سوق الحشيش والكبتاغون في دمشق

 

الظلام دامس، وصوت المولدات الكهربائية هو الأعلى عند دخولنا إلى منطقة الدويلعة في أطراف مدينة دمشق على تخوم ريفها. يبطئ السرفيس المثقل بالركاب من سرعته، ويطفئ الأضواء فجأة. تبدأ تساؤلات الركاب همساً داخل الحافلة؛ «شو في؟». يجيب أحدهم:  «حاجز طيار»، ليفتح البابَ شخصٌ يرتدي لباساً مدنياً وجُعبة، ماسكاً بندقيته كمعول، قائلاً: «مكافحة».

نتأكد حينها أننا وقعنا في حاجز طيار لفرع مكافحة المخدرات. يأخذ الركاب وضعية الدجاج في القفص قبل أن يختارها الجزار لذبحها، يتفرّس فينا رجل الأمن طالباً من ثلاثة من ركاب السرفيس النزول إليه مع هوياتهم. يلتفت جميع الركاب إلى الأشخاص الذين تم اختيارهم للنزول، وهم ثلاثة شبان في العشرينيات من العمر. يأخذ عنصر الأمن هوياتهم، ويذهبون إلى الجدار رافعين أيديهم إلى الأعلى وعيون الجنود تراقبهم.

يأتي شرطيٌ ليفتّش في أغراضهم وعلب تدخينهم إن وجدت، عابثاً بأجسادهم، باحثاً عن أي نوع من أنواع المخدرات. بعدها ينتظرون وصول أسمائهم من الفيش، قبل السماح لهم بالانصراف في حال كانت سجلّاتهم الأمنية نظيفة. يعود الشبان بعد نصف ساعة من الانتظار إلى الحافلة، وقد بدت على وجوههم فرحة الناجين.

مصيدة المكافحة

تُركِّزُ الحواجز التي زاد انتشارها منذ عامين على الذين يركبون الحافلات العامة والمُشاة، وعلى راكبي الدرجات النارية، في حين لا تُعير الكثير من التركيز للسيارات الخاصة. لكن لا يبدو أن الإجراءات الصارمة التي يفرضها النظام في الطرقات، ولا الأحاديث الرسمية عن انخفاض عدد قضايا المخدرات إلى حوالي 4000 قضية، بحسب تصريحات حسين جمعة مدير إدارة مكافحة المخدرات الشهر الماضي، تعكس الواقع الفعلي لانتشار هذه المواد في العاصمة.

حملنا هذه الأرقام والوقائع، وذهبنا إلى مكتب أحد المحامين في دمشق، الذي قال لنا إن الأرقام التي تصدرها مديرية مكافحة المخدرات تعكس عدد القضايا التي تم البتّ فيها، ولكنها لا تعكس مدى انتشار المواد المخدرة. يتابع المحامي: «فرع مكافحة المخدرات هو المسؤول عن معالجة هذه المسائل. يُمنَع المحامون من دخول الفرع، ويتعامل الفرع مع موقوفيه كما تتعامل الأجهزة الأمنية مع المعتقلين لديها، حيث يخضعون للتعذيب والتحقيق العنفي الممنهج، وجرت العادة أنه على كل متهم إعطاء خمسة أسماء من المتورطين كي يتم إغلاق الملف وتحويله إلى القضاء».

يتقاطع كلام المحامي مع كلام مصدر غير رسمي في القصر العدلي في دمشق، أكد لنا أنه يتم تحويل الموقوفين في قضايا المخدرات إلى القضاء بعد تقديم محضر في فرع مكافحة المخدرات، مضيفاً أنه في أغلب الأحيان يتم ترك الذين لم تُضبَط معهم أي مادة.

يقوم فرع مكافحة المخدرات بإرسال قوائم بأسماء الأشخاص المُعتَرَف عليهم خلال التحقيق إلى وزارة الداخلية، التي تقوم بتعميمها لملاحقة أصحابها دون الرجوع إلى القضاء. وقد ساهم الاعتراف على الأسماء من قبل المتهمين نتيجة التعذيب، ومن ثم تعميمها دون الرجوع إلى القضاء، في تنشيط سوق سوداء للمتهمين بقضايا المخدرات. تحدثنا إلى أحد الذين كانوا مطلوبين لفرع المخدرات عن طريق الاعترافات، وأكَّدَ أنه دفع مبلغ ألفي دولار لأحد ضباط الفرع مقابل تحويل ملفّه إلى القضاء مباشرة دون الاحتجاز في الفرع والتحقيق معه.

تقع إدارة فرع المخدرات في منطقة دمر المحاذية للعاصمة، وهي تحظى بتحصين مماثل لذاك الذي تحظى به إدارات أفرع المخابرات في كفرسوسة بدمشق. لا يُسمَح بدخولها لأي مدني أو عسكري دون إذن مسبق، ويبقى الموقوفون من الأسبوعين إلى الشهر في زنازين الفرع، ومن ثم يتم تحويل معظمهم إلى القضاء، فيما يحق للفرع تمديد فترة الاحتجاز حتى ينتهي التحقيق.

أحد العناصر الذين كانوا يخدمون في فرع المخدرات قال للجمهورية: «الدخول إلى الفرع بالنسبة للمتهمين يكون إما للمطلوبين الذين يتم إلقاء القبض عليهم، أو عن طريق الذين يراجعون الفرع لتسوية أوضاعهم، وهنا تكون الرشاوى بحسب حجم الملف الذي يحملونه، وبعدها تأتي عمليات التحقيق حيث يتم أخذ إفاداتهم تحت التعذيب في حالات كثيرة».

خرداوات الكيف

في أحد الشوارع الشعبية في دمشق، يفتح أبو محمود دكانه عند الساعة الواحدة، متأخراً بحسب توقيت العاصمة. كان الجنود يتواردون إليه لبيع المسروقات التي كانوا يحظون بها خلال عملياتهم العسكرية في محيط دمشق، أما الزبون فقد يحظى بشباك مكسور من جراء القذائف، أو خزانة ملابس ما زالت صور العائلة التي اقتلعت من بيتها على أحد أبوابها، وربما أواني مطبخ أو حتى ألعاب أطفال. تراجع هذا النوع من العمل بعد توقف المعارك في محيط العاصمة، لكن عمل أبو محمود هذا يخفي تحته عملاً آخر هو بيع الحشيش.

ذهبنا إلى أبو محمود كزبائن بناء على موعد حددناه مسبقاً عبر أحد المعارف. استقبلنا وأغلق باب المحل خوفاً من العيون الفضولية. يقول لنا: «في هذا المحل أبيع كل شيء وأشتري كل شيء، لكن هذه هي الأغلى» مشيراً إلى السيجارة بين إصبعيه؛ «جميع هذه الأدوات خرداوات، لكن هذه السيجارة للرأس».

لفافات التبغ تحترق والدخان يتطاير والأحاديث تجرّ بعضها كعربات قطار. يقول أبو محمود عن آلية توزيع تلك المادة: «يمكن تقسيم دمشق إلى خمس مربعات؛ المربع الأول هو من ساحة الأمويين إلى حي المزة ومحيطه، في حين أن المربع الثاني هو لشارع بغداد وصولاً إلى الدويلعة، فيما المربع الثالث يبدأ من بداية حي القابون إلى ساحة باب توما، أما المنطقة الجنوبية من دمشق فتحظى بمربع خاص، لتبقى نواة العاصمة كمنطقة بحد ذاتها. يتوزع في كل من هذه المناطق الخمس "ديلر" أو اثنين، يوزعون إلى البائعين الأصغر منهم، الذين تُطلَق عليهم صفة (شقيعة/ شئيعة) في استعارة لعمل شغيلة المحلات في أسواق دمشق، ومهمتهم هي توصيل البضائع وجذب الزبائن».

يشتري أبو محمود الحشيش مقسماً إلى قطع، كل قطعةٍ تزن 200 غرام، تُسمّى باللهجة المحلية «أكاية»، وهي عبارة عن مستطيل من القماش الأبيض فيها قطع تشابه إلى حد كبير قطع الشوكولاته بالملمس، ولكنها أكثر لزوجة منها. يقوم بتوزيع القطع على شقيّعته الذين بدورهم يبيعونها إلى المستهلكين، وتتنوع ماركاتها بحسب المكبس الذي كُبست فيه هذه المادة بعد قطفها وبحسب العمليات التي تجري لتخزينها، منها مزاج الشام وليالي الشام والبعلبكية و«توم وجيري» وغيرها. بحسب أبو محمود، يعود الفرق في جودة تلك الأنواع إلى نوع البذرة وكمية الغش التي فيها، لتكون هذه العوامل مميزة لمادة عن أخرى.

عن الطريق الذي تأتي منه هذه المواد إلى دمشق، يقول أبو محمود: «لا يدخل إلى دمشق شيء دون علم الأجهزة الأمنية ودون أخذ حصتها منه. يأتي الحشيش من لبنان عبر القلمون تهريباً، مروراً بالطريق التي يستخدمها حزب الله لدخول قوافله إلى سوريا، وتسيطر على هذه الطريق وتؤمن طرق حمايتها الفرقة الرابعة، وتتقاضى حواجزها مقابل ذلك بدلاً عمّا بات يعرف بالترفيق. عندما تصل البضاعة إلى القلمون يتم تخزينها، وفي كثير من الأحيان يتم غشها بمواد أخرى كي يزيد وزنها، مثل الحنة ومكعبات الماجي. وأحياناً مواد كيماوية مثل الزولام والكابتيكون، "ضرب هذه المواد" بالمصطلح الشعبي يحدث لأن نوعية الحشيش تكون سيئة من ناحية التصنيع، أو يفقد جزء منه فاعليته بسبب سوء التخزين، فيقوم المورد بغشها بهذه المواد الكيماوية بهدف ضمان فاعليتها.

لا يمكن أن تدخل هذه المواد إلى دمشق دون وجود ضابط يمكن أن يغطي دخولها إلى العاصمة المحروسة أمنياً بشكل دقيق، حيث تمر جميع السيارات المدنية عبر أجهزة كاشفة، باستثناء السيارات العسكرية التي لا تمر عبر الجهاز».

بحسب مصادر متقاطعة، يخرج كيلوغرام الحشيش من لبنان إلى الأراضي السورية بسعر نحو 75 دولاراً، ليصل إلى يد الموزعين الأساسيين بسعر 100 دولار وسطياً، ويتم بيعه في النهاية للمستهلكين بسعر 15 ألف ليرة سورية لكل 25 غراماً، أي ما يقارب خمس دولارات. ويرجع رخص مادة الحشيش في  العاصمة، اذا ما تمت مقارنتها بأسعار هذه المادة في الشمال السوري، أولاً إلى سهولة وصول حزب الله وشبكات التجار الذين يتعامل معهم إلى العاصمة دمشق، وثانياً إلى فساد ضباط جهاز المكافحة، ذلك أنه عند مصادرة كمية من مادة الحشيش، فإنهم يقومون بإعادة طرحها في السوق، ما يساهم في انخفاض سعرها.

معظم الذين استطلعنا آراءهم عرفوا مادة الحشيش بعد العام 2011، حيث بدأوا يعتمدون على تلك المادة بعد غلاء المشروبات الروحية التي وصلت نسبة ارتفاع أسعار الأنواع الوطنية منها إلى 300 بالمئة. وفضلاً عن انخفاض السعر، يتميز الحشيش بانخفاض آثاره المباشرة التي تظهر على جسم المتعاطي إذا ما تمت مقارنته بالأنواع الكيميائية من «مواد الكيف».

حبوب الكابتن ماجد

على زوايا أحد الأحياء العشوائية في دمشق يقف الجنود متفقدين متاعهم، أسلحتهم التي تلتصق بأجسادهم التي أصبحت جزءاً من أجسامهم خاكية اللون، بعضهم يتفقد أوراقه الشخصية، والآخر يحصي نقوده، قبل أن ينطلقوا إلى نقطتهم العسكرية في الغوطة. لكنهم يمرون في طريقهم قبل ذلك على أبو يوسف، الذي يروي لنا أن صحبته معهم وصلت إلى حد تبادل المزاح الذي تتخلله شتائم؛ يسأله أحدهم دائماً: «شو أبو يوسف، جبت الرزق؟». الرزق المقصود هنا هو الكبتاغون، خمس حبات بخمسة آلاف ليرة سورية.

تنقّلَ أبو يوسف بين العديد من المليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام، وكان حاضراً على اقتحام النظام مخيم اليرموك، قبل أن يفقد إحدى ساقيه في أزقته. أول تعاطٍ لأبو يوسف مع مادة الكبتاغون كان منتصف العام 2017، وهو يتذكر أيام محاولات اقتحام المخيم آنذاك قائلاً: «كنا نجتمع عند نهاية شارع نسرين، وكانت مجموعتنا مؤلفة من عشرين عنصراً. قاتلنا في أكثر من مكان في محيط العاصمة وريفها، لكن كان الأصعب بالنسبة لي هو القطاع الجنوبي، وتحديداً المخيم. أتذكر جيداً عندما اقترب أحد عناصر المجموعة، واضعاً نصف حبة صغيرة في يدي. نظرتُ إليه مستغرباً فأجابني بضحكة: خذ هذه الحبة وسوف تصطاد المسلحين كما العصافير. أخذتها وبقيت مستيقظاً نشيطاً 24 ساعة دون الحاجة إلى نوم».

الكبتاغون، التي يدرج على تسميتها في دمشق بحبوب الكابتن ماجد لأنها تجعل المتعاطي نشطاً متيقظاً كما حال الشخصية الكرتونية الشهيرة في سوريا، أصبحت قوتاً يومياً لمعظم المقاتلين بحسب العديد من الشهادات المتقاطعة. وبعد خسارة أبو يوسف لساقه أثناء اقتحام النظام لمخيم اليرموك، لم يجد أي شيء سوى حبوب الكابتن ماجد نفسها كمصدر للرزق.

يقول أبو يوسف إن الحبوب التي يبيعها تصل إليه من ضابط في قوات النظام، دون أن نتمكن من الحصول على مزيد من التفاصيل منه، باستثناء أنه يقول إنه لا يبيع سوى للمقاتلين، لأن «هذه المواد تحتاج إلى رجال». ويقول أيضاً إنه يحيط عمله بأكبر قدر ممكن من السرية، بمعنى أنه وجد طريقاً بين مجموعات من المقاتلين الذين يعتبرون المستهلك الأكبر لهذه الحبوب، ولا يبيع خارج هذه المجموعات التي يعرفها. يشرح أكثر: «يتمتع العسكر بحرية أكبر في الحركة ويخضعون لتدقيق أقلّ، لذلك أُفضِّلُ بيعها لهم على أن أبيعها للمدنيين وأكون موضع مُساءلة».

أشكال أخرى من المواد المخدرة في دمشق

إلى جانب الحشيش والكبتاغون اللذين يحتلان المساحة الأكبر، تَحضُرُ أيضاً الأدوية التي يمكن استعمالها كمواد مخدرة، مثل الترامادول والبريغابالين، التي يتراوح سعر الظرف الواحد منها من 10 آلاف إلى 15 ألف ليرة سورية.

قصدنا عدة صيدليات في العاصمة بهدف طلب واحد من هذه الأدوية، لكننا لم نستطيع الحصول على أي ظرف منها دون وجود وصفة طبية، وكانت ملامح الشك هي التي تستقبلنا عند السؤال عنها.

قالت صيدلانية تَحَدّثنا إليها إنه منذ العام 2018 بدأ يزداد التدقيق شيئاً فشيئاً على بيع هذا النوع من الأدوية، ووصل إلى ذروته عند بداية العام 2020، حين عمّمت وزارة الصحة منع بيع أي دواء مخدر دون تسجيله في دفتر الأدوية النفسية الخاص بالصيدلية، وأصبح هنالك صعوبة بالحصول على تلك الأدوية حتى من قبل الصيادلة أنفسهم. وعن الأدوية التي يتم التدقيق عليها قالت: «البريغابالين، وأدوية الرشح التي تحتوي على مواد بسيدوافدرين، وحتى دواء السيتاكودائين لم يَعُد يعطى دون وصفة طبية، في حين أن الترامادول منقطع بشكل كامل عن السوق الدوائي في العاصمة دمشق، رغم وجود معامل لتصنيعه في البلد. تسعى وزارة الصحة إلى فرض التضييق على الصيادلة، وتعتبرهم المنفذ الرئيسي لوصول هذه الأدوية إلى السوق السوداء، لكن هذا ليس دقيقاً لأنها لا تزال متوافرة بين أيدي المدمنين عليها رغم كل هذه الإجراءات».

ثمة أشكال أخرى من الإدمان في دمشق، من شّم مادة الشعلة (الغراء) التي يتعاطاها الأطفال والأكثر فقراً، نتيجة انخفاض سعرها وغياب الرقابة على بيعها، إلى الهيروين الذي يعتبر أكثر أنواع  المخدرات التي تتم ملاحقة تجّارها ومتعاطيها، وصولاً إلى الكوكايين الذي لا يجد طريقه إلّا إلى أنوف الميسورين مادياً، في بلد يعيش سكانه أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة ومستمرة، ليس انتشار المواد المخدرة على نطاق واسع سوى وجه آخر من وجوهها.