سينما السودان ومتصوفيه وساسته

 

قد يغافلنا الموت فجأة ويمرّ أمامنا دون أن يتجلَّى كاملاً مكمّلاً. لكن أن تدوم لحظة الموت عشرين سنة كاملة، أن يدوم الاحتضار عشرين سنة، أن نواجه الموت وجهاً لوجه لمدّة عشرين سنة… هذا ما جرّنا إليه هذا الفيلم.

لقد جرّنا المخرج السوداني أمجد أبو العلا إلى ترقُّب الموت المقبل والمحدَّد موعده سلفاً بعد عشرين سنة، وجرّنا في الآن ذاته إلى وطنه السّودان. لقد تأخَّر السّودان في الكشف لنا عن جماله المستتر عبر السينما، لكنَّه فعلها أخيراً. هذا التأخّر كان قسرياً، فالبشير كانت ممنوعاته كثيرة، ومن بينها السينما. صناعة السينما هي صناعة للجمال لم يُرِدها البشير.

ستموت في العشرين هو فيلم ما بعد المنع مباشرة، هو الفيلم الرّوائي الطّويل الأوّل بعد عشرين سنة من المنع، والسابع في تاريخ السينما السّودانية.

أغلق عمر البشير دور السينما سنة 1989، وأغلق المؤسسة العامّة للسينما السودانية سنة 1994. هذا التمرّس السينمائي مدهش للغاية في بلد المنع. هذا الطرح جريء في بلد الضّوابط والمحرمّات. وهذا الأداء التمثيلي حِرَفيّ في بلد تقلّ فيه مدارس التمثيل. فيلم ما بعد المنع مباشرة كان فيلما عالميّاً. لو ظلَّ البشير، لربّما تأخّرت علينا لحظة الجمال هذه. هي لحظة جمال حرّة خارج السودان، ولكنّها لم تنل حريّتها بعدُ داخل السودان، فالفيلم لم يُعرَض هناك حتى الآن.

الرفض في السودان متوقَّع، فالاستئناس بالسينما وجرأتها في الطّرح يحتاج وقتاً، وفعل سنوات البشير في الوعي الجمعي ثقيل. والفيلم هو لحظة ثورية صاحبت الثورة السودانية وأسقطت المنع، منْع صناعة الجمال السينمائي الجريء، وأسقطت المعايير القمعية التي تحدُّ من حركيّة السينما كما يشاء صنّاعها. الفيلم مُهدىً للثورة السودانيّة وشهدائها، كما غنّى فيه الراحل محمد وردي «يا شعباً لهبك ثوريتك». ستموت في العشرين عنوان كثيف بالموت، لكن الفيلم كثيف بالموت الحياة والجمال الجريء. هذا الفيلم هو فعل اكتشاف وكشف عن الجمال المختبئ أمام الملأ.

* * * * *

تدور أحداث الفيلم في قرية سودانية معزولة تنتشر فيها القباب الصوفيّة وأصحاب الكرامات والمقامات، ويستفحل فيها الفقر والخرافة وجثث الحيوانات، وتغيب فيها الدّولة. عزلة هذه القرية لا تنفي وجودها تحت الدّولة. في غياب الدولة تواطُؤ مع ذوي الكرامات على السوداني المقهور، وذلك لقهره أكثر ومن ثم إيصاله للاستكانة المرجوّة؛ الاستكانة التي تطمس إمكانات الوعي لديه. هذا التغييب القسري للوعي يجعله يحوم عالياً حول نفسه في عالم الغيبيات، غافلاً بذلك عن مساءلة الساسة ومحاسبتهم، وهكذا يضمن من هم في السلطة بقاءهم. وفي الحقيقة، الدولة ليست غائبة، فهي حاضرة لا لترعى النّاس بل لترعى هذه المقامات، التي بدورها ترعى النظام القائم. الفيلم لا يصوّر مباشرة الفعل السياسي في هذا المكان الذي تتسيّد فيه الخرافة، لكن هذا التسيّد يعكس دور الدولة في ذلك. وربّما هذه هي إشكالية الفيلم الأساسيّة، وبدرجة أقل إشكاليّة الحياة والموت، فالثابت هنا هو تحالف سلطة الحاكم مع سلطة الخرافة ضد السودانيين، والمتحول هو الصورة التي تأتي عليها الخرافة.

يُستهَلُّ الفيلم بنبوءة أحد الشيوخ الصّوفيين للبطل مُزَمّل النّور بالموت يوم يُكمل عامه العشرين، وذلك بعد أن سقط أحد الدراويش أرضاً في التّسبيحة العشرين، فيتحوّل ابن الحياة الجديد إلى ابن الموت. أخذت سكينة ابنها مزمّل للشيخ لتلتمس بركته، فأرداه ميتاً وهو حي.

لجأت سكينة للشيخ لاستجداء البركة والخير، لأنّها ليست مطمئنّة لحاضرها ومستقبلها. فقد تأملت بالأمان الماورائي الذي تتوهّم أنّ وليّ الله قادر على استجلابه. لو كانت سكينة مطمئنة لواقعها لما لجأت للبحث عن الطمأنة الماورائيّة، ولما ثكلت ابنها عشرين سنة. وما لا يطرحه الفيلم مباشرة هو دور النّظام الحاكم في حالة القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان المنسي، الذي قد يجرّه إلى قهر مزدوج مسلّط عليه من قِبَل الحاكم من ناحية، وأولياء الله من ناحية أخرى، فيتعمق قلقه أكثر على وجوده الذي قد يتساوى والموت.

سكينة، التي قدمتها ببراعة الممثّلة إسلام مبارك، هي المرأة قليلة الحيلة، التي تَشَكّل عندها الحضور الكامل للخرافة وما يقابله من غياب كامل للعقل. تعطُّل عقلها أمام قداسة النبوءة جعلها تستكين تماماً لتحتضر مع ابنها عشرين سنة. لكن سكينة، الأم الثكلى، تأمّلت ممّن قتلوا ابنها بعث الحياة فيه مرّة أخرى. هي استسلمت للقتل الخرافي وأَمِلت أن يكون الخلاص خلاصاً خرافيّاً أيضاً. سكينة هي المرأة العاجزة عن امتلاك مصيرها فنجدها تلجأ للشيوخ لجلب الخير ولدفع البلاء.

لكن رغم عجزها، ظهرت في هيئة الكندانة السودانيّة بقوّتها وبمواجهتها للحياة القاسية، وللموت الأقسى، بمفردها بعد أن تركها زوجها الخائف من النظر في عين الموت. غاب النور عشرين عاماً، وعاد مع موعد الموت ليختار مكان دفن ابنه. الزوج الغائب في الفيلم لم يكن غائباً في القصّة التي بنى عليها المخرج الفيلم، أى رواية النوم عند قدمي الجبل للروائي السوداني حمّور زيادة. وقد عكس ذلك رغبة المخرج منح المرأة مساحة مهمّة في الفيلم، وهي المساحة التي يعكسها الواقع السوداني الذي تحمل فيه المرأة وزراً ثقيلاً. وحضرت كندانة الثورة السودانية «الحبّوبة» في شخصية نعيمة، بشعرها الحر، بفرحها، بثورتها وبكبريائها. نعيمة هي حبيبة مزمّل، وهي المرأة التي تنظر إلى الموت القريب ولا تُمكِّنه منها، وتُحرّض مزمّل على الغزل والحب؛ على الحياة. نعيمة سرقت قُبلة صغيرة من خد ميت. هي تؤمن بصحّة النّبوءة، لكنّها تؤمن بالحياة أكثر. ونعيمة، التي قدّمتها لنا الممثّلة بُنَّة خالد، هي شخصية اختلق لها أمجد أبو العلا وجوداً في الفيلم، إذ لم يكن لها أيُّ وجود في قصّة حمّور زيادة. نعم، حضور المرأة في الفيلم وازن وجميل.

أما مزمّل الذي «سيموت في العشرين» فهو ممتلئ بالموت، يمشي في كفنه. وكفن مزمّل تجلّى أمامنا حين حاول أطفال القرية استباق موت «ود الموت»، فدهنوا جسده بالرماد وكفنّوه وتركوه وحيداً هناك مع العتمة والموت. وللرماد رمزية التلاشي والعدم. يقول محمود درويش: «في الإِنتِظارِ يُصيبُنِي هَوَسٌ بِرَصدِ الإِحتِمَالاتِ الكَثيرَةِ»، لكن لا احتمالات في انتظار مزمّل، فهو لا ينتظر غير الموت المؤجّل والمؤكّد. وبذلك انعدمت عنده تماماً إرادة القتال من أجل حبيبته نعيمة والحياة. لا سيطرة لديه على مصيره، فالنّبوءة سيطرت على حاضره ومستقبله. ولدينا هنا جيلان مستلبان للخرافة: جيل سكينة وجيل مزمّل. وفي هذا استمراريّة للجهل وتوريث له، وهذا ما يحدث في مجتمعات التخلّف. استمرارية إنتاج التخلف تُقابلها استمرارية استنزاف إنساننا.

مزمّل المنذور للموت، والذي يتهيّأ للقاء الموت بمنتهى الطّهارة، والذي لا يعرف عن الحياة سوى دقّات القلب، التقى سليمان، المصوّر العائد إلى قريته التي تركها والتقى بالعالم. لكن سليمان ما زال يعيش في «سودان الإنكليز». هو يعيش في بيت المستعمر الإنكليزي في حالة من الزَّهو الماضوي الكولونيالي، وما يقابلها من اغتراب شديد عن سودان ما بعد الكولونيالية، وعن قريته التي توقف فيها الزمن عند زمن ما قبل الآلة. لقاء مزمّل بسليمان، الذي قدّمه بجمالية فائضة المسرحي محمود ميسرة السرّاج، هو لقاء جمع الموت بالحياة؛ الموت بجنائزيّته وروائحه وصمته، والحياة بزهوها ونبيذها وموسيقاها. هو لقاء جمع «ابن الموت» بمارلين مونرو وسامية جمال وهند رستم وطيور أسمهان ونساء الخرطوم حين كنّ يرقصن بفساتينهن القصيرة. هو لقاء بين الشهوانيّة والطهرانيّة؛ بين الفعل البشري الطّبيعي بكل أخطائه ونزواته، وبين الفعل البشري غير الطّبيعي المنّقى قسراً من الزلاّت والهفوات والرّغبات والخطايا.

سليمان يحرّض على الخطيئة كونها فعلاً بشرياً طبيعياً، واهمٌ من يعتقد أنّه لن يقع فيه. الخطيئة هي الحبر الأسود الذي رشّه سليمان على الورقة البيضاء، التي تمثّل الطهرانية، فاشتدّ البياض الذي لم يُلطَّخ بالحبر لشدة تباين اللونين. فعلاً، نحن لا ندرك الشيء إلا إذا أدركنا نقيضه. ومزمّل لن يدرك الفضيلة إلا إذا أدرك الرذيلة. جميل هذا المشهد الذي صوّره المخرج في الجامع الذي يتطهر فيه مزمل الطّاهر. وفي الخطيئة جمال يُغري حتّى المحتضِر. مزمّل أراد الحياة لحظات قبل موعد موته، وأراد أن يلتقي ربّه كاملاً مكمَّلاً بورعه ومعاصيه، ليحاسبه بذلك عن الحسنات والسيئات. وإلا كيف لفكرة الحساب أن تستقيم؟ لقاء مزمّل بسليمان هو لقاء السؤال باللاسؤال، ولقاء نوعين من اليقين: اليقين بسخافة النبوءة مقابل اليقين بصحّتها وقداستها.

يطلب مزمّل من سليمان أن يعلّمه الحساب، لا ليحسب ما تبقّى له من العمر كما تفعل أمّه سكينة، بل لاستحضار عقله الذي نهبته الخرافة. سليمان حرّك الحياة والتفكُّر في مزمّل، في حين فشلت حبيبته نعيمة في ذلك. فهذا الغياب المُريع للعقل لا يمكن إلا أن يستحضره العقل. هذا ما يفرّق بين سليمان ونعيمة في تحريضهما مزمّل على الحياة، لكن كليهما يجسد الحياة التي وجدت لها مكاناً في هذه المكان الكثيف بالموت. نعيمة هي الحياة اليافعة، وسليمان هو الحياة التي شاخت والتي تنتظر الموت الطّبيعي وليس المفتعل خرافيّاً.

والموت الذي كان ثقيلاً في الفيلم، حين حضر كان خفيفاً. مات سليمان وأخد مكان مزمّل في المقبرة، وماتت الخالة التي «تركَتِ الحصان وحيداً» وكان موتهما خفيفاً. خفّة الموت هذه تشير إلى أنّ إشكاليّة الفيلم المحورية ليست الموت، بل تحالف سلطة الحاكم مع سلطة من يلبسون لباساً دينياً على السوداني، وما يخلّفه هذا التحالف من استنزاف يومي لوجوده.

رغم شيوع الموت في هذا الفيلم، فقد كان للفرح مكان فيه، إذ اخترق النحيبَ الصامتَ لسكينة، المرْتدية لباس الحداد الأسود لعشرين سنة، غناءُ ورقصُ نساء القرية بـ«التوب» السوداني الكثيف بالألوان؛ الأسود في مواجهة الألوان؛ الحزن في مواجهة الفرح. كل هذا الفرح أتى في تضاد مع ما يُشار إليه بـ«الحزن السوداني»، وربما هو «الحزن القديم» الذي غنّى له محمد وردي. وكأنّ الحزن خُلق مع السودانيين ولم يُسلَّط عليهم حتى امتلأت به ذاكرة السودان. الحديث عن الاحتفاء بالحزن السوداني هو في الحقيقة تطبيع مع واقع مسلَّط على السودانيين رَصَده الفيلم بجمالية مفرطة.

حضر الجسد في الفيلم راقصاً وحاملاً للشهوة، ومستباحاً أيضاً. مزمّل استباح جسد «ست النسا». ست النسا هي الجسد المتعاقب عليه التعب والانتهاك وملاليم الرجال؛ هي المومس التي لم يُرِد لها المخرج تلك الصورة الاختزالية في الجسد المهيّأ لأي رجل، وهي أيضاً المرأة المحبّة التي تليق بها حنّة العروس. لعبت دور ست النسا الممثلة آمال مصطفى لتمثل «ست الهامش»: الطبقة الأكثر هدراً داخل الطبقة المهدورة. هي الفئة المنبوذة في هذا المجتمع القروي المنبوذ من دولته؛ هي الفئة العاجزة عن التصدي لقوّة الجذب إلى الأسفل. وما لم يغفل عنه المخرج هو الجسد المشتهى تحت قبّة الولي؛ الجسد مقابل الخلاص الماورائي. فمن يسيطر على العقل يتجرّأ على الجسد. تحرُّش الشيخ بجسد مزمّل هو شكل من أشكال استغلال الدجّالين للباحث اليائس عن الخلاص، وهو أمر كثيراً ما يحدث في عتمة غرف الدجل.

في الفيلم إدانة صريحة للحضور الثقيل للسلطة الدينية الصوفية، التي تُغرق الناس في الغيبيات وتسيطر على حيواتهم، وهو حضور يتعدى قرية صغيرة في السودان وينسحب على أماكن كثيرة، ويتعدى زمننا إلى أزمنة سابقة. هذه الإدانة العلنية للسلطة الدينية لم تمنع المخرج من تصوير جمال الصوفية بألوانها وموسيقاها، إذ أتت قوارب الدراويش الحمراء التي مرّت على النيل في مشهد بديع، وإن كانت أيضاً تنبئ بالموت القريب.

حضر النّيل في الفيلم أيضاً عبر حضوره في حياة السودانيين. لكنّ النّيل أتى في صورة غير الصّورة التي حدّثتنا عنها مصر. فَنيل ستموت في العشرين مخيف، يحمل في داخله الموت، حيث ارتبط موت مزمّل بنهر النيل. ومن هنا كان مزمّل متردّداً خائفاً في لقائه الأول مع ماء النّيل، وفي لقائه الثّاني معه عاتبه وضربه وحمّله شقاءه. في النّيل يموت أولاد القرية. في النّيل بحثوا عن جثّة مزمّل، الذي لم يلتقِ بالموت حين أكمل عامه العشرين وهرب من القرية ليلتقي بالحياة. لكن النّيل أتى أيضاً في صورة المخلّص حين قال سليمان لمزمّل: «أنا لو منك، أتبع النّيل من هنا لمصر، البحر المتوسط، أوروبا». صُوِّر النّيل في الفيلم على أنّه نيل العبور إلى الحياة، بعد أن كان نيل العبور إلى الموت.

الحضور الجميل جدّاً في فيلم أمجد أبو العلا هو حضور السينما كنافذة شاهَدَ من خلالها مزمّل العالم خارج قريته المعزولة. وكأنّ المخرج يقول: وأنا أيضاً أتيت بكم إلى «سوداني» وحكايات «سوداني» من خلال الكاميرا والسينما. وبالفعل، أخذنا المخرج وبقيّة صنّاع الفيلم إلى سودانهم وحكايا سودانهم وناس سودانهم. وكأنّنا بهم يعلنون انطلاقة السينما السودانيّة الجديدة، فالسودان أرض الحكايات التي تنتظر أن تُحكى، وأرض النصوص التي لم تُكتَب بعد، وأرض الخصب السينمائي الحر. فقط انتظرونا!