سوريون تحت أضواء المسرح

 

في عرضه المسرحيّ الأخير بعنوان إجراء شكلي، يعود تجمّع مقلوبة المسرحي إلى حياة الممثلة السورية أمل عمران، مستلهماً سيرتها الشخصيّة كمادّة خام لمسرحيّته التي قُدّمت على مسرح الرور في مدينة مولهايم الألمانية. العرض الذي أخرجه وائل علي، وكتب نصّه مضر الحجّي، يشكّل تحوّلاً نسبياً في أعمال التجمّع المسرحي السوري العامل في ألمانيا منذ بضع سنوات.

فبعد عدّة عروض مسرحية تعالج بشكل مباشر أحداث الثورة السورية، يبتعد الفريق في عمله الجديد ظاهريّاً عن تجربة الثورة السورية الجمعيّة، لجهة الاقتراب أكثر من الفرداني والشخصي، أي قصّة حياة الممثّلة السوريّة أمل عمران، وذلك عبر تفكيك هذه القصّة ومحاولة إعادة بنائها على خشبة المسرح، في محاولة لخلق سرديّة سورية فرديّة، وسط سياق سياسي وثقافي ليس سرّاً أنّه يخنق السرديّات السورية الفرديّة كلّ يوم.

لكن الملفت للنظر هو أنّ هذا العرض يلجأ، وسط محاولته الواضحة للتركيز على السرديّة السورية الفرديّة، إلى المعطيات ذاتها التي تصيغ السرديّة الجماعيّة، أي الأحداث التاريخيّة الأكثر تأثيراً في تاريخ سوريا المعاصر، من نكبة فلسطين وسط القرن الماضي، إلى الثورة السورية عام 2011.

الاتّكاء على الأحداث السياسية لتقديم القصص الفرديّة لا يبدو مطبّاً خفيّاً تعثّر به عرض «إجراء شكلي» فقط، بل يبدو سمة عامّة لطيف واسع من الفنون والآداب السورية في تاريخ سوريا المعاصر، وحتى في السنوات التي سبقت ثورة البلد وتًغيُّر حاضره ومستقبله بشكل جذري.

بالعودة قليلاً بالزمن، وتحديداً إلى العام 2003، يحضر فيلم طوفان في بلاد البعث كأحد أهم الأفلام الوثائقيّة السورية من فترة ما قبل الثورة، الفيلم الذي أخرجه الراحل عمر أميرالاي، والذي تدور أحداثه في قرية جعيفنيّة الماشي شرق البلاد، قدّم حينها سرديّة مغايرة للسرديّة الرسميّة عن أحد أهم مشاريع نظام الأسد الأب، أي سد الفرات. لكنّ الفيلم ذاته، وكعارض جانبي على هامش جرأته السياسية، كان قد قدّم صورة إشكاليّة جدّاً عن الأفراد السوريّين في تلك المنطقة، وذلك عبر تصويرهم كماكينات إيديولوجيّة لنظام البعث، ودون أيّ أبعاد أخرى فردانيّة أو شخصيّة، الإشكاليّة التي عادت لتتكرّر في أفلام وثائقيّة سوريّة حديثة من أفلام ما بعد الثورة السوريّة، مثل فيلم عن الآباء والأبناء للمخرج طلال ديركي.

كونديرا وكليما والسوريّون

بالابتعاد قليلاً عن سوريا، يمكننا ربّما في هذا السياق استحضار تجربة الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا، ومواطنه الأقل شهرة ربّما إيفان كليما، أقلّه حتّى سنوات قليلة، حين بدأت أعمال الأخير تترجم إلى لغات عديدة من بينها العربية. بعد النجاح الذي حقّقه كتابه الشهير قرني المجنون، النجاح المتأخّر الذي حقّقه كليما رغم كونه ينتمي إلى جيل كونديرا الذي يكبره بعامين فقط، والذي ينتمي بطبيعة الحال إلى التجربة التشيكيّة ذاتها بكلّ أهوالها، هذا النجاح أو الاعتراف المتأخّر الذي حصل كليما عليه، يطرح أسئلة حول الأسباب المحتملة وراء احتكار كونديرا الأضواء لسنوات طويلة، مقابل بقاء مواطنه في الظل طوال تلك السنوات.

الإجابة الأولى المحتملة على هذا السؤال تكمن في الحقيقة الواضحة التي تفيد بأنّ كونديرا يكتب باللّغة الفرنسية، ويعيش في باريس منذ لجوئه إليها منتصف سبعينيّات القرن الماضي، في حين اختار إيفان كليما البقاء في براغ والكتابة باللّغة التشيكيّة، مع كلّ ما تمثّله باريس واللغة الفرنسيّة من مركزيّة ثقافية وقدرة على الانتشار، أقلّه مقارنة ببراغ تحت الحكم الشيوعي.

لكن، وإذا ما أردنا الذهاب أبعد من هذه الحقيقة الواضحة، يبدو الاهتمام بأعمال كونديرا متمفصلاً مع اهتمام سياسي غربي بجمهوريّة تشيكوسلوفاكيا السابقة، وذلك وفقاً لوجهة نظر عدسة ترى فقط كوابيس الحياة وراء الجدار الشيوعي المصمت، الكوابيس التي نجحت أعمال كونديرا في تصويرها وصياغتها في أعمال روائيّة رفيعة الجودة، لا ينتقص من جودتها أبداً كونها كانت موضع اهتمام أدبي غربي لم يكن مزاجه العام سرّاً في مرحلة الحرب الباردة.

يضاف إلى كلّ ذلك طبعاً محتوى أعمال الكاتبين، ففي حين تعيش كثير من شخصّيات كونديرا في منافي أوروبا الغربية، نجد أنّ شخصيات كليما كانت حبيسة خيارها في عدم الهرب من ويلات النظام المستبدّ. ففي حالة الأوّل نحن أمام شخصيّات تعيش وجدانيّاً ربّما في تشيكوسلوفاكيا، لكنّ حياتها الجديدة وتفاصيلها اليومية كلّها تصيغها علاقتها بالمكان الجديد. طبعاً لا ينبطق ذلك على كلّ أعمال كونديرا الّتي تجري بعض أحداثها بشكل كامل ما وراء الجدار الشيوعي، لكنّه ينطبق على الأقل على بعض أعمال كونديرا الأكثر شهرة مثل كائن لا تحتمل خفّته، التي تحوّلت لاحقاً إلى فيلم لعب شخصيّاته ممثلّون مشهورون مثل دانيال دي لويس وجولييت بينوش.

أمّا في حالة كليما، فنحن أمام شخصيّات تعيش تجربة وجدانيّة مختلفة، فهم أناس «عاديون»، ليسوا بالقدّيسين ولا بالملائكة، لكنّهم وجدوا أنفسهم فجأة وسط تجربة العيش الطاحنة تحت حكم نظام استبدادي، يمتلك بالفطرة موهبة تسريب اليأس إلى نفوس محكوميه. الأمر الذي يذكّر بسهولة بحال ملايين السوريين في مناطق سيطرة النظام، الذين وجدوا أنفسهم فجأة خلف جدارين، جدار خوف وإرهاب بناه المستبدّ في لحظة تجلّي وحشّيته العارية، وجدار عزل ورفض رفعه العالم في وجه من رفض أو تأخّر قليلاً في اتّخاذ خيار الهرب من السوريين.

بالعودة إلى الفنون السورية، لا يفشي المرء سرّاً حين يقول إنّ الأدب والسينما والمسرح وسائر الفنون السورية، أصبحت كلّها عقب الثورة السوريّة مادّة لاهتمام عالمّي واسع، تكلَّلَ قبل أسابيع قليلة بترشيح فيلمين وثائقيّين سوريّين في الوقت ذاته لجائزة أفضل فيلم وثائقي، في حفل جوائز الأكاديميّة الأميركية «الأوسكار»، زد على ذلك عشرات الترجمات والتكريمات لأعمال أدبية وفنية سورية في شتّى المجالات.

فنحن إذن أمام واقع مشابه لذلك الذي عاشه يوماً فنّانون منشقّون ومعارضون من وراء الجدار الحديدي الشيوعي، خاصّة أنّ بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة هما في الحالتين الداعم الأكبر مادياً ورمزياً لهذه الأعمال المعارضة والمنشقّة.

في ظلّ هذا الواقع، لا ينبغي ربّما الاستسلام لمعادلة تبسيطيّة مفادها أنّ الاهتمام بالقيمة السياسية لأعمالنا الفنية ينزع عنها بأثر رجعي قيمتها الفنية، وكامل الصنعة الإبداعيّة الكامنة فيها. لكنّ التسليم بحسن نوايا الفنّانين السوريّين وجدّيتهم في العمل على أعمالهم الفنية لا ينفي أيضاً خيار مسائلة مدى جودة صنعتهم الفنية، ومدى نجاحهم في الوصول إلى الأماكن التي تدّعي أعمالهم محاولة الذهاب إليها، وخاصّة في ظلّ التشويش وخلط الأوراق الذي تقدّمه كلٌّ من الجوائز والمنح المادية السخيّة للأعمال السورية، الأمر الذي يفتح عادة في السياق السوري أبوابَ نقاشات غير صحيّة، ليس سرّاً أن الحسد والمنافسة غير النزيهة من أبرز مولّديها، لكنّ هذا نقاشٌ آخر.

هل نحن أفراد فعلاً؟

في أحد مشاهد عرض «إجراء شكلي»، تعرض شاشة على الخشبة تواريخ ولادة أفراد عائلة الممثّلة أمل عمران، والمفارقة التي يطرحها المشهد هي في كون تلك التواريخ مرتبطة بحروب أو أحداث سياسية في سوريا والبلدان المحيطة بها، مثل مصادفة ولادة الممثلة عام 1967. المشهد الذي من المفترض أنّه يقدّم صورة أوسع من حياة الممثلة وشخصية العرض الرئيسية، يبدو وكأنّه مرتبط بحبل سريّ خفي مع أعمال فنية سورية أخرى، سواء من فترة ما قبل ثورة السوريين، أو ما بعدها.

على الرغم من أصالة فكرة البحث في شخصيّة الممثلة السورية اللاجئة على خشبة المسرح، وجودة كافّة عناصر العرض المسرحي من النص إلى الأداء والصور البصريّة الغنيّة المقدّمة على الخشبة، إلا أن الحبل الخفيّ، الذي يربط حياة السوريّين دون كلل بواقعهم السياسي، يبدو كأنه مرساة ثقيلة تثبّت أيّ عمل سوري وتمنعه من الذهاب بعيداً عن ميناء قَدَره السوري المُسيّس.

لكن هل يمكن أصلاً الابتعاد عن ذلك الميناء؟

يزدحم تاريخ سوريا منذ استقلالها بالأحداث السياسية العنيفة، والحروب المستمرة. صحيحٌ أنّ الحرب الأخيرة عقب ثورة العام 2011 كانت ربّما الأعنف في تاريخ البلد والمنطقة بأسرها، إلّا أنّ البلد الذي تقلّب بين انقلابات عسكريّة متواترة حتّى رسى أخيراً في جهنّم دولة الأسد، لم يشهد كثيراً من الاستقرار في تاريخه المعاصر، الأمر الذي أدّى ربّما لانشغال فنّانيه أغلب الوقت بمواضيع تستلهم دائماً الأحداث السياسية الكبرى، رغم كونها غالباً طاحنة للأفراد وتمايزاتهم.

في الوقت ذاته، لا يعني أنّ السياق الديستوبي السوري يشكّل عذراً لقصور أدوات بعض أو معظم فنّاني سوريا عن الحفر أعمق في محاولة فهم الأفراد السوريين، وربّما بعيداً قليلاً عن عدسة السياسة محدودة القدرة، فحقيقة أنّ السياسية تصيغ معظم خياراتنا السورية المحدودة في الحياة، لا تعني أنّنا في الوقت ذاته نتنفّس سياسة طوال الوقت. يطرح تطوير أدواتنا الفنيّة والفكريّة نفسه اليوم كحاجة ملحّة على الفنانين السوريين، فقراءة عالم السوريين الجديد بالأدوات القديمة لن يذهب بعيداً في أيّ اتّجاه.

يشكّل عرض «إجراء شكلي» في هذا السياق محاولة حكيمة للابتعاد عن القوالب الجاهزة للمسرح اللّاجئ، لكن لا يبدو في حالتنا السورية أنّ مهمّة ملامسة فردانيّة الأفراد السوريين مهمة سهلة، فرؤية اللون الحقيقي لبشرتنا تحت وشوم سياقنا السوري، تتطلّب بداية نزع تلك الوشوم، مع كلّ ما يتطلّبه ذلك من ألم وتصميم.