سيرة متحوّلة هندية مُستعربة

شهادة من قلمِ ذاتِ ذَكَرٍ في زيِّ ذي حِرٍّ *

  • *. لعبٌ على بيت شهير لأبي نواس يصف فيه ساقية خمر في لباس رجالي: «من كفّ ذات حِرٍّ في زِي ذي ذَكَرٍ/ لها مُحبّانِ لوطيٌّ وزنّاءُ».

امتلاك الكلام هو امتلاك للسلطة.

أحمد بيضون- كلمن

 

عندما دُعيت لكتابة شهادة شخصيّة عن رحلتي في الجندر والتحوّل، أقدمتُ على المُهمّةِ مُقبِلةً غير مُدبرة، كوني في العادة أُحبّ – أو كنتُ أحبّ – الكتابة عن نفسي وعن خياراتي الشخصيّة، مُعتبِرة ذلك من الموضوعات التي تسهل كتابتها لأنّي أعرف نفسي بكلّ تفاصيلها وجزئياتها أكثر من أيّ شخص آخر. لكن هيهات. فما أن بدأت المهمّة حتّى رحتُ أكتشفُ صعوبة الكتابة عن الذّات ونشر ذلك في منبر عام، وتزداد تلك الصعوبة وتتصاعد مع تقادم العُمْر وتعقّد التجارب، ومع كلّ تعامل جديد مع أشخاص يُجرّحوننا طاعنين بمصداقيّتنا الكتابيّة أو الحياتيّة، فتزداد في مقابل هذا مراقبتنا لذواتنا ولكلّ ما نبوح به عن أنفسنا خارج دوائرنا الحميمة.

يجعلنا ذلك مع الوقت نفقد العفويّة والتلقائيّة التي كانت تُميّز تعبيرنا عن أنفسنا. هذا ناهيك عمّا تتعرّض له الساعية إلى كتابة «جدّيّة» عن نفسها من قمع تمارسه المؤسّسات، سواء كانت أكاديميّة أم هيئات تحرير أم جهات مانحة، وذلك بهدف ترويض المخيّلة وكبحها وتقليم أغصانها من أجل تطويع الكتابة وتشذيبها. فيصبح على الكاتبة في هذه الحال أن تُنتج ما تطلبه منها تلك المؤسّسات، أو أن تلوي ما تكتبه لإرضائها، بدلاً من تلقّيها الدعم والتشجيع. ويصعب عند الكتابة عن الذات ألّا نشعر بأنّ ما نكتبه لا يتجاوز المكاشفات في جلسات التحليل النفسيّ، وأنّ أيّ إطراء قد نتلقاه سيكون من باب المجاملة لا الإعجاب. فما بالكم إذن إن طُلبَ من الكاتبة الإدلاء بشهادتها بالعربيّة وهي ليست من «أبناء الضاد». حينها يصبح خطر التعرّض للإلغاء من قبل القارئ المُحتمل مطروحاً على نحوٍ أكبر، لأنّ عليكِ إذّاك، أيّتها الكاتبة، أن تثبتي في كلّ جملة وفي كلّ فقرة تخطّينها حقَّكِ في الكلام والتعبير. فتعاندك نفسك وتسجن الكلام في قفص الرقابة الذاتيّة والتوجّس من الكتابة عن الذات على منبر عام خوفاً من «نقد بنّاء» من هنا، أو ابتسامة صفراء من هناك، قد تترك في روحكِ جرحاً غائراً لا يزول.

إن المجتمعات في كل أنحاء العالم لا ترحم كثيراً أولئك الذين لا يجيدون التصرّف بكياسة وسلاسة في الحيز العام، خصوصاً في المناسبات أو ضمن الجماعات، فيقوم المجتمع بتشديد المراقبة عليهم سلوكاً وكلاماً وذلك بدرجات متفاوتة وبحسب السياق الأقرب، أو ما يُسمى بـ«قيم المجتمع». نعم هناك بعض التعميم في ما أقوله، لكنّه ملاحظة عامّة سريعة استنبطتها جرّاء تجارب العيش في أكثر من بلد واحد وفي بيئات وظروف اجتماعيّة وحياتيّة عدة حول العالم شرقاً وغرباً. ولا أقول هذا تمرّغاً في حُبِّ المظلوميّة أو تمسّكاً بدور الضحيّة، إنما للتأكيد على مدى صعوبة الكتابة عن الذات لقُرّاء مجهولين، وذلك في أكثر المواضيع حساسيّة وفي قضايا تمسّ جوهر الكيان. لهذا، عندما استُكتِبتُ هنا، قررتُ أن أقرن شهادتي عن رحلتي في الجندر برحلتي في العربيّة، لغةً وثقافةً، أي أن أقرن التحوّل بالعبور. 

هبطت إليكم من المحلّ الأرفع (من الذّكر والأنثى)، وأظنّني نسيتُ عهوداً في الحِمى!

لطالما شعرت (تقريباً منذ وعيي على العالم) بالاغتراب عن جسدي - هذا الوعاء الغريب الذي يجبرني على العيش داخله، والذي يصعب استبداله بجسدٍ آخر. عند الولادة صنّفوني ذكراً ووعيت وأنا أخال نفسي كذلك، غير أنّه كان ينتابني إحساس غريب يُشعرني بأني مُبحرة في فضاء مظلمٍ ما بين الكواكب من غير دليل أو بوصلة. وكنتُ منذ صغري إذ أتمشّى لوحدي أشعر بالاغتراب عن جسدي، كأنّي كائنة غريبة من الفضاء السحيق ضلّت طريقها وأُصيبت بفقدان الذاكرة وحلّت صدفةً أو بالخطأ في جسدٍ بشريّ، أو أنّ روحي لا تنسجم مع الجسد الذي تسكنه. كنتُ أشعرُ في أحيان متباعدة وأنا صغير/ة بأنّني كائن من كوكب آخر.

الهند: تعايش مخادع

يظن كلّ من لم ينشأ في الهند أنّ الأخيرة موطن للتنوع والتقبّل والتعايش. غير أن النشأة في الهند ليست بالأمر الهيّن لامرئ لا يندرج بسهولة ضمن تصنيف مُحدّد. فالمجتمع الهنديّ بحكم عراقة نظام «الكاست» الطبقيّ- العرقيّ يميل إلى التصنيف الدقيق لكلّ مجموعة من المجموعات أو فرد من الأفراد، وهو بذلك يستهجن التهجين ويرتاب أمام الضبابيّة في الأصول والمكانة. وتنوّعُ البلاد الهنديّة في الواقع هو عبارة عن فرز دقيق ومتواصل بين المجموعات والأفراد داخل كل مجموعة، لذا فأنا منذ أن تعرَّفَ والدي الوافد من الهند إلى بوسطن بهدف الدراسة، على والدتي الأميركيّة، أي منذ تشكّلَ فكرة وجودي في هذا العالم، أمثّلُ مصدر حيرة وارتياب. وأذكر وأنا ألعب في حديقة الحارة مع أقراني في حيّ من أحياء الطبقة الوسطى في نيودلهي كيف كان هؤلاء الأقران يتهامسون في ما بينهم عن هذا الشخص الذي يلعب معهم، ويتساءلون عن أصوله وعن سبب وجوده بينهم. كنتُ أعرف أنّني أنتمي إلى هذا المكان، لكنّني كنتُ في الوقت ذاته أشعر بغربة حقيقيّة عنه. 

وذاك ما جعلني عرضة «للتنمّر» طوال حياتي المدرسيّة وإن بشكل مُتقطّع. فالأطفال جماعاتٍ (وليس بصفتهم أفراداً) هم أكثر فئات المجتمع ميلاً إلى إطلاق أحكام قاسية على كل من يصعب تصنيفه، ويلتذّون في «شمشمة» رائحة الضعف على قرين من أقرانهم. كنت أتعرض للمضايقة تارة لأنّي من أصول مختلطة، وتارة أخرى لأنّي لا أتحلّى بصفات الذكورة المتعارف عليها كالقوّة البدنيّة العاليّة أو إجادة الألعاب الرياضيّة كالفوتبول أو الكريكت (مع أنّي كنت ولا أزال من عشّاق الثانية ومتابعيها) كي أحظى بمكانة عالية واحترام مطلوب، وأيضاً لأنّي لم أقضِ وقتاً كافياً في ترتيب هندامي أو في اختيار ملابسي. وأذكر مرّة أنّ أحدهم قال لي: «أُحبّ الأميركان وأُحبّ الهنود، أمّا الذين هم نصف هؤلاء ونصف أولئك، فلا!»، كما أذكر الأولاد الذين كانوا يطالبونني بإبراز جواز سفري كي أثبت لهم انتمائي!

هناك من تقول إنّها عرفت منذ سن مبكر جدّاً أنّها مثليّة أو متحولة بالفطرة. أمّا أنا فتجربتي ليست على هذا النحو، إذ لم أكن على يقين أو حتى وعي بأنّني متحولة كما هي الحال لدى البعض، لكنّ الأمر في الوقت ذاته لم يكن خياراً طوعيّاً على نحوٍ كامل. عندما أنظر إلى الظروف التي ولدتُ ونشأتُ فيها، وإلى ما آلت إليه حياتي فيما بعد، فإنّ الخروج على الثنائيّة الجندريّة لا يبدو شيئاً غريباً أو مفاجئاً. بل على العكس، يبدو وكأنّه ينسجم انسجاماً تامّاً مع بقيّة أوجه حياتي. فأشعر بأنّني لست سوى التباسٍ لكلّ الأجناس الخلقيّة منها والمكتسبة، وليس فقط الجندريّة. ولدتُ لأبٍ هندي وأمّ أميركيّة يهوديّة، ولم أترعرع في كنف أيّ منهما بسبب إصابة والدتي بالفصام. فبعيد ولادتي في أميركا انتكست حالة أمّي وتفاقمت، وجرى تسفيري إلى الهند حيث اهتمت جدتي بتربيتي. وتمايَزتُ في شكلي عن أقراني وذلك قبل أي بادرة من بوادر التحوّل الجندري، أو حتّى قبل أن أفقه معناه. 

لطالما رزحتُ تحت وطأة دور الرجولة مع رزمة من الأعراف الاجتماعيّة الأخرى، سواء كانت مفروضة في المنزل أم في ملعب المدرسة وأروقتها. وتوهمتُ مع البعض أنّ الامتثال والاتّباع لما يعتبره أقراني «كوول» ربّما يمثّل فسحةَ تحررٍ مما كنت مطالباً به في البيت والصفّ من امتثال لدور الصبي «العاقل» الشطّور، وأن الفسحة تلك قد تمنحني قسطاً من القبول الذي من شأنه أن يُخفّف من إحساسي بالنبذ (وهو إحساسٌ لا يزال ينتابني أثره في لحظات البؤس). فلهثتُ وراء الماركات وصيحات الموضة والموسيقى الدارجة، وانخرطتُ حتى في ممارسة الرياضة كي أنحف. لكن سدى! فكلما أجهدت وحاولت كان النبذ يشتدّ.

وكنتُ أستعصي على التصنيف. هل أنا هنديّ (أتكلم عن نفسي في الصغر بصيغة المذكر) أم إفرنجيّ، أسمر أم أبيض، أميركيّ أم هندي! العنصر المشترك في تعاملي مع الناس أينما حططت الرحال في العالم هو عجزهم عن تصنيفي في خانة إثنيّة أو عرقيّة أو ثقافيّة أو دينيّة، وكانت تلك الحيرة تزداد إذ يسألني أحدهم عمّا أعمل، فأخبره عن اشتغالي في حقل الثقافة العربيّة، فلا يستطيع مهما كان انتماؤه أن «يفرز» أو يستوعب. والشيء نفسه ينسحب على هويّتي الجندريّة. إذ لستُ من المتحوّلات الساعيات إلى «العبور» الكامل والمباشر إلى الضفة المقابلة لثنائيّة الذكر/الأنثى، فأتلذّذ بـ«اللخبطة» الشاملة التي أتسبب بها في أذهان الناس إذ يعجزون عن زجّي في خانة من الخانات. بالتالي، ومن وجهة نظري، لا ضيرَ في تعقيد تصنيفي الجندريّ، فهذا يتطابق بل يتناغم تماماً مع التباساتي الثقافيّة والعرقيّة، ومع مسيرة حياتي الملتوية والعصيّة على التفسير «المنطقيّ» المتعارف والمجمع عليه!

عندما كنتُ أصغرَ سناً، وكنتُ قد تنبّهتُ للتوّ إلى هويتي بشكل واعٍ (لاحظوا كم هو أمر شائك اختيار المفردات اللائقة!)، كان الأمر يربكني ويُشعرني بأنّ «تحوّلي» هو تحول مزيف. فمن أين لي أن أكون متحوّلة إذا لم أتّبع مسار التحول الجسدي وإذا لم أغيّر هندامي و... إلّا أنّني أدركتُ بعد سنتين أو ثلاث أنّ تحوُّلي الجندريّ أعمق من تحوّل خارجي في المظهر. ومع مرور الوقت وجدتُني أتخذ قراراً تدريجياً بالانحراف عن هذا المسار المسبق المفترض، فأجّلتُ التفكير في مسألة تلقّي الهورمونات إلى أجل غير مسمى، وألغيتُ فكرة إجراء أيّ عمليّة على جسدي، وقرّرتُ علاوة على ذلك ألّا أُجهد نفسي في محاولة ارتداء لباس يُصنّف أنثويّاً. وذلك ليس انتكاسة، أو ارتكاسة إلى الرجولة، بل هو تحرّر من ضيق ملابسَ لم أرتح لها في حياتي، واستعضتُ عن ذلك بالإمعان في ارتداء ما يُفرحني، أي الملابس الهنديّة أو الإفريقيّة الفضفاضة ومتعدّدة الألوان. وتوحي لي هذه الألوان بأنّني أشغل مساحة خارجة عن ثنائيّة الذكر والأنثى، كوني أتوق إلى التحرّر من هكذا ثنائيّة.

قفصُ جسدي لن يفارقني

مع الوقت توصّلتُ إلى قناعة بأنّي لا أحتلّ هذا الجسد، بل هو يحتلّني ويُحيط أناي، الكائنة القادمة من كوكب آخر لا ذكور وإناث فيه. إنّ عيني الداخليّة ترى في جسدي هذا تجسيداً لجدران سجن متنقل لا يفارقني. 

أدركتُ بل أيقنتُ أنّني لست متحوّلة «ناجزة»، أي أنّني حسمتُ أمر هويّتي الجندريّة وتوصلتُ إلى قناعة راسخة بأنّي لا أحاول العبور من ضفة إلى ضفة مُقابِلة، بل إنّ مكاني في نقطة ما في النهر على الحدود بين الرجولة والأنوثة، حيث تفيض مياه العناصر الرجوليّة على أنوثتي، وتملأ مياهُ أنوثتي عناصر الرجولة التي خُلقت فيها. وينتج عن هذا حيّزٌ ثالثٌ أشبه ببرزخ تختلط فيه كل ألوان كياني وترفد بعضها بعضاً. لذا فأنا أتحلّى بعنصر الأنوثة وعنصر الرجولة (لم ولن أنكره)، والعنصر أو الحيّز الثالث الخارج عن كليهما، والذي سبق وأشرت إليه في سياق كلامي عمّا كان ينتابني من شعور اغتراب عن هذا الكوكب. ارتأيتُ أن أُسمّي هذا العنصر «قِوامي الجندركويري». تحمل «الجندركويريّة» دلالة كلمة «كوير» الأصليّة، أي إنّها تشذّ عن القاعدة أو عن الإطار الذي يؤطّرُ أغلبيّةُ البشر حياتهم ضمنه دون مُساءلة، ربما لأنّ مُساءلة كهذه من شأنها زعزعة الأسس المتينة والـ«أساسيّة» لحياتهم. وتصبّ هذه العناصر الثلاثة (أو الأوجه إن شئنا) وكأنها روافد في النهر الأكبر الذي يشكل كياني (وكوني من برج الحوت، فإن هذه الاستعارة تليقُ بي جدّاً!)

ولذلك قررت استيطان هذه المساحة الحدوديّة - أو لنقل مساحة المياه المتماوجة، غير الثابتة - المساحة البرزخيّة التي أحملها أينما حللت أو تنقلت في العالم. البرزخ معجماً هو قطعة أرض محصورة بين أرضين أو موصلة بينهما (وأنا أقتبسها هنا للمساحة المائيّة). ويبرز هذا البرزخ في ملامحي، في تضاريس جسدي، وفي هندام ثيابي وتسريحة شعري، وفي التباين بين أنوثة ثنايا خصري وردفيّ المكتنزين وبين «رجوليّة» ساقيَّ وذقني وصوتي. وتُعرَف المناطق الحدوديّة عموماً بعدم ضمانتها للكثير من الحقوق البديهيّة، خاصة تلك المتعلّقة بكرامة الأفراد. وكلّ من تتحرّك في تلك المناطق تكون عرضة للمساءلة من قبل حرّاس عند طرفيْ الحدود. وإنّه لمن الأمر الشائك أن يتحرك شخص في الفضاء العام، في أيّ مكان من العالم - وليس فقط في بيروت التي لا يزال الشارع فيها حيزاً يفتقر إلى الأمان والاحترام في المعاملة، ليس تجاه المتحوّل أو «المُربِك» جندرياً فحسب، بل تجاه كل من ليس ذكراً ذا قضيب وهيئة ذكوريّة – في مثل هذه الحال. إذ حيث تكمن تلك المنطقة «الرماديّة» أو «المبهمة»، فإنّ هذا الشخص يشكّل لمُحدّثه في كثير من الأحيان مصدر إرباك و«دربكة»1، قد يؤدّيان إلى مظاهر استباحة تتجسّد بأشكال مُتعدّدة، منها الموارِبة والملطَّفة، ومنها السافرة والفجّة التي قد تبلغ العنف اللفظيّ والجسديّ.

الذبح على تشوّش الهويّة، أو فقدان الذكورة

وصلتُ إلى الجامعة في نيويورك في سن السابعة عشر مهاجرة ومواطنة في آن واحد. كنتُ في ذلك الوقت مراهقاً أغرَّ وساخطاً على كل شيء، ويلازمني شعور قويّ بالظلم جرّاء كل ما عشته ويعيشه العالم. كانت لدي رغبة عارمة في ترك المدرسة بعد اجتياز المرحلة المعادلة للبريفيه، وذلك لتكريس حياتي لقراءة وكتابة ما يحلو لي خارج المناهج الرسميّة ومن دون بلورة أي فكرة بديلة تتناول أمر تنظيم حياتي. قوبل طلبي تركَ المدرسة بالرفض، طبعاً، فظللتُ أصارع نفسي لتكملة مسار التقدم العلميّ المرسوم لي في البيت والمدرسة. لكن ذاك لم يُجدِ، بل فاقم ما كنت أحياه من تناقض بين ولعي بالعلم والكتب والتعبير عن نفسي، وبين نفوري من الامتثال للمعلّمين والانصياع لهم.

وعلى الرغم من تدهور صحّتي النفسيّة تحت وطأة تلك الضغوط، إلّا أن عارضاً إيجابيّاً برز وسط كلّ ذلك، وتمثّل في إقلاعي عن الاهتمام بكلّ ما يُقال عنّي، كما تزامن الأمر مع اكتشافي لولعي بالمكياج... وكانت إرهاصات تساؤلي حول هويّتي الجندريّة قد بدأت منذ ثلاث سنوات تقريباً، ورحتُ أُعبّرُ عنها بين الحين والآخر، تارة عبر طلي أظافري، وأخرى بوضع الكحل الملوّن والمخلوط بالـ glitter البرّاق أو الحمرة الأرجوانيّة. ذلك أنّي كنت أجرّبُ المكياج بألوان فاقعة غير تقليديّة لإحساس في الصميم بأني لست مثل باقي الفتيان الذكور حولي في المدرسة أو الحارة. وكنتُ أميل إلى الصبايا، لكن على نحوٍ يختلف عن ميل أقراني لهنّ. كنت أشعر منذ سنّ الخامسة عشرة أنّ هناك بذرة تنبت في داخلي، بذرة شعور بأن ثنائيّة الذكر والأنثى لا تتسع لما أُكنّه من مشاعر تميّزني عن هذين الجنسين النمطيين. لكنّي لم أعرف ماذا أفعل بذاك الاغتراب عن الدور الاجتماعي المفروض على جسدي المصنّف ذكراً. وعندما كبرت أدركت وأنا ألتفت إلى الوراء أنّ تربية جدّتي لعبت دوراً مُؤثِّراً في تكويني، إذ أحاطتني بطاقة أنثويّة غامرة شاملة، ولم تكفَّ عن ذلك طوال سنوات طفولتي التي قضيتها في رعايتها. لذلك لا شكّ أن مساماتي تشربت كل تلك الطاقة المُترسّخة في كياني منذ سن مبكّر جدّاً.

وصلتُ إلى نيويورك وصدري يختلج بكل تلك الارتباكات. بعد فترة وجيزة وأثناء حضوري في ورشة لشباب يساريين من أصول هنديّة صعقتني زميلة وهي تتحدث عن «الترانس» (المتحوّلين) وكأنّ ذلك أمر روتيني ومن أكثر الأمور اعتياديّة. انفعلتُ وارتبكتُ في بداية الأمر لدرجة أني رفضتُ التصديق أنّ هذا الشيء ممكنٌ وموجودٌ أصلاً! ووجدتُني بعد أن هدأت ثورتي قليلاً أسأل الزميلة بفضول عن معنى أن أكون «ترانسجندر». أخذت الرفيقة التي أدين لها بالشكر حتى اليوم تشرح لي أنّه من غير المحتّم أن تطابق الهويّة الجندريّة خانة الجنس التي نصنَّف فيها عند الولادة، وأنّ لنا الحرّية في تعريف جندرنا، وأنّه من غير الضروري أن يتزيّن جسدي بمهبل ومِشفريْن كي أكون امرأة. عندها أيقنتُ وأنا أستمع لما تقوله الصديقة أنّ ذاك التبرم من الرجولة الذي حملتُهُ معي في الطائرة المتجهة إلى نيويورك لم يكن طريقاً مسدودة. استغرق استيعابي للأمر أيّاماً عدّة. إلّا أنّ الفكرة بدأت تتبلور في داخلي. هل يُعقَل أن أكون أنا أحد هؤلاء؟ وماذا لو رفضتُ دور الرجولة، وجعلتُ من هذا الرفض جُزءاً أساسيّاً من وجودي في الحيز العام؟

أنثى «على ذوقي»

أو كوكتيل اغتراب جسديّ مع جندرات «شقف»

وبعد أن صرتُ أُعرِّفُ نفسي كمتحوّلة على نحوٍ واعٍ وعلني، طال بي الوقت كي أدرك أن سعادتي لم تزدد في أداء الأنوثة بصيغتها المُتعارف عليها. كانت إزالة شعر إبطيَّ وساقيَّ بالنسبة لي عمليّة غير مريحة ومتكلّفة، فلم ألبث أن اكتشفتُ أنّ تحوّلي مختلف ويقع في حيّز آخر ولو كان قريباً، وهو أشبه بتخلٍّ مزدوج: تخلٍّ عن الرجولة المفروضة عليَّ في الصغر، وتخلٍّ عن الأنوثة المُتعارف عليها. وقررت أن أكون أنثى «على ذوقي». أنثى لا تتنكر لبعض الصفات الرجوليّة عندها، بل على العكس، تتعايش معها. فغدوتُ «حسن–صبي» وبنت، في آن!

وقد قام تطابق غريب بين الاغتراب عن الوطن داخل الوطن، الذي خبرتُه، وبين الاغتراب عن جسدي الذي لطالما شعرت به كمتحوّلة، إذ تزامن الوعي على هذا «الخيار الثالث» مع تعمقي في اللغة العربيّة وتفتح تعابيرها ومفرداتها الجنسيّة الزاخرة أمامي. وغذّى أحد العنصرين الآخر. وجاءت دراسة العربيّة بمثابة خيار ثالث غير الخيارين المتوقّعين منّي. ففي جامعات الغرب عموماً، يُتوقَّعُ من كل من هو غير أبيض في حقل الانسانيّات إمّا أن يختصّ في موضوع يتعلق بثقافة الغرب، وإما بموضوع يرتبط بأصوله (أي أن يدرس نفسَه). كنت أعرف منذ الصغر أن الشعر يجري في دمي حتى قبل وعيي لهويّتي الجندريّة. لذلك ظننت أنّ خيارَيْ الاختصاصين الأساسيين أمامي هما الكتابة الإبداعيّة، أو الدراسات النسويّة والجندريّة. إلّا أنّني لم أجد ضالتي في أيّ منهما. إذ فيما يخصّ الدراسات النِسويّة، فإنّني لم ألقَ في الصفوف التي أخذتها أيّ صدى لتجربتي المُعاشة بكلّ ما أمرّ به يوميّاً من تجارب إيجابيّة وسلبيّة، ومضحكة ومحزنة. فتلك الدراسات إمّا متمركزة في التجربة الأميركيّة (البيضاء أو غير البيضاء)، والتي لم تكن إلا جزءاً صغيراً من تكويني الأساسيّ حتى سن البلوغ، ولم تُشعرني يوماً (خاصة وأنّي من أصول مختلطة) بانتمائي إلى هذه الفئة المصطنعة المسمّاة «ملوّنين» (POC)، أو أنّها غارقة في التنظير والمناظرات الفلسفيّة التي (على أهميتها) تُشعِرُ من يقرأها، أن المتحوّلين، وهم بشرٌ وقضيّة، ليسوا سوى موضوع عرضيّ في النقاش. أقول هذا مع احترامي لجهود منظرين أمثال جوديت بتلر، التي بكتاباتها عن الجندر باعتباره أداءً وليس فطرة، على أهمّيتها، لم تُفِدني في فهمي لهويتي، ولا في صراعي لنيل الاحترام والمساواة. هل تحوُّلي يأتي في حكم الفطرة أم أنّه أداءٌ اخترتُ أن أؤديه؟ قد يكون مزيجاً من الأمرين عندي، إذ يطيب لي اعتبار هويتي هلاميّة مُتغيّرة من يوم إلى آخر، مع تفاوت نسب الأنوثة والذكورة فيها. وهذا عند آخرين قد يكون أداءً واعياً في سبيل اختيار الاصطفاف خارج سطوة الثنائيّة، وقد يكون عند غيرهم فطرة طُبعوا عليها، ومن المؤذي بحقّهم التحدّث عن طوعيّة في الأمر، كون ذاك يجعلهم عُرضة للإلغاء والمساءلة في خياراتهم. وسرعان ما اعتذرتُ عن هذا النقاش لأني مللته، ولأنّه لا يُخرجنا من قاعة التدريس إلى الكفاح من أجل نيل الاعتراف بالمتحوّلين، في كافة أشكالهم، باعتبارهم بشراً كبقيّة البشر في حقوقهم وكرامتهم الفرديّة والجماعيّة. هذا ناهيك عن أن صفوف الدراسات النِسويّة كانت تفرض علينا أضعاف مواد القراءة والكتابة المقررة في اختصاصات أخرى، وذلك لبرهنة جدّيتها كحقل دراسيّ أكاديمي!

ومن ناحية أخرى، لم تَرُقْ لي كثيراً طريقة «تعليم» الكتابة الإبداعيّة بصيغة الورشة، حيث يتناوب الطلّاب على تحليل وانتقاد نصوص بعضهم بعضاً تحت إشراف أساتذة، إذ لم أرتَحْ للاحتكام إلى آراء أشخاص لا أعرفهم ولا عهد لي بذائقتهم أو مبادئهم الفنيّة أو السياسيّة. وكانت مع كل فصل دراسي وكل ورشة جديدة تتكرر الأسطوانة مجدّداً وبوجوه مختلفة، الأمر الذي أرهقني ولم يُطوّر تقنيّاتي الإبداعيّة. وصادف في ذلك الوقت أن قرأتُ ذاكرة للنسيان، مذكرات محمود درويش في حصار بيروت عام 1982. وقد أغرمتُ بالنص، وبالأخصّ (من بين مقاطع عدّة) وصفه لعمليّة إعداد القهوة على الرغم من الذكوريّة البيّنة في هذا المقطع، وذاك جعلني أفكر جدّياً بدراسة العربيّة. ووجدت أنّ قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا هو من أخفِّ الاختصاصات من حيث المقرّرات، ويمنحني حريّة اختيار الصفوف التي تثير اهتمامي. إذ إنّ المقرّر الإجباري الوحيد كان اللغة. هذا وإنّني لم أرد الالتحاق بالذين «يدرسون أنفسهم»، وبالتالي استبعدتُ دراسة الهنديّة، فقد كان عليَّ أن أختار بين اللغة الفارسيّة واللغة العربيّة. وبما أنّني كنت مولعة بنص درويش، وبما أنّ برنامج تدريس الفارسيّة كان الأضعف، وقع اختياري على العربيّة مع أنّ الفارسيّة أقرب إلى الهنديّة نحواً. وفي السنة نفسها، في الصيف الذي سبق أول درس في العربيّة، تمكنتُ من تغيير خانة الجنس على هويتي وجواز سفري من ذكر إلى أنثى. وهكذا بدأت رحلتي مع العربيّة على نحوٍ جدّي ومتعمّد.

لا فرقَ بين عربيّ وأعجميّ إلّا في إجادة الفصحى: الخضوع للتشكيك الأمنيّ 

لم تكن عزيمتي في أيّ أمر من الأمور بالقوة التي كانت عليها رغبتي في إجادة العربيّة. كل من درس اللغة وآدابها يعرف مدى هيمنة حراس البوابة، الذين لا يرفّ لهم جفن وهم يسهرون على حراسة «لغتهم» (إذ يُخيَّل إليهم أنّها ملكهم) من اختراق الغريب والأعجميّ، فلا يبخلون في «التشبيح» عليك، وفي تخويفك من صعوبة القواعد واستحالة التوصل إلى إجادتها. وهم يتربصون بأصغر خطأ أو زلة نطق كي يلغوا حق مُحدثتهم في الكلام. وعندما لا يوافقهم قولٌ يقولون إنَّ هذه ليست لغة عربيّة، وعندما لا تعجبهم قصيدة يطعنون في شعريّتها من الأساس. 

على أنّ تجربتي في تعلّم العربيّة وتعليمها تؤكّد لي أنّها لغة متاحة لكلّ من تبذل جهداً في سبيلها، وتملك الصبر اللّازم لتخطي جدار القواعد المنيع. في رأيي أن صلابة هذا الجدار تسوّي بين الناطق باللغة وغير الناطق بها إلى درجة كبيرة (بالطبع أتحدث عن الفصحى هنا)، كما أنني أعتقد أنّ هذه الصلابة مبالغ في أمرها، بل هي أقرب إلى سراب من الأساس، إذ لم تكمن الصعوبة عندي في تعقيد القواعد بحدّ ذاتها، بل في الإيديولوجيّة التي ترافقها. وتتّخذ هذه الإيديولوجيّة من العروبة و«الأمّة العربيّة»، أو الصفة القدسيّة الذي يضفيها القرآن على اللغة، مرجعاً لها وتمزجها وتخلطها بالهواجس المخابراتيّة والأمنيّة الشائعة اليوم، لترتاب من أيّ «غريب» وتضعه «عند حدّه». ويتلاءم هكذا تفكير إلى حدّ كبير مع النهج الهويّاتي الدارج في أوساط الراديكاليين واليسار في أمريكا، حيث هاجس هؤلاء الأوّل هو فرز الأفراد بحسب انتماءاتهم وهويّاتهم، بدل فرزهم بحسب مبادئهم وثقافتهم.

العربيّة برأيي مُتاحة للجميع. وهذا يخيف سدنة البوابة. فلننظر إلى المجموعات التي نسميها اليوم «عربيّة»، أيّ الجماعات الناطقة بالعربيّة كلغة أمّ. فهذه لم تبدأ بتعريف نفسها كعربٍ إلّا في أواخر القرن التاسع عشر مع بروز الفكر القوميّ العربيّ. كانت العروبة مقتصرة على البدو (أي الأعراب)، أو على سكان الجزيرة العربيّة. لم يكن سكان بقيّة البلدان التي باتت تشكّل «الوطن العربيّ» فيما بعد يُعرّفون أنفسهم كعرب. كانوا منقسمين بين هويّات مختلفة، طائفيّة وإثنيّة وملليّة (سكان بلاد الشام كانوا عثمانيّين سوريّين بحسب أوراقهم الرسميّة). ناهيك عن الأقوام الأخرى في المنطقة كالأكراد والآشوريين والنوبيين، وطبعاً الأمازيغ، الذين لم يندمجوا لغوياً وثقافياً على نحوٍ تامّ مع محيطهم العربيّ، لكنهم تكلّموا وأداروا شؤون حياتهم المهنيّة أو الدراسيّة بالعربيّة. فمن يحقّ له أن يسمّي نفسه «عربيّاً أصيلاً» إذن؟ قلّة قليلة بلا شك، وفي مقدّمتهم الفَرَس العربيّة الأصيلة!

مقارعة هذه المعاملة الممانعاتيّة البخيلة مثّلت الصعوبة الأجمّ التي واجهتُها أثناء مسار تعليمي. وهي تجلّت في العادة عند أناس لديهم علاقة بالغرب! كانت تلك المُعاملة الأمنيّة في الجلسات الاجتماعيّة مُهينة وصعبة، وكانت تُباغتني مراراً.

الظنون الأمنيّة والعقليّة الممانعاتيّة: الطعن في جندري وجنسي وجنسيّتي

كما سبق وقلت، إنّ ثنائيّة الذكر- الأنثى متجذرة في كل مجتمع، لكن الاختلاف ومساحة الحرّية تكمن في حدّة العواقب المترتبة على التفعيل الواقعيّ لهذه الثنائيّة على أرض الواقع، واحتمال وقوع العنف إذا وجدت إحدانا نفسها على الطرف الخطأ.

أثناء أسفاري استطعتُ أن أحتمي بجنسيّتي الأميركيّة من أي عنف صادر عن مؤسسات الدولة، مع أنّي وقعتُ في مأزق أكثر من مرة بسبب تغيير جندري (أو خانة الجنس بالأحرى) على جواز سفري. فمن حين إلى آخر، وبحسب مزاج ضباط الأمن، تُظَنّ الظنون بي ويُشتبه بصحّة أوراقي الثبوتيّة، أو أتعرّض لما تعرّضت له في دبيّ، حيث لم يَرُقْ لرجال أمن المطار عدم تطابق أعضائي التناسليّة في الفحص الشعاعيّ مع الجنس المقيّد على جواز سفري!

إلّا أنّني أتعاطف مع الارتباك الذي يصيب الذين يتعاملون معي أو يحدّثونني. وأتفهّم وأستوعب في الكثير من الأحيان أسئلتهم وافتراضاتهم المزعجة، لكن النابعة من نيّة حسنة. مسألة المخاطبة عندي أقرب إلى لعبة منها إلى أي شيء آخر، فأستلذُّ بها أكثر عندما تصبح أكثر زئبقيّة، وتُحيّر «اللعّيبة» بمن فيهم أنا. وإذا طُلبَ مني توصيفٌ بسيطٌ وجاهزٌ لتجربة المعاملة التي ألقاها على أساس هويّتي الجندريّة، أجيبُ بأنّها ليست مفصولة عن بقيّة العناصر التي تكوّنني وتؤثّر على الانطباع الذي أتركه عند محدّثي.

يثير اهتمامي مراقبة ارتباك الطرف الآخر إذ يتوجّه إليّ - هل سيختار درب التأنيث أم درب التذكير؟ علامَ سيبني توجهه؟ هل على ذقني مثلاً، إنْ كانت حليقة للتوّ، أم غير حليقة؟ يسألني سائق السرفيس وأنا ضيفة في مملكته عن القِرط في أنفي: «عن شو بتعبّر؟»، وأحياناً يستنتج بعضهم، من دون أيّ تدخّل من قبلي، أنّه جزء من عاداتي الهنديّة المتوراثة! أو مثلاً من الأسئلة المعتادة التي توجَّه إلي: «شو بتشتغل حضرتك؟». كنتُ أظنُّ أنّ هناك فضولاً حقيقاً حول ما أعمل، و«طوّلت معي» حتى فطنتُ إلى القصد الحقيقي وراء هذا السؤال، بغض النظر عن وقاحة السائل.

في بعض الأحيان لا أصحّح صيغةَ تَوَجُّه مُحدّثي إليّ إذا لم أكن مهتمّة برفقة هذا المحدّث أو المحدّثة، أو إنْ كنت منشغلة بأمور أخرى و«ما لي خلق». أمنح لنفسي حريّة خيار المواجهة أو تجنبها بحسب السياق والمزاج ومنسوب الطاقة. فالأمر بمثابة لعبة أدخل إلى حلبتها مع الطرف الآخر. في أحيان كثيرة يظنّونني رجلاً مثليّاً، ويخطر لي أن أصوّب خطأهم وأنوّرهم بأنّي امرأة مثليّة! من أكثر المواقف التي تفرحني هو أن يعلّق أحدهم وأنا مارة في الطريق بـ«هيدا ذكر أو أنثى؟».

يختلف التحرّش من بيئة إلى أخرى من حيث التواتر والحدّة. في القاهرة كانت الحوادث تتكرر باستمرار وكأنّها بثّ راديو متواصل في الخلفيّة اعتدتُ على ثرثرته. أمّا في بيروت فالحوادث أقلّ، لكنّ المتحرّش على استعداد للتمادي أكثر، واحتمال العنف الجسديّ أكبر.

بيروت ذات الهويّة الملتبسة مكانٌ أمثل لهويّة ملتبسة (خاصّة بجندرها)

خلال دراستي عشتُ في فلسطين، فَالقاهرة، فَدمشق، فَفلسطين مرة أخرى، ثم عدتُ إلى نيويورك كي ألتحق ببرنامج الدكتوراه (وشاءت الصدف أن تتوفى والدتي إثر صراع طويل مع السرطان بعد بداية الفصل الدراسيّ الأول بأسبوع). بطبيعة الحال كانت بيروت المحطّة القادمة لاكتمال الدائرة في تجربتي الشاميّة، فأنا لم أنظر إليها في يوم من الأيّام بمعزل عن تجربتي الفلسطينيّة أو الدمشقيّة، ولا يمكنني كتابة تجربتي الفلسطينيّة بمعزل عن تجربتي البيروتيّة والدمشقيّة.

بعد أوّل زيارة قصيرة لبيروت قبل نحو عشرة أعوام، لم ألبث أن شعرت بأن الفوضى والفصام والعشوائيّة فيها تشبه الفوضى داخل رأسي. إنّها مدينة مُهجّنة (بكلّ ما في الكلمة من دلالات للقبح)، ومحتارة في هويتها حيرةً تشبه الارتباك الذي تثيره هويتي عند كثيرين. في بيروت أشعر بالغربة والألفة في آن. كما أحسّها ضيّقة ضيق الزنزانة وواسعة وسع الدنيا في الوقت نفسه. أختنق فيها من التلوّث الذي لا مفرّ منه، وفيها ينفتح العالم أمامي بكل إمكانيّاته. فيها تتراجع لغتي العربيّة، لكني كذلك أتعلّم مصطلحات وعبارات محليّة من ألذّ ما يكون، ولا يشوبها أي تعبير أجنبيّ. كما أتذكر فيها لماذا اخترتُ الانتماء طوعاً إلى العربيّة. فيها أشعر بركود المجارير وشبكتها المعطّلة، وأشعر بإمكانيّة ثورةٍ ما تغلي تحت سطح الركود، وقد لا تحصل قطّ. وهذا الغليان ينتقل إلى رأسي متسبباً بحركة جنونيّة تدوّخني. فيها الرذالة التي تتجاوز حدودها، فتستحيل فنّاً وإبداعاً. وأظلّ أستعيد أثناء تواجدي فيها قصيدتين، إحداهما لسركون بولص بعنوان محاولة للوصول إلى بيروت عن طريق البحر، والثانية لوديع سعادة بعنوان محاولة للوصول إلى بيروت عن طريق بيروت (بمثابة رد على قصيدة سركون). فأقول في نفسي: ما أصعبَ الوصول إلى بيروت حتى وأنا فيها! ومن تلك الزيارة القصيرة الأولى وصاعداً أصبحت المدينة بمثابة مقرّ لي في المنطقة، ووقعتُ في غرامها بسرعة فائقة، مكابِدة قسوتها ومستلذّةً ببشاعتها، هذي البشاعة المذهلة التي تظنّينها أحياناً قد قاربت تخوم الجمال، من غير قصد! 

في بيروت السطحيّةُ والعمقُ، وأمواجُ البحر المتلاطمة وهي ترتطم بغابة الباطون. والأفق اللانهائيّ على قاب قوسين، لكنّ الوصول إليه أمر شاق. وتُوهمك بيروت وأنت في دوامتها أنّه ما من عالم موجود خارج حدودها. بيروت بالنسبة لي هي معنى أن نعيش في زمن ما بعد الأمل. وأنت فيها تبدأين بصنع أوهامك بنفسك، وتُبقينها قائمة، فيظلّ الأمل الذي كان وما زال، غير آبه بما مرّ وسيمرّ عليه. وذاك أمل يبقى برغم السطحيّة والعنف والفساد المتفشّي في البلد. فأبقى متمسّكة ببيروت كمرادفة للثورة والتمرّد المستمرّين (أو احتمالهما على الأقلّ). يلائمني تخبّطها وانقلاب أيّ منطق وتناغم فيها. إنّها تشبه إحساسي بجسدي مقابل كياني. فأنا مثلها أتمنّى لو ولدتُ في جسد يختلف عن الجسد الذي يحتويني. لكنّني أُدركُ في الوقت عينه أنّ جسدي، على عكس بيروت، لن يرتضي الخضوع للعمليّات الجراحيّة. وحتّى في ما يخصّ مظهري الخارجي وثيابي، فأنا لا أرتاح لمعظم الملابس «النسائيّة» (خاصّة تلك التي ليس لديها جيوب!) ولا أشعر أنّها تمثّلني، خصوصاً الملابس الداخليّة. الكيلوت الأنثوي وحمّالة الصدر «يضيّقان خلقي» أيّما مضايقة، إذ إنّني أرفض أن أطوي عضوي بين فخذي كما تفعل متحوّلات كثيرات كي لا يبرز أيّ نتوء تحت الخصر. لا أشجبهنّ على خيارهنّ ذاك، لكنّ الأمر لم يَرُق لي في يومٍ من الأيّام. في بيروت أختبر اغتراب الهويّة والاضطراب الذي أعيشه داخل جسدي في البيئة المحيطة.

المبتسرون جندراً وانتماءً أو «...كل غريب للغريب نسيب» 

تناولَ البحثُ الذي أعددته للدكتوراه في جامعة نيويورك صورة الشاعر الصعلوك في الشعر العراقي الحديث، لكن قبل ذلك قضيتُ ما يقارب سنة كاملة في فلسطين حيث درست في جامعة بيرزيت، ثم عملتُ في مركز مدى الكرمل للأبحاث في حيفا وقمت بمساعدة طاقم الباحثين، كما عملتُ بالترجمة والتدقيق اللغوي بين العربيّة والإنكليزيّة. كنت قادمة إلى حيفا مباشرة من دمشق حيث درست الشعر العربي الكلاسيكي في المعهد الفرنسي IFPO، وقرأت القرآن مع صديق فلسطيني ملحد. في حيفا تعمقتُ في الأجواء الثقافيّة، التي تعتبر الأكثر حيويّة في المجتمع الفلسطيني داخل أراضي 48، إذ كنت أنوي وقتذاك أن يتناول بحثي الأدب الفلسطيني في الداخل. ثم توسّعت اهتماماتي لتشمل الأدب القديم لا سيما الشعراء الصعاليك. لكن تجربتي الفلسطينيّة كانت حجر الأساس وستبقى. مرّة كنّا في المظاهرة السنويّة لإحياء ذكرى يوم الأرض في الكفرين، إحدى القرى المهجرة في الجليل الأسفل، وإذا بأحد الرفاق يلتفت إليَّ ونحن نهتف ويصيح منفعلاً: «طول ما أنت هون فلسطين رح ترجع!». إذّاك تأكدتُ أنّ هذه اللغة لغتي، وأدبها أدبي، وبلاد الشام ستكون وطني الحقيقي.

وأنا لست غريبة عن تجربة الاقتلاع من الجذور والنزوح التي تشبه في بعض جوانبها تجربة النكبة الفلسطينيّة (وتشبه كذلك تجربة اليهود العرب الذين طردوا من أوطانهم أو هربوا منها). إذ كان والدي من أولئك الذين تهجروا عام 1947 جراء تقسيم شبه القارة الهنديّة إلى دولَتيّ الهند وباكستان. وهو نزح مع جدّتي وعمّي وعمّتي هرباً من المذابح الطائفيّة على طرفي الحدود بين الهندوس والمسلمين، إذ كان حظهم الانتماء إلى عائلة هندوسيّة في مدينة لاهور التي أضحت في باكستان. اختبأوا في شاحنة لنقل السجناء هرّبهم فيها قريب يعمل في سلك الشرطة، فأوصلهم بأمان إلى مدينة أمرتسار وراء الحدود. وعلى طريق النزوح شهدوا القتل والفظائع، وأقاموا في أكثر من مخيم قبل أن يستقر بهم المقام في نيودلهي ويعثر عليهم جدّي الذي لم يعرف مصير عائلته. كانت عائلتي محظوظة إلى حدّ ما، إذ سلموا من أيّ أذى جسدي، لكنّهم نتيجة رسم الخطوط على خرائط الساسة، فقدوا بيتهم وأملاكهم في المدينة التي يُقال لك عنها «إن لم تُبصرها فإنّك لم تولد بعد». أروي هذه التفاصيل كي أبيّنَ سبب تماهيّ مع التجربة الفلسطينيّة، فالتهجير مطبوع في ذاكرة عائلتنا، ويتم تناقله فيها من جيل إلى جيل.

اصطناعيّة الهويّات كحلّ للاقتتالات المُصطنعة

ليس لديّ مشكلة في الأساس مع فكرة اصطناع الهويات. ففي نهاية المطاف هناك قسطٌ من الاصطناعيّة أو الصناعة في جميع الهويّات على مرّ التاريخ. لكنّ المريع في الأمر هو أن توضع هذه الهويّات، كما حصل مراراً، في حالة تصادم يتمّ تصويره وكأنّه وضع طبيعي مُسلَّم به.

إذا نظرنا إلى مفهوم التحول الجندريّ، أو «الجندركويريّة»، بصفته هويّة نختارها (سواء آمنّا باصطناعيتها أم بأصالتها/طبيعيّتها) فذلك بوسعه أن ينير الطريق أمامنا لمعالجة بقيّة مشاكلنا «الهوياتيّة»، والتعامل مع الصراعات الناجمة عنها بهدوء أكثر وبتأنٍ ورويّة. إذ يُبيّن لنا مفهوم التحوّل أنّه لا يتحتّم على هويّة ما أن تكون في صراع مع هويّة/ات أخرى، بل يمكن لأيّ هويّة التعايش مع الهويّات الأخرى، وحتى التأثير فيها والاكتساب منها. وبوسع التحوّل أن يطرح أمامنا ممارسة مغايرة وأكثر تحرراً للأنوثة والرجولة على حدّ سواء، ممارسة تُريح من تداعيات الذكوريّة الكامنة في نمط الأنوثة والرجولة التقليديين. كما بإمكان الهويّات الجندريّة الخارجة عن الثنائيّة، كـ«الجندركويريّة» (لن أستخدم الترجمات السيّئة المتداولة حتى الآن)، أن تغني فهمنا لممارسة الذكورة والأنوثة، وكذلك أن تطرح علينا بدائل أكثر تحرراً، مهما كانت خصوصيّات المجتمع الذي نعيش فيها.

في شهادتي الشخصيّة هذه في الجندر واللغة وتجربة الإقامة في بلاد الشام، وفي ما اختبرتُهُ في البيئة الخارجيّة حولي وفي عوالمي الداخليّة المتناقضة، ثمة ما يجعلني أقول إنّ ما أدعو إليه لا يقتصر على دعوة المساواة بين الرجل والمرأة، بل هو دعوة لنسف هذه الثنائيّة المصطنعة برمّتها ومن أُسسها. فتلك ثنائيّةٌ تضع الرجولة والأنوثة على طرفي نقيض، وفي صراع أزلي على «مساواة» لن تتحقق بوجودها. إنّها ثنائيّة تطمس كل الاحتمالات الكامنة في الرجولة والأنوثة، كما الاحتمالات الموجودة خارجهما. فإذا قال الزعيم ماو في إحدى إشراقاته (ويا ليتها فعلاً نُفِّذت!)، «دع مئة زهرة تتفتّح ومئة مدرسة فكريّة تتنافس»، يمكننا تحريف كلامه (وما ألذّ تحريف كلام من يتمتع بهالة القدسيّة) والقول «دع مئة زهرة تتفتّح ومئة مذهب جندريّ ينافس ثنائيّة الرجل/المرأة!»، فالتحوّل الجندري (الترانس) لا يضمن التوجّه نحو التحرر تلقائيّاً كما شهدنا في حالة المتحوّلين في إيران. فأين التحرّر بالضبط عند من تحوّلت من هويّة الذكورة إلى الأنوثة (سواء كان هدفه التمويه عن مثليته أم نزعةٌ صادقة) فأجبرت على ارتداء الشادور وعدم الاختلاط بالرجال؟؟ كذلك حالة العديد من المتحوّلين الرجال (من الأنوثة إلى الذكورة) الذين ما لبثوا أن اكتسبوا صفات ذكوريّة تبدو لنا وكأنّها حُقنت بهم مع كلّ جرعة تستوسترون تلقوها. وهذا الأمر بيّنٌ في المجتمعات المثليّة في الغرب، كما في كثيرٍ من الحالات التي شهدتها شخصيّاً وسمعت بها في المنطقة العربيّة. ولدينا مثل شهير في شخصيّة «سامية/سامي»، المُصوَّرة في المسلسل السوري شتاء ساخن (2009)، والتي ترتبك جراء إثارتها من قبل نساء راقصات، فتقنعها طبيبة، أرادت درأ الفضيحة عن أهلها، بوجوب التحوّل إلى شاب، ثمّ ما إن اكتسب «سامي» هويّته الجندريّة الجديدة حتى بدأ بممارسة الوصاية الأبويّة على أخته المُحجبة، وكأنّ الأمر بديهي ولا مفرّ منه!

استدلالاً على الجندر في العربيّة

لانتشال اللغة العربيّة من الحداثة الطهرانيّة المفروضة عليها، ومن قبضة الملتحين في آن

الإنسان العربي، ذكراً كان أم أنثى، يصرّح بألفاظ الجنس على مسمع من الآخرين، من دون مواربة ولا حياء، إذ لا حياء في اللغة كما لا حياء في الدين.

القاموس الجنسي عند العرب، المقدمة

تُضرَب آيات قرآنيّة وأحاديثُ نبويّة كأمثلة على الذكوريّة الصارخة المتجذرة في اللغة العربيّة، ويؤمن كثيرون ممّن يجهلون التراث العربيّ باستحالة أن ينجم أيّ خطاب تحرّري عن لغةٍ ترسخت في متونها المقدسة أحاديث صارخة الذكوريّة، يصعب تجاوزها أو استئصالها بسبب هالة القدسيّة التي تحول بيننا وبين «المساس» بها. حتى المقتنعون بضرورة التحرر الجنسي يقولون هذا.

يقول أحمد بيضون في كتابه الأثير كلمن إنّ «العلاقة بين العربيّة وعالم اليوم علاقة مختلة ونرى لهذا الأمر صلة وثيقة بتقصير المبدعين العرب عن العالميّة» (ص 110)، وأنا بدوري أقول إنّنا ما زلنا مقصّرين في إلحاق لغتنا الغنيّة بموجة إعادة النظر في مفهوم الجندر. لقد شهدت العربيّة تغييراً كبيراً وجوهريّاً في أسلوبها وفي دلالات المفردات نفسها بين الاستخدام القديم والحديث، ولا أقول هذا من باب الحنين إلى الأسلوب القديم، أو الدلالة القديمة، بل كي أشير إلى قدرة العربيّة على التحوّل في خطابها وفي مفرداتها. كما أنّني لست مدافعة عن إدخال كلمات أجنبيّة إلى اللغة العربيّة قاطبة أو معارضة للفكرة (مثل جندر، غاي، سكس إلخ - مع العلم أن شيوع كلمة «سكس» بالذات يحزنني للغاية نظراً لغنى القاموس العربي بمترادفات للممارسة الجنسيّة بكافة تفاصيلها وأنواعها وتشعباتها!) إذ حتّى القرآن فيه عشرات من الكلمات «الدخيلة». كما أنّ كلمة «جنس» في العربيّة الكلاسيكيّة لم تكن تمتّ بصلة لعبارة «جنس» التي نُعرّفُ بها الجماع اليوم («جنس» نفسها مشتقة من اليونانيّة genus أي نوع، فصيل... إلخ). اللغة العربيّة هي لغة تحمل التحرّر الجنسيّ في طيّاتها منذ القدم. ولنأخذ مثلاً مُعلّقة امرىء القيس، التي تعدّ من متون الشعر العربي الكلاسيكيّ، ومسألة تدريسها اليوم. تحوي هذه المعلّقة على أبيات فيها قدر من الفحش من شأنه أن يجعل خدود معظم «المنفتحين» تحمرّ، إذ يصف الشاعر من دون مواربة ممارسته الجنس مع (أكثر من) امرأة متزوجة في أثناء ركوبها الهودج على سنام الجمل، ويصف كيفيّة دخوله إليها ليلاً في غياب زوجها، وتلذّذه بممارسة الجنس معها وهي حامل، أو في أثناء إرضاعها مولودها (يقول: «فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضع / فألهيتها عن ذي تمائم مُحول»! مَن مِن الشعراء الإيروسيين الجريئين تخيّل في قصيدة الجنس مع امرأة حامل! وأنا أكاد أجزم بأنّ هذه الأبيات لا تدرّس في المناهج المدرسيّة، بل يقتصر التدريس على البكاء على الأطلال، أو التفاخر بالخيل، ولا يتعدّاه لكي تتمعّن التلميذة في سياق تلك الأبيات، التي تبدو للوهلة الأولى سمجة ومتكلفة، بالذكريات التي تستحضرها آثار المعشوقة الغائبة مقطوعة الصلة. فالتدريس يركز على إعراب الأبيات كلمةً كلمةً أو شرح بعض المفردات القديمة والغريبة على الأذن المعاصرة، كما لو أنّنا أمام معادلة رياضيّة يُستصعَبُ حلّها. وقصيدة امرئ القيس هذه (مثلها مثل قصائد أخرى له ولغيره من الشعر الجاهلي) تُستخدم في الجدالات لتفسير بعض العبارات أو الإعراب في القرآن، فلاحظوا كيف تُشكِّلُ هكذا نصوص، كان الدين سيعتبرها فاحشة ومنافية للحشمة، مراجع لتفسير نقاط الغموض في النحو أو المعنى ضمن المتن المقدس. ويمكننا أن نضرب مثلاً آخر في أشعار أبي نواس التي يُدرَّسُ بعضُها ويُغفَل (أو يُتغافَل عن) بعضها الآخر، فتُدرَّس قصيدة خمريّة بأبياتها المتغنّية بجمال الخمرة ولونها وعتقها (وهي فعلاً كذلك)، وتُحذَف الأبيات المتعلقة بعشق الغلمان والمُرد والارتباط الوثيق بين الخمر والجنس المنفلت من كلّ قيد أخلاقي. والمفردات والتراكيب الكلاسيكيّة الصعبة لا تُشرَح، كما يُغفَل الجانب الجمالي في تلك القصائد، فتظلّ التلميذة المعاصرة غريبة عن هذا الشعر وأجوائه، برغم ما تنطوي عليه من أهمّية في مواجهة القوى الظلاميّة في زمننا الراهن، وأشير هنا طبعاً إلى استهداف تمثال أبي نواس بكأسه في بغداد من قبل الميلشيات الشيعيّة، أو قطع رأس (النصب التذكاري) للمعرّي في منبت رأسه معرّة النعمان من قبل جبهة النصرة. فهذا ليس من باب الصدفة، إذ إنّهم يدركون مدى القدرة التحرّرية الكامنة في هكذا شخصيّات وفيما تركته من نتاج إبداعيّ. فلماذا نظلّ نحن في غفلتنا؟

يتمحور النقاش عن الجندر اليوم في الغرب حول تحصيل الحقوق، وجعل الجندر محوراً للنضالات السياسيّة، لكنّه نقاشٌ يُغفِلُ مسألة اللعب والمتعة الكامنة في التحوّل، كما يُغفِلُ العنصرَ الشعريَّ في كلّ ذلك، إذ هناك فكرة متواترة تفيد بأنّ القاموس هو كمثلِ قصيدة كبرى حول كل شيء. أقول هذا وأنا أفكّر بضحالة اللغة التي تصنعها الجمعيّات الناشطة في حقل الجنسانيّة والجندر، إذ بدل التبحّر في المعاجم واللغة فإنّهم يجهدون أنفسهم في ترجمة المصطلحات الأجنبيّة من دون إلمام ببحر المفردات الجنسيّة الشاسع في العربيّة الكلاسيكيّة، كما تكاد تنعدم عندهم محاولات اللعب أو روح الدعابة. لا يمكن ابتكار لغة مغايرة من دون اللعب والتحلّي بالظُرف والطرافة وبعض الهزل2. ومع احترامي لجهود الرفاق في الجمعيّات - وهذا ليس تشكيكاً في نواياهم أبداً -فإنّ محاولاتهم بالإجمال تفتقر إلى المداعبة، أي إلى مقاربة الأمور بروح تجمع بين الهزل والدعابة. واللحنُ في اللغة وهو قول الكلام أو نطقه على نحوٍ خاطئ، لكن مفهوم، وهي صفةٌ مذمومةٌ عند النُحاة الذين يسعون جاهدين منذ أكثر من ألف عامٍ للحدّ منها. لكن ماذا لو اعتبرنا اللحن قوّة إيجابيّة تُمكِّننا من ابتكار لغة جديدة قد تغيّر العقليّة السائدة حول الثنائيّة الجندريّة وقضايا الجنس، وذلك بدل البحث في كتب نظريّة (مرة أخرى، لا أقول هذا طعناً في الغرب) تطرح مصطلحات لا تمتّ لواقعنا بصلة؟ فالناس حولنا وفي كلّ يوم تبرع في اجتراح واشتقاق الكلام الجديد شاء سدنة اللغة أم أبوا. علاوة على ذلك ومع كل احترامي لرفاق الجمعيّات ومساعيهم، أشعر أنّ مداخلاتهم هي أشبه بمحاولات أولئك السدنة للحفاظ على سلطتهم اللغويّة الخاوية والآيلة إلى الزوال. نعم، يمكننا التدخل في خطاب الشارع ويمكننا الاستماع إليه مهما كان مقزّزاً وذكوريّاً، ثم نفكّر في كيفيّة قلبه لصالحنا. يساعدنا هنا مفهوم اللَحْن عند النُحاة. معناه السائد هو أن نخطئ في الإعراب أو النطق. لكن إذا تابعنا المادّة في المعجم عثرنا على دلالة أخرى: أن يفطن فلان إلى حجّة وينتبه لها، وهناك حديث شريف يقول «لعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته ببعض»، و«لاحَنَهُ» على وزن فاعَلَه تعني كلّمَهُ بكلامٍ يفهمه (الطرف الآخر المقصود هنا) ويَخفى على غيره. كما أنّ التلحين يعني أيضاً أن يترنّم الشخص في قراءته. فكيف يحدث التحرّر الذي ننشده إنْ لم «نترنّم» في مقاربتنا للأمور أي التجاوب معها بروح اللّعب والمداعبة؟ فلنعتنق اللحن والمُلاحنة إذن، فالناس (بمن فيهم نحن) يبتدعون خطابهم في كل يوم حسب الحاجة والهوى، وليس أمامنا إلّا خوض هذا الغمار معهم. لا أحد يمكنه التحكّم بنجاح مصطلح أو كلمة معيّنة وشيوعها على كل الألسنة (وإلّا كيف أصبحت كلمات مثل «غاي» متداولة؟)، لكن بوسعنا محاولة التدخل في ما يتداوله الناس ومقارعته والتجاوب معه. 

ولماذا نتورّع عن إدخال كلمة كوير إلى اللغة؟ هذه الكلمة نفسها كانت تعتبر كلمة ازدراء لدى المثليين قبل حركات التحرر الجنسيّة النِسويّة، لكنّها استُعيدت في أواخر الستينيات شيئاً فشيئاً كنوع من احتضان المسبّة والافتخار بها. فنَعْتُ «شذوذ» كان يُستخدم لترجمة deviance من قبل علماء النفس في القرن العشرين، الذين كانوا ينظرون بحسب المفهوم التقليدي إلى كل علاقة خارجة عن علاقة الذكر والأنثى باعتبارها علاقة شاذة ومنحرفة... إلخ. لكن كما استُعيدَ استخدام كلمة كوير، بإمكاننا استعادة كلمة «شاذّ» بالعربيّة. وأودّ هنا أن أشكّك بصحّة كلمة «مثليّة» وأطرح كلمة «شاذّ»، التي ناصرتُها أعلاه، بديلاً لها. إذ مع الأخذ بعين الاعتبار الدلالات السلبيّة المتراكمة على هذه الكلمة، إلّا أنّها تفتح لنا آفاقاً أكثر تحرّراً، وأقل تقيّداً بالخطاب «الحَقِنساني»3، كما أنّها تشتمل على هويّات جندريّة بديلة تضاف إلى الهويّات الجنسانيّة، فتضم أفراداً من أمثالي لا يشعرون بالرّاحة في الثنائيّة الجندريّة وفي الثنائيّة الجنسانيّة.

يقول عبد الحليم حمزة في مقدّمته للقاموس الجنسي عند العرب (ص 10-11)، إنّه بسبب توسع الثقافة العربيّة ولغتها إلى خارج حدود الجزيرة والقبائل، وبفعل تخالطها مع الثقافات والشعوب الأخرى التي وصلت إليها مع الفتوحات الإسلاميّة كالروم والفرس والهنود والتُرك وغيرهم، وتحوُّلِ الثقافة العربيّة من ثقافة متمركزة في الصحراء والترحال فيها إلى ثقافة مدنيّة بمستوياتها الراقية والشعبيّة، ما فتئت مفردات جديدة في كافة حقول الحياة بما في ذلك الحياة الجنسيّة تُضاف إلى المعجم العربي.

ثم إنّ المصطلحات اللغويّة نفسها تحتوي على دلالات جنسيّة جمّة كالرفع والنصب والجرّ والتورية والمجاز والاستعارة والكناية والتشبيه، التي يكثر استخدامها في العربيّة في مجال الجنس وغيره. فتُسحب معاني المفردات الجنسيّة إلى معانٍ أخرى بعيدة عنها، ليس لتجنّب القول الفاحش فحسب، بل للزيادة والإثارة والإبداع والتعقيد والدقّة في التعبير.

والملفت في كتب الجنس هذه (وقائمتها تطول - نذكر بعضاً منها)، فضلاً عن غنى المعرفة الموجودة فيها، هو أن مؤلفيها كانوا شيوخاً، أي رجال دين لديهم اعتبار معرفي وأخلاقي ولم يكونوا هامشيين أو يُنظر إليهم كمارقين، بل كانوا في صميم المؤسسة الدينيّة والأخلاقيّة وهم يطرحون مواقف ومواضيع ينظر إليها شيوخ اليوم على أنها على طرفي نقيض مع الدين. ولدينا عالِم من طراز جلال الدين السيوطي الذي ألّف عدّة كتب في مجال الجنس، يُذكَر فيما يُذكَر فيها أسماء للأعضاء التناسليّة لدى الذكر والأنثى على السواء بحسب الشكل والحجم واللون وكلّ ما يمكن أن يخطر على البال، وهي تبدأ بكل حرف من حروف المعجم! والرجل هو السيوطي نفسه الذي كان أحد الجلالين اللذين يعود إليهما تفسير الجلالين للقرآن الكريم! هل يمكن أن نتخيّل مفسّراً للقرآن اليوم يتحدث بهذه الأريحيّة؟ أو هل يعرف المتزمّتون الذين يلتجأون إلى تفسير الجلالين المؤلفات الأخرى المنسوبة إلى السيوطي؟ ونحن نقرأ مؤلفات مثل الوشاح في فوائد النكاح للسيوطي، أو نزهة الألباب للتيفاشي أو غيرها، نشعر بنفح من الموضوعيّة أو انعدام الحكم على الرغبة الجنسيّة، بل هناك احتفاءٌ بها. فهم يعالجون المثليّة لدى الرجال والنساء والعلاقات خارج إطار الزواج لكن بوصف غير متشنّج، وهو وصفٌ دقيقٌ للحالات الاجتماعيّة حولهم. كما أنّهم قد لا يرتضون بما يقومون بوصفه، لكنّهم لا ينكرونه. والأهمّ عندهم هو الدقّة اللامتناهية في التوثيق، وكأنّها واجب ديني ينبغي تأديته مهما كان الموضوع الذي يعالجونه. هذه المؤلّفات تركت عندي انطباعاً أنّ أصحابها، على الرغم من تمعّنهم في مسائل الجنس وإدراكهم لها، يبقون مقصّرين في ما يخصّ الجندر، إذ أبقتْهم منظومة الإسلام الأخلاقيّة حبيسي ثنائيّة صارمة بين الذكر والأنثى. التأكيد على هذه الثنائيّة وتطبيقها كان ضروريّاً جداً بل حيوياً، كي لا تتشوّش العديد من المسائل الفقهيّة التي تتعلق الأحكام فيها بتحديد الذكورة والأنوثة بشكل قطعي. أقصى ما نسمع من هؤلاء العلماء بخصوص الجندر هو مقولتهم «من حيث المَبال» لترجيح كفة الميزان بأحد الاتجاهين عند حالة الخنثى.

لكن هناك فارقاً كبيراً اليوم. فالمجتمعات الناطقة بالعربيّة لا تعيش في ظل نظام سياسي أساسه الإسلام كما كانت تعيش في السابق. نعم، القوانين لا تزال تحتكم إلى الإسلام في محاور مركزيّة، لكن ليس بالطريقة نفسها. والأهمّ من ذلك أنّ العربيّة الفصحى المعاصرة لم تعد متمركزة حول الإسلام كما كانت عليه قبل النهضة. إذ قبلذاك كان تعليمها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالنصّ المقدّس. وكانت كلّ علوم النحو والصرف والبلاغة وما إلى ذلك تحتكم إلى القرآن والسنّة، والتي كانت أيضاً الهدف الذي أُسّست من أجل شرحه كل تلك العلوم. 

ما قام به مثقفو النهضة بمعاجمهم وترجماتهم كان نقلة نوعيّة أزاحت مركزيّة الإسلام من اللغة. صحيحٌ أنهم كانوا متأثرين بالحسّ الطهراني الذي تشرّبوه من الجوّ الفيكتوري والتعفّف المسيحيّ الذي كان سائداً في أوروبا وأميركا آنذاك، والذي حمله المرسلون ورجال الدين معهم عند قدومهم إلى المنطقة، وبالتالي أفقدوا اللغة كثيراً من ثروتها في مجال الجنس، لكنّهم في الوقت ذاته قاموا بعلمنة اللغة، نسبيّاً على الأقلّ. يمكن استرجاع هذا الغنى من دون شكّ، لكن في ظلّ منظومة جديدة، منظومة قد يتيح لها غناها تجاوزَ الجنس النمطي، والتوسّع إلى الجندر ومساءلة الثنائيّة الجنسيّة وتمييع الحدود الفاصلة فيها.

ونعود إلى أحمد بيضون الذي  ينوّه إلى أنّ «الكلام» مشتقٌّ من الجذر الثلاثي ك- ل- م. وكَلَمَ على وزن فَعَلَ، أي في الصيغة الأساسيّة للجذر، تعني جَرَحَ. فبالتالي الكلمة هي جرح في خاصرة الشيء. كما ينوّه إلى الفارق بين الكلام والقول، فالقول هو كل لفظ مُدِلّ باللسان تاماً كان أم ناقصاً، أمّا الكلام فهو اللفظ المفيد لمعناه، فكلُّ كلامٍ قول، لكن ليس كل قولٍ كلاماً (ابن جني، الخصائص)، ما يعني أنّ امتلاك الكلام هو امتلاك للسلطة، خاصّة في اللغة العربيّة التي يضفي عليها الإسلام صفة مقدّسة. فاذا استملكنا التسمية استملكنا المدلول التي تدلّ عليه (كلمن، ص 25-27).

أكثر المهامّ إلحاحاً علينا اليوم هي أن نستملك الكلام بلغتنا في ما يخصّ أجسادنا ومعتقداتنا الجندريّة والجنسيّة وغيرها، وإلّا سنظلُّ غريبين عن المجتمعات التي نتوسّل الانتماء إليها من دون أن نوصم بأنواع شتّى من العار والعيب، فنضطر للهرب نحو بلدان وثقافات بعيدة لا تريدنا كما نريد أن نكون.

فلنواصل الدقّ على جدران الفصل الجندري

لنتذكر أن تفشي التمييز على أساس الجندر في اللغة لا يتماشى طردياً مع نسبة التحرّر الجندريّ أو الجنسيّ في المجتمع الناطق بها. فهناك لغات كالفارسيّة والتركيّة لا يوجد في نحوها ذكر أو أنثى، لكن الثنائيّة الجندريّة قائمة وصارمة في المجتمعات الناطقة بها، التي تظل تعاني من الذكوريّة والتمييز على أساس الهويّة الجندريّة. وكذلك لغات أخرى كالألمانيّة التي يوجد فيها جنس ثالث محايد (وهي لغة فيها إعراب بالمناسبة وعدد الناطقين بها أقل بكثير من الناطقين بالعربيّة لكن لا أحد «ينقّ» على صعوبة تعلمها؟ يا ترى لماذا؟)

إذن فالعربيّة كسائر اللغات تحمل في طياتها إمكانيّة التحرر كما إمكانيّة الارتجاع، فعلينا أن ننقّب ونغور في الثغرات التي تركها الشيوخ الذين وضعوا قواعد اللغة في الحصن المنيع الذي أقاموه. هذه الثغرات لا بدّ أن تكون موجودة كي ننفذ إلى لغة أكثر تحرّراً وانفتاحاً على التحرّر الجندريّ، إذ كُلّما تعقدت القواعد و«تشربكت»، ازدادت فرص التلاعب بها والإفلات منها.

إليكم ملاحظاتي المتواضعة، أو بالأحرى إليكم الكوّات الجندر-تحررّية التي استشففتها في العربيّة حتى الآن:

- في كثيرٍ من الأشعار العربيّة القديمة لا يتفق الفعل مع الفاعل لا جنساً ولا عدداً، فيُصرف فعلٌ فاعله مؤنّث بالياء بدل التاء.

- عشوائيّة تذكير أو تأنيث الأسماء، مثلاً (وهذا فعلاً يبدو شيئاً غير معقول من وجهة نظر الثنائيّة الصارمة) أسماء الأعضاء التناسليّة الأنثويّة - كسّ، فرْج، مهبل، رحْم، كُلّها اسماء مذكّرة!! ومذكّرة هذه بدورها هي جمع غير عاقل، ومن المثير كيف أنّ الجموع غير العاقلة تؤنِّث المفرد مذكّراً كان أم مؤنّثاً.

- بعض الصفات لا تأخذ تاء التأنيث المربوطة، والأمثلة التي تخطر على البال تتعلق بأوضاع مختصة «بالنساء«: حامل، حائض، مُرضِع... إلخ.

- وردت في السيرة النبويّة كلمة عُسَيْلة - «...حتى يذوق عُسيلتها وتذوق عسيلته»- مع أنّ الجماع هنا يتقيّد بممارسته بين رجل وامرأة ينصاعان للثنائيّة، فالنبيّ يستخدم الكلمة نفسها ليشير إلى أعضاء كلا الطرفين فيساوي بينهما، وبذلك يُحيِّدُ الجسديْن جندرياً. ثم هل هناك تسمية للأعضاء المخصّصة للمتعة في أيّ لغة أحلى وأظرف من العُسيلة؟؟

- بعض الكنايات للأعضاء التناسليّة توحي وكأن واضعها كان بالفعل يقصد الدعابة الجندريّة، مثلا: الخصيتان تُكنّى بـ «الأُنثييْن»! (ذلك لأنّ جذر أ- ن- ث له دلالة الطراوة، لكن حتى ولو!).

- الفعل الناقص بحرف العلّة عندما يُنطق بالمحكيّة في لام الجذر يجعل تصريف الفعل في ضمير المتكلم أو في صيغة الأمر محايداً جندريّاً، مثلا فعل حكى يحكي - نصرفه في صيغة الأمر هكذا: إحكِ/ إحكي، لكن في المحكيّة أو حتّى في كلام فصيح شفهي، إلى أي درجة يمكن التمييز بين الكسرة والياء الطويلة؟

- مجموعة المفردات التي تُسمّى الأضداد - أي كلمة واحدة تدلّ على معنى وعكسه في آن واحد، مثلاً كلمة مَوْلى التي تعني السيّد والعبد كلاهما! وقيل إنّ الأضداد وُجدت لأنّ «كلام العرب يصحّح بعضه بعضاً، ويرتبط أوّله بآخره» (ابن الأنباري، مقدمة الأضداد في اللغة). فعلى الصعيد الفكريّ، هل تحمل هذه الظاهرة بتناقضها الجوهريّ فكرة الانقلاب على صرامة الفصل بين الذكر والأنثى من داخل الثنائيّة نفسها؟ أنا شخصياً أرى في كياني بأسره، وخاصّة هويّتي الجندريّة، تناقضاً كبيراً، لكن بدل أن يزعجني الأمر، فقد بات يُمتّعني وصرتُ أحتفي به، إذ أنّ الجندر عندي هو ضدّ من هذه الأضداد.

- المثنّى، أو الإمكانيات التحرّرية في المثنّى. هناك دائماً صنوٌ لك، مثلاً في مخاطبة المثنى في المقدمة الطلليّة - لم يقف أحد على دلالاتها الجندريّة - هذه الصيغة التي لا ننفكّ نتذمّر من وجودها أو نستهزئ باستخدامها في المقدّمات الطلليّة للقصائد القديمة (أو من قِبَل الأساتذة المتزمّتين) لكنها تنطوي على احتمال للتلاعب، على الأقلّ في استخدام الشعراء القدامى لها حسب رأيي، إذ مهما كان جنس الإثنين المعنييْن، هناك طرف آخر وهو المتكلّم الذي يخاطب صاحبيه، فيصبح بذلك المثنّى بالفعل مثلّثاً، وتُخترق الثنائيّة أو ما كانت تتبدّى لنا ثنائيّة. لمَّحَ محمود درويش إلى الأمر في إحدى سونيتاته في سرير الغريبة: «نون الأنا في المثنّى». قد يُعتبر هذا الكلام كله فذلكة وسفسطائيّة، لكنّي أرى فيه تقويضاً لثنائيّة متجذّرة في اللغة وإعادة فهمنا لها على الأقلّ، ولعلّ وعسى أن يفتح ذلك لنا الباب لتقويض ثنائيّات أخرى.

- إمكانيّة استبدال كلمة «رجل» بامرئ/المرء وهو الأقرب الى كلمة امرأة - المرء/المرأة بدل رجل/امرأة، كما يحاجج شاكر لعيبي: «نحن نعلم أنّ لغة العرب لا تحتفظ إلا بصيغتيْ المذكّر والمؤنّث، غالباً. من الناحية اللغويّة ثمّة اتّفاق مبدئيّ على ذلك، لكن من الزاوية المنطقيّة، لعلّ هناك صيغاً محايدة، لا هي بالمذكّر ولا هي بالمؤنّث، وإنْ اُعتبرتْ في إطار المذكّر لغويّاً. مثل كلمة (المرء) التي هي «صيغة ذكوريّة» تصف (الإنسان) مهما كان جنسه، لكنها موصولة بكلمة (المرأة) كما نرى، ليس فقط لغويّاً وإنما دلاليّاً وتاريخيّاً. فمن أمثال العرب التي ينقلها الميدانيّ: «المرأةُ مِن المرء وكلُّ أَدْماءَ مِن آدم. وقالت امرأَة من العرب: أَنا امْرُؤٌ لا أُخْبِرُ السِّرَّ. وقد اعتبروا هذا كلّه نادراً شاذّاً، ونراه بقليل من التردّد صحيحاً إذا اعتبرنا مفردة المرأة خارجة بالأحرى من (مرء) وليس كلمة (رجل). أمّا إذا كانت مفردة المرء، المحايدة جنسيّاً، تعني الإنسان فإنّ هناك اعترافاً بأنّ المرأة هي الأصل». قد نتّفق أو لا نتّفق مع هذه النظريّة، لكنّها مرّة أخرى تفتح لنا باباً للتحرّر الجندريّ لم يكن بادياً لنا من قبل. لنفترض أننا نجحنا في استبدال «الرجل» بالمرء، وبذلك قلصنا سماكة جدار الثنائية بحيث لا يفصل المرء عن المرأة غير الـ ة. هل سيتحرر المجتمع تلقائياً من أدوار الرجولة والأنوثة التي يرزح تحتها، ومن ثقافة العيب والحياء والشرف المتحالفة مع هذه الأدوار. أستبعدُ ذلك.

عساها خاتمة الأحزان الجندريّة، أو لا ختام لنصٍّ تسكنه اللامركزيّة

إذا نظرنا إلى أيّ نصّ كمشروع لتغيير واقعنا المُعاش، فلا مناصّ من التسليم بأن الكتابة مشروع فاشل، إذ إنّ قدرتها على التغيير تتوقّف عند حدود التحريض والتأثير المعنوي الذي لا يمكن أن يضمنه حبر على ورق (أو بيكسلات على شاشة). لكن إنْ تصالحنا مسبقاً مع هذا الفشل، قد تنفتح أمامنا احتمالاتٌ أخرى، كما تقول كاتبة بريطانية متحوّلة في مذكّراتها الصادرة حديثاً. فعندما يصدر نصّ باسمنا ، فإنه سرعان ما ينفصل عنا ويصبح كائناً مستقلاً لديه حياته وحركته الخاصّة، وهو قد يصل إلى من لم نكن نتوقّع أن يصل إليهم، ويؤثّر عليهم فيذهب بهم إلى دروب لم نكن نتوقّعها. هذا هو الرهان الذي أعوُّلُ عليه: أن أكون مصدر تأثير وتحريض أجهل طبيعته، فمن المحتّم أنّ نصّي سيقوم بإلقاء حجر في المياه الراكدة في بئر إحداهنّ وأحدهم، لكن من دون أن أعلم كيف سيرتطم الحجر بسطح الماء، وأي أمواج ستتولّد من جرّائه.

لن أزعم أنّ شهادتي سوف تشكّل مصدر إلهام لأحد، أو أنها ستجيب عن أسئلة محوريّة حول اللغة والثقافة العربيّة ومكانة الجنسانيّة والجندر فيها. إذا سُئلت عن المسعى الأساسيّ لهذه الشهادة-محاججة لأجبتُ أنّي سعيتُ إلى أمرين: أولاً أن أدلي بشهادة عن رحلتي في بحر الجندر، والتي تزامنت مع رحلتي في بحر العربيّة، وثانياً أن أدلي بانطباعاتي بصفتي منتسبة إلى اللغة من خارجها حول ما يمكن أن نفعله لإفساح المجال ولو قليلاً للتعبير الجندريّ الحرّ. مهما كان فالتحريض مهمّ، بل واجب، إذ لا أملَ لنا دون مواصلة التحريض على التحدّي، حتى ولو لم تكن أهدافنا واضحة بعد. وفي نهاية الأمر هذا ما حثّني على كتابة هذه الشهادة وإردافها بهذه الملاحظات، التي أؤثر تسمية «محرّضات» لها.

وبعد... ماذا يبقى؟

أشعر بالإرهاق وأنا أخطّ هذه الكلمات الأخيرة، إرهاقٌ ناجمٌ عن إحساس بالتعري الكامل، الناجم بدوره عن كتابة هذه المكاشفة. أتساءل مع عنترة بن شدّاد عمّا تبقى لنا أن نقوله، أم هل بالفعل غادرت المتحوّلات بعد أن استنفدنَ كل المتردّمات4.

لم أكتب هذه الشهادة-المساجلة كي أُملي على أحد، بل كتبتُها أولاً لمواجهة الخوف من المكاشفة، ومن إسكات العقول الممانعاتية التي تسعى إلى إلغاء وجودي في العربية مرة وإلى الأبد. أقول لهم إنّ بلدي الأصلي الهند اسمها عربي، ومعناه أن يُذهَبَ بقلب المرء. وهذا ما حصل لي مع العربيّة بالتزامن مع التحرّر من قيود الرجولة. أصبحت امرأ/ة بالعربيّة، فأنا، كما يحلو لي التصريح لرفاقي، أميركيّة الجنسيّة وهنديّة الأصل وشاميّة اللسان وبيروتيّة الهوى وفلسطينيّة القلب. وعليه، نرفع الشعار: الموت لـ«النوع الاجتماعي» والنصر للتّحرّر الجندريّ!

  • 1.  اختلاطٌ وزحام، وَقْعُ أقدام الخيل (معجم المعاني الجامع).
  • 2. مثلاً إذا حذونا حذو القاموس الجندري (الذي أُحيّي مبادرة تأليفه إجمالاً) وترجمنا homonormativity كالتالي: «المعياريّة على أساس التماثل الجنسي». لا تحتاج الترجمة إلى أي تعليق مني إذ لا تظهر أي ضعف لغوي عند المترجم/ة، بل نهجاً غير صائب في فهم دور ترجمة هكذا أفكار والهدف من ورائها!
  • 3.  من مصطلح حقوق الإنسان، ويعود فضْل نحْتها لفادي الطفيلي.
  • 4. إحالة إلى مطلع معلّقة عنترة بن شدّاد «هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ... أم هل عرفتَ الدارَ بعدَ توهُّمِ» الذي يتساءل فيه عمّا إذا كان قد بقي ما لم يتطرّق إليه شعراء زمنه ولم يستنفدوه كلياً.