سورية والعالمية الحربية الأولى

 

دون أن تكون الحرب العالمية الأولى، هناك كثيرٌ من الحرب ومن العالمية ومن الأولى في سورية اليوم. البلد الذي تشكّلَ قبل قرن على يد القوى الأوروبية المنتصرة في أول الحروب «العالمية» أخذت تغمره، بعد شهور من ثورة شعبية سلمية، حربٌ متعددة الأطراف والجبهات بالغة الوحشية وفائقة الكلفة، وهذا في إطار من تدويل مضاعف أو فائق، يخرق المستوى القياسي للتدويل البنيوي المتأصل للشرق الأوسط وصراعاته. سورية، بعد ذلك، هي مسرح أول صراع في القرن الحالي على هذه الدرجة من التمادي والتعقيد والآثار.

حرب

بداية، يمكن اقتراح تمييز خشن بين صنفين عريضين من الدول: دول سياسية ودول حربية أو أمنية. الدول السياسية التي تحل مشكلاتها الداخلية بالسياسة، التفاوض والمساومات والحلول الوسط والصفقات والتنازلات المتبادلة. القتل لم يعد أداة من أدوات السياسة هنا، و«الحرية» هي أولاً حرمة الجسد وحق الحياة. الدول الأمنية هي دول لا سياسية، ويجري هنا تطبيع القتل كأداة سياسية. ومقابل حلّ المشكلات الاجتماعية بالتفاوض والتسويات والمساومات والحلول الوسط، أي بالسياسة، الحرب هي الحلّ في الدول الأمنية. يمكن للحرب أن تكون ساخنة كما هو جارٍ في سورية، لكنها تبقى حرباً حين تكون باردة. الدول السياسية ملكية اجتماعية عامة، لا يستأثر بها فرد أو أسرة أو عشيرة أو حزب أو طائفة، وإن تكن الطبقات الأثرى أقوى نفاذاً إلى مراتبها. الدولة الحربية بالمقابل تنزع إلى أن تكون دولة خاصة، تواجه بالحرب من يسعى لانتزاع الملك منها أو مشاركتها إياه.

الدول السياسية على نحو ما تمثّلت في الديموقراطيات الغربية تجنح إلى إقصاء الحرب خارج مجالها، فالسياسة تقتصر على دواخل البلدان المعنية وعلى تحالفاتها. بالمقابل تنزع الدول الأمنية لأن تكون سياسية فقط حيال الدول الخارجية القوية، فيما هي تقصي السياسة وتستقرب الحرب في الداخل.

سورية التي انقضى نصف تاريخها كدولة حديثة في ظل حكم السلالة الأسدية هي دولة حرب في الداخل ودولة سياسة حيال الخارج الدولي القوي، ومنه إسرائيل. والنقطة المهمة هنا هي أن بنى السيطرة الغربية في منطقتنا توافقت مع نفي السياسة وأولوية الاستقرار، وبالتالي تفضيل دول الحرب أو الدولة اللاسياسية. هذا شيء بنيوي مديد يحتمل تذبذبات ومراجعات هنا أو هناك، لكنه متأصل في بنية طويلة الأمد تتصل بأولوية أمن إسرائيل وسلامة السلسلة البترولية (من التنقيب إلى التصدير والتحكم بالأسعار) مع بطانة من جفاء ديني، لم يراجعها التنوير والحداثة والعلمانية والديموقراطية، بل أُعيد إنتاجها بصور متنوعة، حتى أضحت اليوم مشكلة عالمية منذرة بالمخاطر.

معاداة السياسة على كل حال واقع متجه اليوم إلى الترسّخ لا إلى التخلخل في منطقتنا، والجديد المحتمل في عالم مترابط هو أن يقود هذا الواقع المترسّخ إلى معاداة السياسة ومؤسساتها في الدول السياسية، على ما يظهر من انتخاب ترامب في أميركا، ومن علاقات أميركية أوروبية تتراجع فيها الثقة وتتفوق فيها الضغوط والإحراجات على المفاوضات والتسويات.

وما يمكن قوله استناداً إلى هذه المقدمة هو أن ما لدينا في سورية من حرب مستمرة يُحيل إلى وقائع طويلة الأمد أبرزها كون الدولة الأسدية دولة حرب، لكن كذلك توافقُ استقرار دول الحرب في إقليمنا مع مصالح وتفضيلات دول السياسة في الغرب. استمرار حربنا السورية كل هذا الزمن، مع تكاثر مطرد لأطرافها الدوليين يشير إلى ممانعة قوية للانتهاء، ليست منقطعة الصلة بالعلاقة بين دول الحرب هنا ودول السياسة هناك. ولعل من أبرز ما يشير إلى تفضيل دولي لدولة الحرب في المجال العربي والشرق أوسطي هو أن خصخصة الدولة (التوريث وبناء حكم السلالة) في سورية لم يجر الاعتراض عليها قط دولياً، ولم يجد القانون الدولي ما يقوله في شأن شرعية هذه الدولة، وهو ما فتح الباب لطلب هذه الدولة المخصخصة، أي اللادولة أو الدولة المضادة، حماية قوى أجنبية دون أن يُعترض على ذلك بدوره. مفهوم الدولة يشوش هذا التمييز البسيط والبديهي بين دولة عامة ودولة خاصة، كما التمييز بين دولة سياسة ودولة حرب و«أمن». في سورية، الدولة حربٌ مستمرة بقدر ما هي دولة خاصة. بعبارة أخرى، ليس هناك حرب في سورية لأن الدولة عاجزة عن وقفها واحتكار السلاح (كما كان الحال في الحرب اللبنانية)، بل الحرب تنبثق من تكوّن الدولة كدولة خاصة، وهي خيارها الأول في مواجهة المنازعة السياسية. نهاية الحرب وبداية السياسة هي نهاية الدولة الخاصة.

الحرب السورية كبيرة جداً، شملت معظم أرجاء البلد، وتمازج فيها عنف الدولة المخصخصة الفاشي، وعنف مقاومات اجتماعية محلية غالباً ومشتتة، وعنف الجهاد الديني وتكتيكاته الإرهابية (أو الحربية المطلقة)، والعنف الاستعماري المُشرَّع من قبل دولة خاصة لم تُجرَّد من الشرعية والقبول في عالم الدول، ثم «الحرب ضد الإرهاب»، وهي حرب مطلقة بدورها تجمع بين عدم الالتزام بقواعد الاشتباك المفترضة في الحروب، وباستهداف إبادة الإرهابيين المفترضين، ومع صفر خسائر في صفوف محاربي الإرهاب، وتتميز بالتالي بإنتاجية عالية من «الأذى الجانبي» من ضحايا وتدمير. ما يميز هذه الحرب من منزع إبادي يجسد معاداة السياسة في أصفى صورها. وهناك بعد ذلك أوجه لحروب الوكالة، تقوم بها أطرافٌ بالنيابة عن أطراف، مثل تنظيم الاتحاد الديموقراطي الكردي لمصلحة الأميركيين ضد داعش بأمل نيل مكافأة ما، واليوم تشكيلات إسلامية وبقايا الجيش الحر تخوض بالوكالة حرباً تركية ضد الاتحاد الديموقراطي.

وكلفة الحرب هائلة بشرياً ومادياً. من المحتمل أن 3% من السكان قتلوا (منذ عام 2016 كان يجري الكلام على نصف مليون ضحية، أكثر من 2% من السوريين). ونحو 9% (مليونان) أصيبوا إصابات مختلفة، وقريب من 25% هجروا خارج البلد، ومثلهم أو أكثر داخله، وكلفة إعادة الاعمار تتجاوز حسب التقديريات 400 مليار دولار، وهو ما يعادل ثمانية أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010.

وفي هذه الحرب استُخدم سلاح الطيران لأول مرة في نزاع داخلي في القرن الحادي والعشرين، بعد أن كانت الحرب الأهلية الإسبانية سجلت السابقة الأولى في القرن العشرين. واستُخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين لأول مرة في هذا القرن أيضاً، بعد أن كان نظام صدام حسين استخدمه ضد محكوميه الكرد قبل ثلاثة عقود. وكذلك الصواريخ بعيدة المدى، والفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية، وأسلحة جديدة لا نعرفها تبجّحَ الروس بأن فاعليتها ثبتت في سورية. أما سلاح الدمار غير التمييزي الشامل الذي يمكن وصفه أيضاً بأنه سلاح تهجير شامل، أعني البراميل المتفجرة، فهو الرمز الأصيل لوحشية الدولة الأسدية وطاقتها على الكراهية.

ومن أوجه الحرب التي تحيل إلى الكراهية كذلك القتل بالتعذيب في السجون والمقرات الأمنية، ويحتمل أن الضحايا بعشرات الألوف.

ثم إن الحرب التي ولدت من رحم دولة حربية ولدت أشباه دول حربية بدورها، مثل داعش وجيش الإسلام وجبهة النصرة، وهذه تشكيلات مضادة للسياسة، تقوم بدورها على خصخصة الحكم في مناطق سيطرتها (وإن لم يكن الخاص هنا عائلياً)، وفي سجّلها جرائم مهولة، بخاصة داعش وجيش الإسلام: خطف وتغييب واغتيالات واغتصاب مشرعن دينياً وقتل وسرقة موارد عامة وخاصة (مع كمية كذب أكبر في حالة جيش الإسلام). امتزاج الحرب بالدين هنا أسهم في تغذية طول أمد الحرب، بقدر ما عملت خصخصة السلطة على المزيد من تحطيم المجتمعات التي وقعت تحت سلطة التشكيلات المعنية.

عالمية

والحرب عالمية. أربعة من دول مجلس الأمن الخمسة تشارك بقوات عسكرية فيها، وسبقتها إليها إيران ولبنان والعراق، ولحقتها تركيا بعد التدخلين الأميركي والروسي. وإسرائيل دوماً في ضربات مباشرة أو بتأثير غير مباشر (الصفقة الكيماوية في أيلول 2013، وتفاهم ترامب بوتين مؤخراً على ضمان أمن حدود إسرائيل من الجهة السورية، وهو ما يبدو أقوى مسوغات إعادة تأهيل النظام، أميركياً وروسياً وإسرائيلياً). وشاركت الجهادية السنية العالمية في الصراع بمجاهدين قدموا من 80 بلداً، أو من 100 بلد بحسب تقديرات أخرى، أي نحو نصف بلدان العالم. وجاء الجهاديون الشيعة من بلدان أقل عدداً، لكن بمشاركة مباشرة وتنسيق من قبل المركز الشيعي العالمي، إيران، وبغرض حماية الملكية الخاصة للدولة.

وخلافاً للحربين «العالميتين»، ليست أطراف هذه الحرب دولاً وتحالفات دولية حصراً، إنها دول سياسية عامة ودول حربية مخصخصة، ومنظمات ما دون الدولة من تلك التابعة لدول غير دول إقامتها مثل حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية، أو التابعة لمنظمات محاربة مثل الاتحاد الديموقراطي التابع لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ومثل الشبكات الجهادية السنيّة التي لا مركز دولياً لها.

هذا يجعل العالمية عالمية أكثر، وإن كسر التطابق بين العالمية والدولية. صفة العالمية هنا أوثق صلة بمعولم (غلوبال) منها بدولي (إنترناشنال). ثم أن عالميتنا السورية تتنضد فوق تدويل تكويني وبنيوي للشرق الأوسط منذ ظهوره كإقليم قبل قرن، مروراً بإدراجه في نظام الأمن القومي الأميركي بين الأربعينات والتسعينات، وصولاً إلى اللاتمايز بين الحرب الإمبريالية والحرب ضد الإرهاب في العراق عام 2003. «الحرب ضد الإرهاب» هي الحرب العالمية بالمعنى الحقيقي من حيث أنه لا بداية لها ولا نهاية، من حيث أنه تشارك فيها الدول والمخابرات الدولية، ومن حيث أن فضاءها هو العالم كله. ثم من حيث أنها تجنح إلى مضاءلة الفرق بين الدول السياسية والدول الحربية، وإسقاط صفة الشرعية عن احتكار العنف، بما يقارب أن تصير الدولة شرعية في كل حال، بل هي ما تسبغ الشرعية على غيرها (انظر مثلاً مقابلة رحاب شاكر مع نيقولاوس فان دام في «الجمهورية»: الدبلوماسي والكاتب الهولندي يطابق بين الدولة والشرعية، ما هو أقرب في واقع الأمر إلى التراث الفاشي). على خلفية «الحرب ضد الإرهاب» تتحول الدولة إلى دين، ويتشكل حلف مقدس من الدول المعبودة ضد الشبكات الإرهابية و... اللاجئين.

ثم أن «الحرب ضد الإرهاب» تُسهّل اضمحلال الفرق بين الدول السياسية والدولة الحربية، والدولة العامة والدولة الخاصة، والدولة وأشباه الدولة ومنظمات ما دون الدولة، فتُدخل النظام الدولي (النظام القائم على الدول كوحدات مكونة) في أزمة.

ودون أن تكفّ العالمية السورية عن كونها في الأساس حرباً تتدخل فيها أطراف دولية ودون دولية وشبكية متنوعة في البلد الخطير، وتنتج هي أشباه دولها قصيرة العمر، فإن من أوجهها تدخلاتٌ سوريةٌ في العالم، أو أثرٌ سوريٌ متعدد الأوجه، أبرز تعبيراته عملية اللجوء إلى أوروبا الغربية البعيدة. كان مشهداً مذهلاً تدفق مئات ألوف اللاجئين إلى أوروبا خلال عامي 2014 و2015، عابرين حدود دولٍ متعددة. وكان هذا إلغاء للحدود ارتبكت أمامه الدول لعامين وأكثر (2014 و2015 بخاصة) قبل أن ترد برفع الأسوار حولها، أسوار اتفاقات وقوانين وتفاهمات، لم تغب عن دواخل الدول السياسية، عبر صعود اليمين القومي الشعبوي المنتج للأسوار داخلياً. وظهر ضربٌ من تحالف موضوعي بين هذا اليمين وبين الأنشطة الإرهابية الإسلامية، يغذيان بعضهما بقدر ما يكرهان بعضهما.

عبر قضية اللاجئين، تعرض العالمية السورية تراكباً بين الجنوب والشمال المعولمين وبين الصراع القديم المتجدد بين عالمي الغرب والإسلام. الإسلامية والإسلاموفوبيا، وجها المسألة الإسلامية المعاصرة، لا يغيبان عن التغذية الانفعالية للصراع وإطالة أمده ولا عن توسيع نطاقه عالمياً.

أولى

وفي عالميته وحربيته وتعقيده الاستثنائي، نحن حيال وضع غير مسبوق، أول. الأول هو ما لا نعرفه، ما يفاجئنا ونرتبك حياله، لأننا لا نملك أدوات مجربة لإدراكه والتصرّف حياله. الأول هو مجال الخطأ على ما يُستَدَلُّ من قول غاستون باشلار: ليس هناك حقائق أولى، هناك فقط أخطاء أولى؛ أو قوله كذلك: كل حقيقة هي تصحيح لخطأ. ما يصحّ على تاريخ العلوم، وهو مجال عمل باشلار، يبدو أنه ينطبق على التاريخ الاجتماعي والسياسي. وارتباك المقاربات الخاصة بسورية دولياً وعربياً، ومحلياً، يحيل إلى أولية الصراع السوري، أعني أنه لا يشبه شيئاً سبقه. وما قاله سامر فرنجية عن صعوبة «السيطرة التأويلية» على الصراع السوري وثيقُ الصلة بهذه الأوليّة. لدينا ثورة، وحرب أهلية، وصراع طائفي محلي وإقليمي، وحرب توسّع قومي، وتدخلات إمبريالية، وحرب ضد الإرهاب، وحروب وكالة. ولدينا ظواهر توحش مثل الشبيحة، وكراهيات ومجازر طائفية، وتطبيع أسلحة الدمار الشامل، ولغة وشعارات توحش مثل الأسد أو لا أحد ومشتقاته مثل الجوع أو الركوع، واستخدام تنظير ديني للتوحش وكائنات مذهلة في غوليتها مثل داعش، وتشكيلات منضبطة بقدر يقل أو يزيد بـ «الباراديغم السلفي الجهادي» واختراق عدمي واسع للدين الإسلامي. مقاربة القضية السورية من مدخل رد الصراع السوري إلى مؤامرة خارجية أو إلى مخطط لتغيير النظام من قبل الإدارة الأميركية، أو «صراع زائف» على ما طلع مع سلافوي جيجك، أو من مدخل الثورة فقط (بعد عام 2013)، أو من مدخل ردّ الصراع إلى صراع طائفي إقليمي، يُضيّعُ أصالة وأوليّة، وعالمية، الصراع السوري. منذ عام 2013، أي ظهور داعش والدخول العلني لحزب الله، والمجزرة الكيماوية والصفقة الكيماوية وانقلاب السيسي الذي أعاد تأهيل الدولة الحربية إقليمياً، وَلَجنا وضعاً «أول»، لا سوابق له، يمكن أن تتكون لنا معارف وحقائق بمراجعته وتصحيحه وتجديد النظر فيه والعودة إليه. لا بل إنه لا يمكن أن تتكون لنا معارف وحقائق إلا بالشغل عليه وإمعان النظر فيه مرة ومرات.

تكرار الهول

لكن يبدو أن هذا ما يعتقده عدد قليل جداً من الناس فحسب، سوريون قليلون وشركاء قليلون لهم في العالم. أسمّي هذا الشرط العالمية الحربية الأولى لأنه تشكّلَ بالتفاعل مع الحرب السورية وتفاعلاتها، ولأنه يعيد تأهيل دولة الحرب على نحو يعولم الدولة المُخصخصة، ويلغي الصفة المحلية للتغيير، ثم لأنه أدخل نظام الدولة العالمي في أزمة. ويبدو هذا الشرط الذي يجمع بين الأولية والأصالة والسابقة المُربكة من جهة، وبين الإنكار النشط الذي يحول دون المراجعة والتعرف من جهة ثانية، شرطا نموذجياً، مرشحاً لذلك بالذات للتكرار على نطاق واسع وأشدّ هولاً.

أتكلمُ على عالمية حربية، لا على حرب عالمية، لأن العالم منشبك بأشكال مختلفة في أوجه الصراع السوري، ولأنه صار راعياً للحرب عبر إعادة تأهيل دولة الحرب المحلية، ولأن خصائص العالم الحربية تتنامى بتنامي حضور الحرب ضد الإرهاب في السياسات الدولية. لا يغيب عن المشهد أن القمة الدولية المتمثلة في مجلس الأمن أسهمت في استمرار الحرب وفي عدم إدانة دولة الحرب في سورية، وبحماية روسية مع مشاركة صينية غالباً.

مسرح العالمية الحربية هو العالم، وإن تكن سورية هي بؤرتها النشطة طوال معظم هذا العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

كانت هناك حربان «عالميتان» لأنه لم يكن لدينا عالم رغم التسمية الغربية المفخمة والمحابية للذات. اليوم أيضاً ليس لدينا عالم. سورية بحثت عن عالم ولم تجده إلا كحرب. الدول السياسية تريد انتهاء حربنا دون انتهاء دولة الحرب في بلدنا، بل مع إعادة تأهيلها وصون أجهزة حربها الداخلية بالذات، المتمرسة بـ «الحرب ضد الإرهاب». هذا لا يستقيم. ولا يدلُّ على تصحيح أي خطأ أو توليد أي حقيقة. بل هو إنكار لأوليّة صراعنا. الواقع أن مقاربات القضية السورية تقول إن المُقارِبين يرون في سورية شيئاً سبق أن رأوه مرات ومرات (العراق، أفغانستان، الصومال، لبنان، الغزو الخارجي، الحرب الطائفية...)، وإن لم يكن الشي نفسه دوماً. يختلف ما يرون باختلاف المقاربين، وإن وحّدهم إنكار الأوليّة، والاكتفاء بالتذكر أو بما سبق أن عرفوا. التكرار المهول يبدو لذلك مُحتماً. العالم الذي لم يطور أي مؤسسة أو قاعدة دولية تأخذ علماً بالحدث السوري، بل الذي كافأ بجائزة نوبل مؤسسة شهدت زوراً بتعاون النظام في شأن سلاحه الكيماوي ولم يراجعها، وتكتم على جنايته، بعد انكشاف الزور، هذا العالم العنيد المتصلب في عناده يستدرج نفسه إلى الهول، كما فعل قبل قرن.