والقصف الجوي الروسي على إعزاز في الأيام التي سبقت وتلت الاستهداف الصاروخي للمشفى، رَجَّحَا على الفور أن تكون روسيا هي من تقف وراء الاستهداف. كان الصاروخ واحداً من سبعة صواريخ روسية استهدفت مدينة إعزاز حسبما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول أمني تركي، أحدها سقط بجانب مشفى آخر هو مشفى التوليد النسائي التابع لجمعية «لأجل سوريا حرة» الإغاثية.

في اليوم التالي للقصف الصاروخي والتصريح الأمني التركي عن مسؤولية روسيا، نفت وزارة الدفاع الروسية مسؤوليتها، وقالت إن مصدر الهجوم من غازي عينتاب في تركيا، لكن محتوى الفيديو الذي نشرته وزارة الدفاع مؤخراً لتأكيد فعالية صاروخها المكسور الخاطر يوضّح بشكل لا لبس فيه أنها هي المسؤولة.

يُظهر الفيديو المنشور لقطات لعملية إطلاق الصواريخ، وأخرى لإصابة الأهداف. تصوير العملية في مرحلتَي الإطلاق والإصابة يرجّح الأغراض دعائية وراءه، حيث سيُستخدم كمادة تسويقية غالباً من قبل لجان مبيعات السلاح التابعة لوزارة الدفاع الروسية. لم تكتفِ الدفاع الروسية بالقول إن الصواريخ لم تُستعمل في حرب كاراباخ، وبالتالي فإن مزاعم باشنيان لا أصل لها، بل نشرت فيديو قصف هدف مدني لتأكيد فعالية سلاحها وإبعاد كل الشبهات عنه.

بالنسبة للأسلحة الروسية الجديدة، فإن استخدامها لأول مرة يحتاج إلى مراجعات ميدانية لتعديل الأسلحة وتلافي أخطاءها. لكن عدا الدعاية التسويقية، ما الذي يستدعي تصوير استخدام سلاح قديم ومُجرَّب ولا يحتاج لمعايرة؟ والأهم، ما الذي يستدعي، عملياتياً، استخدام صاروخ كروز لاستهداف ما يمكن الوصول إليه وتدميره بالطائرات - هي التي تعمل في السماء السورية بكل سلاسة، ولا تواجه أي تحدٍّ حقيقي، الأمر الذي يوفر في الكلفة ويزيد في دقة الإصابة؟

حقل استعراض وتجارب مناخية

استخدام سوريا كحقل لتجريب الأسلحة الروسية أمر لم يتم إخفاؤه ولا تجميله، بل صرَّح به من هو على رأس هرم السلطة في روسيا، فلاديمير بوتين، والذي أشاد بالحملة العسكرية الروسية في سوريا في أكثر من مناسبة، ووصفها بأنها فرصة لا تُقدَّر بثمن لتطوير القدرات القتالية للجيش الروسي واختبار أسلحة جديدة. كما أكد مسؤولون روس أن موسكو اختبرت مختلف أصناف الأسلحة الجديدة في سوريا، وأن هذه الاختبارات، التي وفّرتها «معركة حقيقية»، قد أكسبتهم خبرة وأثبتت فعالية السلاح الروسي.

من الأسلحة التي جربتها روسيا في سوريا مقاتلات السوخوي سو-35 وسو-57، والقاذفة تي يو-160، بالإضافة إلى القنابل الذكية وأنظمة قتال بري وأنظمة دفاع جوي وطائرات بدون طيار ومركبات إزالة ألغام. وإلى جانب استخدام صواريخ إسكندر من قاعدة حميميم داخل سوريا، استخدمت روسيا أيضا صواريخ كروز من نوع كاليبير من قطعها البحرية في بحر قزوين ضد أهداف داخل سوريا، قاطعةً مسافة 1500 كم. ورغم تكلفتها العالية، إلا أن هدف استخدامها كان إظهار امتلاك جيل جديد من الأسلحة الرادعة، على أساس أن روسيا التي بعثت الحياة في قدراتها السياسية والدبلوماسية، أعادت أيضاً بعث مهاراتها العسكرية وعلى مستوى غير مسبوق.

من الأسلحة التي استخدمتها روسيا أيضاً في سوريا القنابل الحرارية، وكان أول استخدام لها في ريف حلب في 21 حزيران (يونيو) 2016، على مناطق قريبة من مدينتي عندان وحريتان. وميض القنبلة الهائل - ربما هذه هي الشمس التي تشرق من موسكو كما وعدنا معاذ الخطيب - استرعى اهتماماً عالمياً، وبعد تفحص الخبراء أكدوا أنها قنبلة حرارية، وهي من النوع الأقوى انفجاراً بعد القنابل النووية، وإن كان بدون تداعيات إشعاعية.

ما أكد عليه العسكريون الروس أيضاً في تصريحاتهم عن العمليات العسكرية الروسية في سوريا، هو أنها تجري في أجواء بيئة مناخية مختلفة وجديدة على القوات الروسية لا تشبه ما اعتادوا عليه، وأن روسيا تفتقر إلى الخبرة في تصميم أسلحة لهذه المناخات. إعداد القوات الروسية للقتال في مناخ صحراوي وشبه صحراوي، وخاصة للطيارين والأطقم الفنية للقوات الجوية، هو هدف روسي طَموح يتجاوز سوريا، ويتعداها إلى الدول الأفريقية التي أظهرت اهتماماً بها مؤخراً.

قد يُقال إن نشر الفيديو تصرّف غبي قام به مُهمِلون في الدفاع الروسية، لأنه اعتراف بما دأبت موسكو على نفيه طيلة سنوات عدوانها على المدن السورية. لكن هناك ما يوحي أنه ليس تصرفاً غبياً، بل على العكس تماماً، هو تصرّف مقصود وذو أغراض تسويقية أيضاً. لكن ما الذي يتم تسويقه هنا؟ ولمن؟

تدرك روسيا أن أحداً لا يستطيع محاسبتها. اللامبالاة الروسية نفسها هي ما يتم تسويقه، وتحديداً للدول التي تواجه مشاكل مع الرقابة المفروضة من قبل مورّدي السلاح الغربيين. ما يتم تسويقه هو سلاح يمكن استخدامه ضد أهداف مدنية، مع صفر مخاوف من رقابة البلد المصنِّع على كيفية استخدامه.

هيبة عسكرية مافيوزية

تعدّ صادرات الأسلحة من أهم الأعمال التجارية الروسية، وكل ما يتعلق بالأسلحة الروسية هو مسألة ذات صلة بالهيبة. لكن هناك ما يسترعي الانتباه في هذا الطراز من الصواريخ الروسية بالذات، وهو ردة الفعل الروسية السريعة على مزاعم عدم فعاليتها، وتَعاطي بعض وسائل الإعلام الروسية مع الأمر بحساسية أكبر بكثير من تلك التي أثارها فشل منظومات الدفاع الجوي الروسي، أو هجمات المسيَّرات التركية في سوريا وليبيا وحتى كاراباخ. وقد تبدّت هذه الحساسية البالغة في تصريحات مختلف المسؤولين الروس، منهم نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما فيكتور زافارزين، الذي وصف تصريح باشنيان بأنه «كذبة مطلقة»، بالإضافة لعناوين بعض الصحف الرسمية الروسية مثل «لا تسخر من إسكندرنا، سيد باشنيان» في صحيفة برافدا.

اللافت أيضاً ما قامت به وزارة الدفاع الروسي من تزوير متعمد، فقد استخدمت طرازاً مختلفاً من الصواريخ لنفي مزاعم باشنيان، فالتي تمتلكها أرمينيا من فئة إي، وهي صواريخ بالستية معدّة للتصدير، أما الذي يظهر في الفيديو فهو من طراز ك، وهي صواريخ كروز مخصصة للجيش الروسي. الباليستي ذو مسار إطلاق ثابت محدَّد مسبقاً، أما كروز فيمكن التحكم بمساره بعد إطلاقه وهو ما يمنحه دقة أعلى في الإصابة.

ربما لو عدنا الى تاريخ هذا الطراز لعرفنا أنه خليفة الصاروخ الروسي الشهير أوكا، الذي تخلّى عنه الاتحاد السوفييتي بعد معاهدة نزع أسلحة مع الولايات المتحدة عام 1987. قد ينكأ فشل هذا الصاروخ جرحاً روسياً قديماً، ويرسم خطاً مستقيماً يربط روسيا اليوم بماضٍ متهالك لا تريد الالتفات إليه.

الأسلحة الجديدة التي يتم تجريبها في سوريا ليست بالضرورة عتاداً جديداً تستخدمه القوات الروسية في سوريا نفسها، بل غالباً ما يتم تجريبها لتسويقها في مكان آخر. مثلاً، عندما تجرب الطائرات قنبلة ذكية وتتأكد فعاليتها ودقتها، قد لا تنتهي التجربة باعتمادها في سوريا، فقد استخدمت القوات الروسية في هجماتها الجوية في سوريا قنابل تقليدية غير موجَّهة مماثلة لما يمتلكه النظام السوري، وذلك بهدف خفض تكلفة عملياتها الجوية. ولعل لدى موسكو غرضاً آخر هو نقل المسؤولية عن جرائم حرب محتملة للنظام السوري، أي تصعيب مهمّة محققي جرائم الحرب الباحثين عن مسؤولين مباشرين عن الهجمات. القنابل غير الموجهة في النهاية أقرب ما يكون للبراميل المتفجرة، وإن كانت أكثر أناقة. 

ربما لا شيء من هذا جديد على روسيا، وربما هذه هي بالعموم أحوال أسواق السلاح العالمي: المبيعات بحاجة دائمة إلى مواد تسويقية متجددة، وفقط نحن المُستجِدّون في حقل تجاربها.