سوريون في تركيا: «ضيوف» بحاجة إذن سفر

 

تمكّنَ يسار أخيراً من مغادرة تركيا والوصول إلى اليونان، بطريقة غير شرعية، بعد أن فقد عمله وضاق ذرعاً بالقوانين التركية المفروضة على اللاجئين السوريين هناك. بلغت كلفة رحلة التهريب التي استغرقت يوماً كاملاً ألفي يورو، ابتدأت من اسطنبول وانتهت في أثينا، مروراً بالحدود البريّة بين تركيا واليونان.

يسار، الذي يأمل بمواصلة هذه الرحلة قريباً والوصول إلى ألمانيا، باتَ اليوم حاقداً على تركيا، بعد أن تحوّلت إلى أشبه ما يكون بـ «السجن الكبير». سجنٌ بجدرانٍ غير ظاهرة، تفرضها القرارات الجديدة/القديمة التي أُعيدَ تطبيقها مؤخّراً بشكلٍ مُشدّدٍ على اللاجئين السوريين، أو «الضيوف» بحسب المصطلح الدارج في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

يُراقب يسار حال صديقه سعيد، الذي يبحث اليوم عن مُهرّبٍ، ليس من أجل الوصول إلى اليونان، وإنما للسفر من مدينة كلّس الحدودية مع سوريا إلى مدينة اسطنبول في الشمال التركي. سعيد، وأكثر من ثلاثة ملايين سوري يتواجدون في مختلف الولايات التركية (آخر إحصائية لعدد السوريين المتواجدين في تركيا، صدرت في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي عن وزارة الداخلية التركية ودائرة الهجرة، تفيد بأنّ العدد يبلغ حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص)، يُفرَض على حاملي بطاقة الحماية المؤقتة منهم منذ الخامس من شباط/فبراير الماضي ما يُمكن اعتباره إقامةً جبرية، بعد أن أصدرت السلطات التركية قراراً بمنع مغادرة اللاجئ السوري حدود الولاية التي يُقيم فيها، حتى إشعارٍ آخر، مع وجود بعض الاستثناءات المرتبطة بحالتي الطبابة والتعليم، والتي أيضاً لم تسلم من فرض الشروط شبه التعجيزية.

القرار الذي بدأ تطبيقه لأول مرة بداية العام 2016، كان حينها يُلزِمُ السوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) باستصدار إذن سفر، من أجل السماح لهم بالتنقّل داخل الأراضي التركية عبر مختلف وسائل النقل، لكنّ القرار الأخير أوقفَ العمل بمنح إذن السفر في جميع الولايات، وهو ما تسبّب بحالة تذمّر شديد في أوساط السوريين، الذي يحاولون إيجاد حلولٍ بديلة للالتفاف على هذه القوانين التي تزيد من متاعبهم وتُقيّدُ حركتهم.

وعلى الرغم من عدم توضيح السلطات التركية للأسباب التي كانت وراء اتخاذ هذا القرار، أو حتى الفترة الزمنية التي سيستمر تطبيقه خلالها، لكنّ تزامُنه مع انطلاق عملية «غصن الزيتون» العسكرية التي يخوضها الجيش التركي مع عدد من فصائل المعارضة السورية ضد وحدات حماية الشعب الكردية في منطقة عفرين، أدى إلى ربطه بالمخاوف التركية من حصول حوادث أمنية، خاصةً في المناطق الحدودية الجنوبية، وهو ما بدا واضحاً من خلال الإجراءات التي أعقبت صدور القرار.

تقارير إخبارية مُصوّرة بثّتها محطات فضائية ومواقع اخبارية تركية، تُوضِحُ قيام عناصر من الأمن التركي بايقاف السوريين والتحقق من هوياتهم الشخصية ومنعهم من السفر في عدد من الكراجات. تعليماتٌ مُشدّدة وُجِّهَت إلى شركات النقل، تُؤكّد على منع أي شخصٍ سوري الجنسية يحمل بطاقة الحماية المؤقتة من السفر في حال عدم امتلاكه الإذن اللازم. حواجز أمنية تنتشر على طرقات السفر، تتصيّد السوريين في الليل والنهار، وتعيد سيّء الحظّ منهم إلى الولاية التي يُقيم فيها، علماً أنّ هذه الحواجز مرتبطة بالوضع الأمني داخل تركيا، ولا تقتصر مهمتها على التحقق من هوية المسافرين السوريين.

القرار الأخير هذا في تقييد حرية حركة السوريين على الأراضي التركية، لا يُعدّ الأول من نوعه، وإنما جاء ضمن سلسلة من الممارسات والتصريحات المستمرة منذ حوالي ثلاثة أعوام، كان آخرها ما قاله الرئيس التركي أردوغان بالتزامن مع انطلاق عملية غصن الزيتون: «نرغب باستضافتهم، لكن يجب أن يعودوا لتطوير بلادهم». قبلها كانت السلطات التركية قد أغلقت المعابر الحدودية مع سوريا في نيسان/ابريل للعام 2015، واستمرّ بعدها حرسُ حدود الأتراك بقتل السوريين الهاربين من الموت. وفي كانون الثاني/يناير للعام 2016، فرضت تركيا تأشيرة دخول «فيزا» على السوريين الراغبين بدخول أراضيها. كذلك وقّعت الحكومة التركية اتفاقاً مع الاتحاد الأوروبي في آذار/مارس العام 2016، يقضي بإبعاد اللاجئين الواصلين إلى اليونان وإعادتهم إلى تركيا. هذا الاتفاق الذي ألبَسَ تركيا صورة الشيطان، كان الطرف الآخر هو المستفيد الأكبر منه، على اعتبار أنه أوقف موجة اللاجئين نحو دول الاتحاد الأوروبي، خاصةً ألمانيا.

محمد، شابٌ سوري يعمل مُصوّراً بمدينة غازي عنتاب، لن يتمكّن من الذهاب إلى اسطنبول والالتحاق بالدورة التدريبية التي دُعيَ اليها مؤخراً، فقط لأنه لم يحصل على إذن سفر. يقول محمد: «في السابق وقبل صدور القرار الأخير، كنتُ أذهبُ بين الثامنة والحادية عشرة صباحاً إلى قسم شؤون الأجانب التابع لإدارة الهجرة، وأتقدّمُ بطلب للحصول على إذن سفر، مُرفق بصورة عن بطاقة الحماية المؤقتة، وفي فترة الظهيرة من اليوم ذاته أعود لاستلام الإذن الذي تكون صلاحيته 15 يوماً». يُبدي محمد استغرابه من اختلاف ومزاجية الموظفين الأتراك في تطبيق القرارات المتعلقة باللاجئين السوريين، رغم أنها تكون صادرةً عن جهةٍ رسمية واحدة. ففي العامين الماضيين، كان الحصول على إذن السفر يقتصر تطبيقه على مَن يرغب بالتنقل بين الولايات التركية الجنوبية، أو مَن يُسافر منها إلى الويلات الأخرى، على العكس ممّا كان يُطبّق على الشخص القادم من اسطنبول أو أنقرة (على سبيل المثال) نحو الولايات الجنوبية، فهو يستطيع السفر، وبالطائرة أيضاً، باستخدام جواز السفر فقط.

ملف اللاجئين السوريين في تركيا وتعامل سلطات الأخيرة معه، مرّ بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى امتدّت منذ العام 2011 إلى أواخر العام 2013، وكانت تُديره حينها منظمة إدارة الكوارث «آفاد»، خاصةً في المناطق الحدودية الجنوبية، والمخيمات المنتشرة على الشريط الحدودي مع سوريا، وتميّزت هذه المرحلة بالتساهل مع السوريين من ناحية حريّة التنقّل والعمل والتعليم والهجرة وغيرها. المرحلة الثانية، بدأت في العام 2014 وما تزال مستمرةً إلى اليوم، انتقل الملف فيها إلى إدارة الهجرة، ومنذ العام 2016، بدأ استصدار القرارات التي ألزمت السوريين بإجراءات مختلفة عن السابق.

يحاول محمد منذ أشهر استخراج إقامة سياحية تركية، تُجنِّبُهُ المرور بالإجراءات البائسة المُطبّقة على مَن يحمل «الكيملك» فقط، لكن محاولاته باءت بالفشل في كلّ مرة. يقول محمد: «في أيار/مايو من العام 2017، صدر قرارٌ من إدارة الهجرة التركية، سُمِحَ بموجبه للاجئ السوري بالحصول على إقامة سياحية، بشرط أن يكون لديه جواز سفر صادر حديثاً عن القنصلية السورية في اسطنبول». في حزيران/يونيو، فَعَلَ محمد ما هو مطلوب، وتحصّل على جواز السفر بتكلفة بلغت ألف دولار، وعند ذهابه لاستصدار الإقامة، أخبره الموظف أنّ العمل بالقرار المذكور قد توقّف. يُضيف محمد: «حالة التخبّط وعدم الوضوح في التعامل مع اللاجئين السوريين في تركيا، تنعكس من خلال هذا القرار الذي لم يدم تطبيقه سوى عشرين يوماً، كانت كافية فقط لأعداد قليلة جداً من السوريين لإتمام الإجراءات والحصول على الإقامة السياحية المنشودة».

وتشترط السلطات التركية على السوريين الراغبين باستصدار إقامة سياحية، امتلاك جواز سفر ساري المفعول يحمل ختماً بدخول الأراضي التركية لم يمض عليه أكثر من 90 يوماً، وهو ما يُعدُّ شرطاً تعجيزياً، في ظلّ إغلاق المعابر البريّة والبحرية والمجالات الجويّة بوجه السوريين، منذ ما يزيد عن عامين.

في 28 تموز/يوليو من العام 1951، أعلنت الأمم المتحدة عن اتفاقيةٍ عُرِفَت بـ «اتفاقية اللاجئين لعام 1951»، التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 1954. بلغ عدد الدول التي وقّعت فيما بعد على هذه الاتفاقية 145 دولة، كانت تركيا من أوائلها. الاتفاقية اقتصرت حينها على اللاجئين الأوروبيين الهاربين من بلدانهم بسبب الحرب العالمية الثانية، لكنها عُدِّلَت بـ «بروتوكول 1967» الذي وقّعت عليه 146 دولة، بينها تركيا أيضاً. «البروتوكول» المُضاف، ألغى الحدود الجغرافية والزمنية لمَن يُمكن اعتبارهم لاجئين، على اعتبار أنّ اللجوء أصبح ظاهرة عالمية نتيجة انتشار الحروب والنزاعات. كما أطلَق «البروتوكول» تعريفاً مُحدّداً لـ اللاجئ: «كل شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يُبرّره من التعرض للاضطهاد، بسبب العرق، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد. أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلى ذلك البلد».

تحتوي الاتفاقية والبروتوكول على 46 مادة، تُحدّد حقوق اللاجئين وواجبات الدول التي تستقبلهم، إضافةً إلى أمورٍ تنظيمية أخرى. المادة 26 من الاتفاقية، تنصّ على ما يلي: «تَمنَح كل من الدول المتعاقدة، اللاجئين المقيمين بصورة نظامية في إقليمها، حقّ اختيار محل إقامتهم والتنقل الحر ضمن أراضيها، على أن يكون ذلك رهناً بأية أنظمة تنطبق على الأجانب عامةً في نفس الظروف». والمادة 27 من الاتفاقية جاء فيها: «تُصدِر الدول المتعاقدة بطاقة هوية شخصية لكل لاجئ موجود في إقليمها لا يملك وثيقة سفر صالحة».

تركيا، ورغم توقيعها على الاتفاقية ثم البروتوكول، إلا أنها لم توافق على إزالة الحدود الجغرافية من اتفاقية 1951، بمعنى أنها استمرت في اعتبار أنّ اللاجئين هم فقط الأشخاص القادمون اليها من دول الاتحاد الأوروبي، أما أولئك الذين يدخلون أراضيها هرباً من الحروب والاضطهاد في دول غير الدول الأوروبية، فإنهم غير مشمولين بالالتزامات الناشئة عن الاتفاقية، أي أنهم ليسوا لاجئين بالمعنى المقصود في اتفاقية 1951 والبروتوكول اللاحق لها، ومن ثم فإن تركيا تعتبر نفسها غير ملزمة بضمان حقوق اللاجئين المنصوص عليها في الاتفاقية بخصوص السوريين، ومنها حق التنقل الحر.

المحامي والباحث الحقوقي السوري رامي العسّاف، يؤكد أنّ اتفاقيات جنيف الأربعة الخاصة بالنزاعات المسلّحة وحماية ضحاياها ينبغي أن تنطبق في قسم كبير منها على اللاجئين السوريين، لكن تركيا لم توقّع على جميع هذه الاتفاقيات، بل وقّعت على ثلاث منها فقط. وهو يقول أيضاً إن اللاجئين السوريون في لبنان والأردن والعراق، يتبعون بشكلٍ مباشر إلى المنظمات الدولية، كما أنّ هجرة البعض من هؤلاء إلى دول أخرى كانت تتمّ أيضاً بشكلٍ مباشر عبر منظمة الهجرة الدولية. وهذه الحالة لم تكن مُطبّقة على اللاجئين السوريين في تركيا، لأنّ «الأخيرة حاولت في البداية عدم انتظار المساعدة أو ما يُمكن تقديمه في هذا المجال من قبل الأمم المتحدة، بل اعتمدت بجهود ذاتية على هيئة الإغاثة التركية (IHH) التي تولّت بشكل شبه كامل متابعة الملف».

ويُضيف العسّاف: «هناك نوعان من دول اللجوء؛ الأول هي دول عبور أو مرور، وهذه الدول بالنسبة للاجئ السوري هي تركيا، ولبنان، والأردن، والعراق. والنوع الثاني هي دول استقرار. وتختلف الأحكام التي تنطبق على اللاجئ في دول العبور عن تلك التي تنطبق عليه في دول الاستقرار، من ناحية حرية التنقل والعمل وغيرها».

ويُشير العسّاف إلى أنّ قرار إلزام السوريين في تركيا بالحصول على إذن سفر، هو قرار قديم، لكن تمّ تفعيله مؤخراً، وذلك من أجل تقييد تواجد اللاجئ السوري في المنطقة التي يسكن فيها، موضحاً أنّ السوريين، منذ دخولهم إلى تركيا في العام 2011، تعاملت معهم السلطات على أنهم ليسوا لاجئين، وإنما أطلقت عليهم صفة «ضيوف»، ومنحتهم «بطاقة الحماية المؤقتة» فقط، التي لا تضمنُ لهم ما ينبغي ضمانه من حقوقٍ للاجئين وفقَ المواثيق الدولية. ويُضاف إلى ما سبق حالة الطوارئ التي تعيشها تركيا، وهو ما أثّر أيضاً على تواجد السوريين وحرية حركتهم.

ينتظر يسار الحصول على هوية أوروبية مزوّرة، تُمكّنه من تجاوز الإجراءات في مطار أثينا والصعود إلى الطائرة المتّجهة نحو ألمانيا. فشلت محاولته الأولى، بعد أن أوقفه أحد رجال الأمن داخل المطار وسأله بالإنكليزية: «وير أر يو فرم؟»، فأجابه يسار بلهجته الدمشقية الواضحة: «إيتاليانو! إيتاليانو!». سيحاول يسار مُجدّداً، وربّما كثيراً، قبل أن يبتسم له الحظ ويدفعَ للمُهرّب لقاء ذلك أربعة آلاف يورو، ذلك في الوقت الذي وصلَ فيه سعيد إلى اسطنبول، بعد أن أقلّه مُهرّبٌ سوريٌ بسيارة تركية خاصة مقابل أربعمئة يورو فقط!!