سيدة الكرسي

 

على الجدار في مكتب معالجي النفسي لوحة معلّقة أنظر إليها باستمرار في كل جلسة. منظر مينماليست لنافذة عالية، طاولة صغيرة في الزاوية عليها مزهرية وبعض الأزهار البيضاء، ربما أزهار توليب. وفي الزاوية الأخرى طرف لطاولة مغطاة بمفرش أحمر غامق. مواجهاً للنافذة يجلس شخص، على الأغلب امرأة، تعطينا ظهرها بينما تنظر نحو الخارج إلى أفق مدينة حديثة، ومن تحتها أسطح قريبة لما يبدو وكأنه مصنع قديم من رموز الثورة الصناعية.

ما شدّني في لوحة إدوارد هوبر (Edward Hopper) هذه، المسماة «غرفة في بروكلين» (1932) هو المقام الذي تتخذه هذه السيدة في عزلتها وهي تنظر إلى الأسفل من خلال النافذة العالية. مقام مألوف لديّ، ولدى الكثيرين من المهاجرين في الغرب المعاصر. مقام تيليسكوبي يخوّل للمرء أن يراقب منه هذا العالم الصاخب عن بعد. أن يراقب الحياة التي نحياها كمهاجرين في بلاد جديدة. حياة مركّبة فوق حياة أخرى تركناها وراءنا في بلادنا الأم. نرقب هذه العوالم وهي تمشي بخيلاء خارج قوقعتنا. قوقعة «مجازية» لا ريب، تشكّلها طبقات لا مرئية تحمينا في المغترب. مشيج عجيب من اللغة والثقافة، من العادات والتقاليد، من المناظر والأصوات والروائح. عناصر علينا جميعاً الخوض فيها ومعالجتها عندما نرحل بعيداً عن بيئاتنا الحاضنة، فنتمسّك ببعضها ونتخلى عن بعضها الآخر بينما نكتسب الجديد.

ذكرتُ لمعالجي النفسي كيف دفعتني سيدة الكرسي في لوحة هوبر أن أتفكّر في مقامي من العالم، وخاصة مقامي من حياتي التي أمرّ بها. الحياة التي أراقبها كالمسجون. حالة انفصال لا تلبث في الازدياد والتوسّع. فليس من العجب أن أجد نفسي وأنا أتوحّد مع سيدة الكرسي هذه في مقامها. أشاركها تلك المسافة التي تفصلنا عن الحياة في هذا المنفى. مسافة يكرّسها كثيرٌ من الأمور، ومنها اللغة.

معالجي النفسي أميركي، لا يتكلم العربية، فنخوض جلساتنا بالإنكليزية. لطالما كانت لغتي الإنكليزية جيدة منذ صغري، وجاءت سنوات اغترابي في أميركا وتدربي كطبيب نفسي، لتُطلق لساني أكثر بها محادثة، وقراءة، وكتابة. ولكن على الرغم من ذلك صرتُ أجزمُ أن تجربة العلاج النفسي بالإنكليزية تحمل في طيّاتها اختلافات جذرية عنها بالعربية. حتى أنني ما زلت أردد لمعالجي «لو كنا نقوم بجلساتنا بالعربية، لكنتُ قد بكيتُ أمامَك منذ زمن».

صار لي ست سنوات في علاج نفسي لم أبكِ فيه مرة واحدة. حتى في أقصى لحظات الضعف والفزع داخل غيمة الأسى العميقة التي تحيط بي أحياناً. لم أذرف دمعة واحدة. حتى في لحظات النوستالجيا الحرّاقة أو الفقد المؤلم، أو الوجع الشديد. أليس أمراً مثيراً للتساؤل؟ أعتقد أن جاك لاكان سيجد الأمر مثيراً للاهتمام أيضاً. لاكان، القامة المثيرة للجدل في تاريخ التحليل النفسي، الذي ابتعد عن مدرسة فرويد واقترح مفاهيمَ وديناميكيات جديدة؛ كان يقول إنّ جوهر تجربتنا النفسية كبشر يكمن في ممارستنا للُّغة. اللغة التي نستخدمها للتواصل مع محيطنا (أو مع معالجنا النفسي) هي بوابتنا نحو أعماق النفس. وبالنسبة له، فإن لاوعي الشخص يُبنى على هيكل اللغة، ومعها. فعند الصغر، نحن لا نكتسب اللغة كلمات وجملاً فحسب، بل نشارك في عملية فطرية من حقن للكلمات والمصطلحات بالمعنى والشعور. هكذا تصبح الكلمة المحكية خيطاً يربط بما قبلها وما بعدها من تجارب شعورية وحسيّة. فمن خلال الكلمة المحكيّة نستطيع أن نتتبع هذا الخيط الطويل المترابط من المعاني والأفكار والمشاعر. نخطف خلفاً في علاجنا النفسي، عميقاً داخل اللاوعي. فتغدو الكلمة مدخلاً إلى النيء من مشاعرنا، العصي على الوصول بدون «كلمة السر» الصحيحة.

ولكنّني عندما بدأت بتعلم الإنكليزية طفلاً، كانت قد مرت عليّ سنوات من التطور كطفل بشري ينمو في بحر من اللغة المحكية العربية - اللغة الأم. فلم أتشرّب الإنكليزية من محيطي الحاضن ولم أكوّن مفاهيمي حول نفسي وحول عالمي من خلالها. تعلمت الكلمات والمصطلحات الإنكليزية وهيكل اللغة الجديدة بشكل لاحق وحمّلتها بالمعنى معتمداً على مخزوني العربي. هذا الاختلاف الزمني والجوهري في طريقة تعلّم اللغة (فطرياً أم مدرسياً) يغيّر وظيفتها الشعورية بشكل جذري. أحياناً يطلب مني معالجي أن أردد له بالعربية كلمة أو جملة أحاول التعبير عنها؛ كأن أردد مثلاً ما قالته لي أمي أو شريكتي بالعربية. يمكنني ببساطة أن ألاحظ الفرق الشعوري عندما أنطق بالعربية جملة كنتُ قد ردّدتُها قبل ثوان بالإنكليزية. بلا أدنى شك يقفز قلبي من الاهتياج عند استعادة الكلام بلغته الأم. وكأنه يأتي محمّلاً بأثقال عاطفية عظيمة، الأمر الذي قلّما أصادفه عندما أحاول إيصال الفكرة أو الجملة نفسها بالإنكليزية. فالنطق بالعربية يفتح البوابات، أو ينزل الحواجز، كي أجلس مكشوفاً وعارياً، بينما هناك من يراقبني.

المعالج النفسي ليس مجرّد آلة تسجيل. وليس مجرد متفرج. فهو، حين يجلس على الجانب المقابل من وجودي الفيزيائي، يجلس على الجانب الآخر من تجربتي الإنسانية بكل تعقيداتها. ينظر إلى حياتي من المقام نفسه التي تنظر منه سيدة الكرسي إلى العالم خارج نوافذها. ينظر نحو الخارج، لا الداخل. ولا يمكن له أن يكون أبداً داخل تجربتي. هو مشارك فاعل، يحاول التوغّل معي داخل التجربة وإرشادي إلى منزل المعنى ومقام الفهم.

بالإضافة إلى هذا، فإن شعوري الدائم بأنّ ثمة من يراقبني في جلسات العلاج النفسي هو زورانية (بارانويا) لها ما يبررها. فوجود المعالج النفسي في الغرفة، وتوحّدي مع سيدة الكرسي في لوحة هوبر، أمران كافيان لتبرير هذه الزورانية. فعندما وضع هوبر رأس السيدة ضمن إطار إحدى لوحات النافذة، وقدمها لنا لوحةً تُعرَضُ على الجدران، كان قد حَكَمَ عليها حُكماً أبدياً بأن تكون منظراً للأعين. فهكذا أراقبها، كما أُراقِب معالجي أيضاً، الذي يُصبح بدوره مُراقَباً. فكلّنا نراقبُ معالجينا النفسيين بينما يقومون هم بمراقبتنا. وما يزيد من تعقيد هذه العلاقة في حالتي، هو اختصاصي وتدريبي الذي يسمح لي أحياناً أن أتوّحد معه، فأصبح أنا المعالج النفسي وأراقب نفسي من خلال عينيه.

تخيلوا معي مثلثاً افتراضياً يتكون عفوياً في جلسات علاجي النفسي بثلاثة رؤوس واضحة؛ أنا-المعالج-وسيدة الكرسي. كل منّا يمكن له أن يتبادل الأدوار مع نظيره. أنا: مريض وطبيب في آن. سيدة الكرسي تكونني تارة وتصيرُ معالجي تارة أخرى. وأخيراً، معالجي النفسي، مراقِباً تارة ومراقَباً أخرى.

عندما افتح هذا المثلث المطوي بحذر أكتشف إمكانيات لامتناهية للّعب والعلاج. فتبادلي الأدوار مع سيدة الكرسي يخلّصني من إحساسي بالذنب الناجم عن انعزالي أنا عن عالمي. أتخلص من هذا الذنب، ولو مؤقتاً، عندما أنقله إليها. فلمّا أصير سيدة الكرسي، يُحكَمُ عليَّ بالعزلة (كما حَكَمَ هوبر عليها بالعزلة)، والمحكومُ لا ذنبَ لهُ في عزلته. في المقابل، بتوحّدي مع سيدة الكرسي آخذُ خطوة نحو الخلف كي أنظر نحو حياتي وتاريخي من خلال عينها الحيادية. عينها التي تخلو من المحاكمة واللوم.

وعلى سيرة الذكريات؛ في سنوات الطفولة كنت كثيراً ما استلقي على سريري أراقب تضاريس السقف المعتم وأجهش بالبكاء. فكرة مدمّرة كانت تدور في رأسي كالدوامة، «حتماً ستموت أمّي في يوم ما... سأفقدها ولا أستطيع فعل أي شيء حيال هذه الحقيقة». كنت أشعر بالرمال المتحركة لحتميّة الموت وهي تبتلعني، فأغضب من هذه الحتمية ومن ظلمها. «ليس من العدل أن نخوض تجربة الفقدان والخسران هذه، يا رب». ولم يعزّني الكثير وقتها إلا أمنية بسيطة في أن يتأجل موت أمي إلى زمن بعيد. وما زالت الأمنية حاضرة بكل تمائمها. بالمقابل، كان عندي مخاوف أكثر إلحاحاً تجاه فقدان والدي. فقد كان أبي يكبَر أمي بعشرين سنة، ويتمتّع بجينات معطوبة جعلته عرضة لأمراض القلب بشكل مبكر نسبياً. أذكر بوضوح كيف جاء يوماً ليصحبني من المدرسة في الصف الثالث الابتدائي، وكيف تضاحَكَ بعض الأولاد الأشقياء مردّدين «شكله متل جدك». فعلاً، كان أبي أكبرُ سنّاً من معظم آباء زملائي في المدرسة، الأمر الذي بالغ من مخاوفي التي تحققت بعدها بوقت قصير، حيث توفّي أبي عندما كنتُ في العاشرة ونيّف من العمر.

قبل موته، ولأشهر عدة خلال مرضه، كنتُ أتلصص عليه من ثقب باب الحمّام. كان لدينا حوض استحمام كبير وكان «الحجّي» يأخذ حمامه الطويل مستلقياً على ظهره لساعات. من ثقب الباب كنت أرقب صعود ونزول صدره مع حركات التنفس. كان كل همّي أن أتأكد من أنه لا يزال على قيد الحياة، مقاوماً اليقين الصاخب في موته القريب. كانت فترة مرهقة من حياتي وكثيراً ما تطفو على سطح الوعي أثناء جلسات العلاج. أذكرها بتأثر كبير، ولكن بلا دموع.

لم أبكِ أبي عندما مات. ربما الصدمة وربما الإحساس الغريب بالارتياح من عبء التوجّس. ولم أبكه في جلسات العلاج النفسي. كانت المرة الوحيدة التي بكيته عندما كتبت عن موته في دفاتري الخاصة وبالعربية. تجربة علاجية حقّة عمليةُ الكتابة هذه، خاصة عندما تكون باللغة الأم. ولكن أتساءل لمَ كتبتُ هذا النص الذي تقرؤونه بالإنكليزية أصلاً منذ سنتين قبل أن أستجمع شجاعتي وأعيد كتابته بالعربية اليوم؟ ربما لسهولة التعامل مع مشاعري وإعادة صياغتها من وراء حاجز اللغة الغريبة، وربما لأنني لم أكن أريد لأهلي أن يقرؤوا كلماتي خوفاً وخجلاً. أنظر باتجاه أهلي القابعين خلف المسافة والزمن، كما أنظر إلى البلد الذي تركته منذ عقد ونيف، وكما تنظر سيدة الكرسي إلى عالمها. ما أراه من عَلٍ هو مزيج من الواقعي والمُتخيَّل. من المحسوس والملموس. فأنا بعيد وهم بعيدون. والمسافة برود. والبرود موت. أنا أقيم في أميركا وأعمل فيها. وكل أهلي في سوريا. لا أستطيع العودة لزيارة أمي لأسباب ومخاوف يطول شرحها وتفنيدها. وفي وقت كتابة هذه الكلمات، كانت ولا زالت الإدارة الأميركية للرئيس ترامب تطبق حظراً على سفر السوريين الى الولايات المتحدة الأميركية. يتماثل الحال هنا مع حال الشاعر الروسي-الأميركي جوزيف برودسكي، الذي منعته الظروف من أن يرى والديه قبل موتهما. فمثل برودسكي، من المحتمل جداً أن أفقد أمي وأنا في أرض المغترب. ومن المحتمل أيضاً أن أكتبَ عنها بعد وفاتها. ومثل برودسكي، من المحتمل أن ما سأكتبه سيكون بالإنكليزية. فقد كتب برودسكي بعد وفاة والديه: «لو كتبتُ عنهم بالروسية لزدتُ من احتجازهم واختزالهم في التفاهة وما ينتج عنها من فناء ميكانيكي... (و) حتى لو كتبت كل هذا بالروسية، فلن ترى هذه الكلمات ضوء النهار تحت سماء روسيا. من سيقرؤها غير حفنة من المهاجرين الذين مات آباؤهم -أو سيموتون- في ظروف مشابهة؟ الجميع يعرف هذه القصة. الجميع يعرفها جيداً جداً».

ولكن هل كانت مهمة برودسكي، الذي توفي في 1996، أسهل عندما كتب عن موت أهله بالإنكليزية؟ هل كانت التجربة أقل إيلاماً؟ لا أستطيع سؤاله اليوم. بإمكاني فقط أن أتفكّر في علاقتي مع هذا النوع من الكتابة والتعبير. لطالما تساءلتُ إن كان استخدامي للإنكليزية في كتابتي وكلامي عن مواضيع شخصية حساسة هو ما يُبقيني في أمان نفسي نسبي. ربما كان فصل المشاعر الأصلية عن الكلمة من خلال حاجز اللغة «الغريبة» يؤمّن لي مساحة آمنة تُبقيني على تماسك وتحمي ذاتي من التحطم تحت وطأة المشاعر. ولا أعرف صراحة إذا كان لديَّ الاستعداد لخوض تجربة العلاج النفسي مع معالج يتكلم العربية. ربما لارتياحي مع معالجي الحالي ونجاعة ما أجرّبه معه. وربما بسبب الخوف من الانكشاف الكلّي تحت الضوء الساطع للغة الأم. هامش الأمان (أو الظلّ) الذي تتيحه اللغة الإنكليزية يحررني قليلاً كي أتفحّص ذاتي وأعيد صياغة قصتي وتاريخي من جديد. يمنحني القدرة على صياغة هوية جديدة في بلد جديد. ثنائية الضوء والظلّ تفتح دائماً الأبواب للعب والإبداع. محظوظ أنا بهذا الامتياز ومثقل بالذنب أيضاً. حيث أعي كم هم قليلون أولئك الذي يمتلكون هذا الخيار بالتعبير الحر وإعادة الخلق ضمن لغة غير لغتهم الأم. مثقل به وبغيره من الامتيازات التي حُزتها خلال حياتي وخاصة في العقد الماضي من الزمن. فعلى عكس الكثير من السوريين، لم أختبر ظروف الحرب على الأرض، ولم أضطر للنزوح وعبور القارات. كانت هجرتي طوعية. ولكن هذا الأمر لا يجعل أي معاناة أعيشها أنا أو غيري أقل أهمية. فمقارنة المعاناة أمر سخيف. أن نقول «معاناتي أكثر من معاناتك» هو أمر يستحيل اختباره ولا جدوى من التطرق إليه. مجرد التفكّر به يجعله أكثر استحالة. فكيف لنا أن «نقيس» المعاناة؟ على أيّ مقياس؟ من واحد إلى عشرة؟ يالسخافة هذا الطرح. المعاناة أمر مطلق، لأنها لب ما هو شخصي. معاناة الشخص، مهما كانت طبيعتها، هي صلب وجوده وكينونته. هي الهواء الذي يتنفسه، والعالم الذي يعيشه والخشب الذي يُصلَب عليه. فَمَنْ يقيس هذه المعاناة غير الشخص نفسه؟ علينا أن نفتح المساحات الآمنة أمام الناس للتعبير عن معاناتها بدل الانزلاق وراء لعبة المقارنات. هذه اللعبة المؤذية التي لا قوانين تحكمها ولا نهاية تكفيها إلا مضاعفة المعاناة الشخصية والجمعية.

أعود إلى سيدة الكرسي التي أزورها أسبوعياً مساء كل أربعاء في مكتب معالجي النفسي في ساحة جامعة هارفارد. أفكر كيف أتبادل معها الأدوار، فأُصبحُهَا وتُصبِحُني. أنا سيدة الكرسي التي تدير ظهرها وتنظر نحو العالم من وراء نافذة بكل هدوء وتملٍّ، بينما تتفرّجُ عليّ وأنا أدلي باعترافاتي على مقعد العلاج. مثلها أيضاً أنا المتلصص، أجلس وأراقب العالم خارجاً بسلبية ناسك يتربّع على سفح منحدر شاهق. أعتنق بتسليم عجزي الفاضح أمام الحتميّ. أتفقد من مقامي هذا نبض الوجود وأراقب ارتفاع صدر العالم وهبوطه مع كل شهيق وزفير. أتأكد أنّ عالمي لا يزالُ على قيد الحياة. وكحال سيدة الكرسي، يبدو أنّ الطبيعة قد حكمتْ عليَّ بغرفة بسيطة مفروشة على طراز أميركي عادي، بكرسي خشبي غير مريح وفرجة مستمرة على عالم صاخب يحدُث ُفي الخارج. عالمٌ لا أستطيع أن أغير فيه الكثير، وقلّما أحاول. عالمٌ من الممكن فهمه، كَثرَ ما أجرّب.