شبحٌ ينتاب السياسة الإسبانية اسمه محمد بن سلمان

 

أواسط الأسبوع الماضي، أعلنت وسائل الإعلام الإسبانية عن قرار وزارة الدفاع تجميد عقدٍ لبيع 400 «صاروخ ذكي» موجّه بالليزر إلى السعودية بقيمة 9 مليون يورو، عقدٌ كان قد وُقّع عام 2015 بإشراف حكومة الحزب الشعبي اليميني، ويقضي بإعادة الجيش الإسباني بيع جزء من مقتنياته من هذه الصواريخ، الأميركية الصنع، إلى الجيش السعودي. كان قد سبق هذا الإعلان أنباء توالت في الأشهر الثلاث الماضية -أي منذ استلام الحزب الاشتراكي برئاسة بيدرو سانشيث رئاسة الحكومة الإسبانية إثر نجاح حجب الثقة عن حكومة ماريانو راخوي اليمينية- عن أن الحكومة ستعمل على مراجعة كل عقود التسليح المبرمة مع دول في حالة نزاع مسلّح، ولا سيما حروب أهلية.

كانت الأحزاب على يسار الحزب الاشتراكي، والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الحقوقية، قد مارست ضغوطات من أجل مراجعة العقود مع السعودية بالذات، وذلك بحجة استخدام الجيش السعودي الأسلحة الإسبانية في اليمن، لا سيما بعد مجزرة ضحيان في التاسع من آب الماضي، حين أسفر قصف الطيران السعودي على حافلة عن مقتل ما لا يقل عن خمسين شخصاً، غالبيتهم من الأطفال. حينها، أصدر الفرع الإسباني من منظمة العفو الدولية تقريراً يُدين تواطؤ إسبانيا كدولة، وشركات صناعة وتسويق الأسلحة الإسبانية، مع جرائم الحرب التي ترتكبها السعودية في اليمن ببيعها السلاح الذي تعلم أنه يُستخدم هناك، ويشير التقرير إلى أن إسبانيا قد باعت للسعودية أسلحة بقيمة 932 مليون يورو بين عامي 2015 و2017.

أمام هذا الواقع، قررت وزارة الدفاع الإسبانية، والتي تديرها مارغريتا روبليس، القيام بخطوة رمزية هي الأسهل والأقل كلفة -أو هكذا اعتقدت حينها- حيث وضعت قيد المراجعة صفقة «الصواريخ الذكية»، صغيرة الحجم بملايينها التسعة مقارنةً بإجمالي كتلة النشاط الاقتصادي العسكري مع السعودية (270 مليون يورو في 2017)، والأسهل للتجميد كونها صفقة مباشرة بين الجيشين الإسباني والسعودي تمتلك السلطة التنفيذية سلطة مباشرة وحصرية عليها، وليست صفقة شركة خاصة يحتاج التدخّل فيها إلى إجراءات سياسية وقانونية معقّدة، تقتضي أغلبيات في البرلمان وفي لجان الدفاع البرلمانية لا يمتلكها الاشتراكيون.

فور إعلان قرار وزيرة الدفاع تجميد الصفقة، ظهرت التساؤلات حول إن كان هذا القرار سيمرّ مرور الكِرام، كما حصل مع قرارات مشابهة بتجميد صفقات سلاح مع السعودية اتخذتها العديد من الدول الأوروبية خلال السنة الأخيرة، أم سيكون ردّ فعل السعودية مشابهاً للحدّية التي واجهت بها انتقادات كندية لوضع حقوق الإنسان في المملكة، والتي شملت قطعاً كاملاً للعلاقات الدبلوماسية والتجارية، وقراراً بوقف نشاط المبتعثين إلى الجامعات الكندية ووقف الاستثمارات الاقتصادية، وشملت أيضاً حملة إعلامية من الإعلام الموالي لآل سعود ضد كندا، وصلت إلى مستويات بائسة من السفاهة. ورغم عدم صدور ردّ علني من السعودية على خطوة وزارة الدفاع الإسبانية، إلا أن القضية بدأت تسخن مع بدء التحركات الاحتجاجية في مناطق نشاط شركة نابانتيا لصناعة السفن في محيط مدينة قادش ضد قرار الحكومة الإسبانية، والمُطالِبة بالتراجع عن القرار والحفاظ على العلاقات مع السعودية.

نابانتيا هي شركة عامة لصناعة السفن، وهي إحدى أضخم الشركات العامة الإسبانية، وضعتها الأزمة الاقتصادية التي انفجرت عام 2008 في وضع الفيل المترنّح اقتصادياً بسبب انخفاض كتلة العمل والرعب من إجراءات صرف جزء من عمالها الـ 5500 بسبب العجز. أمام هذا الواقع، جاء توقيع عقد مع السعودية لبناء خمس سفن بقيمة نحو ملياري يورو، وعقود أخرى متعلقة باللوجستيات والتدريب لمئات عناصر البحرية السعودية، بمثابة حبل الإنقاذ للشركة المأزومة، ولمنطقة قادش بالذات. وقد تم توقيع هذا العقد ربيع العام الجاري أثناء زيارة لمحمد بن سلمان ووفد مكوّن من خمسة وزراء سعوديين لإسبانيا، جرى خلالها التباحث حول العلاقات الاقتصادية الإسبانية- السعودية، مباحثات خرجت بنتائج متفائلة، تذهب بتوقعات حجم النشاط الاقتصادي المشترك خلال السنوات العشر المقبلة إلى 32 مليار يورو.

يبلغ حجم التبادل التجاري السنوي الحالي بين إسبانيا والسعودية حوالي ست مليارات يورو، وميزانه خاسر لإسبانيا بحوالي مليار ونصف يورو، بسبب غلبة كتلة ثمن النفط المستورد، عجزٌ تسعى إسبانيا لتعويضه منذ سنوات عن طريق محاولة دخول السوق السعودية من نوافذ البُنى التحتية والنقل والطاقة، والحصول على عقود للشركات الإسبانية الكبرى في هذا المجال (وأهمها عقد القطار السريع بين مكة والمدينة المنوّرة، الموكل تشغيله لتحالف شركات إسبانية)، وهي شركات تحتاج بدورها لهذه العقود لأنها الأكثر تضرراً من الانكماش الاقتصادي الذي عاشته إسبانيا خلال العقد الأخير وتقلّص الاستثمار الداخلي في المشاريع الكبرى والبنى التحتية. ويستفيد الاقتصاد الإسباني من علاقات اقتصادية متينة تاريخياً خلال عهد خوان كارلوس الأول، الذي اعتنى منذ تولّيه العرش بصداقة عميقة مع العائلات المالكة في السعودية والإمارات والكويت على المستويات السياسية والشخصية، وبرع في لعب دور تسهيلي لحصول الشركات الإسبانية على عقود في منطقة الخليج عن طريق «الموانة». وقد وصلت علاقات الملك البوربوني مع «أشقائه» من ملوك الخليج (كما كان يسمّيهم) في موثوقيتها لدرجة «تنفيع» عشيقته السابقة، الأميرة الألمانية كورينا زوس-ساين ويتجنشتاين، عن طريق تنصيبها مبعوثة خاصة أو وسيطة في صفقات تجارية مع جهات سعودية وإماراتية دون تكليف رسمي من الحكومة والبرلمانين الإسبانيين، أو علمهما بعلاقتها «الخاصة» مع الملك. قضية «الأميرة كورينا» كانت أحد أهم الأسباب التي أجبرت خوان كارلوس الأول على التنحّي عن العرش لصالح ابنه، وما زالت أصداؤها مستمرة حتى الآن مع تتالي التسريبات عن تفاصيل نشاط الأميرة-العشيقة تحت غطاء الملك المتنحّي وأصدقائه، ودعوة جزء من الطيف البرلماني لتشكيل لجان تحقيق برلمانية في الموضوع.

ضجّت الصحافة والسياسة الإسبانيتان بهذه الأشباح والمخاوف طوال الأسبوع المنصرم وسط صمت رسمي سعودي أكّد العديد من المتابعين لدهاليز السياسة الإسبانية أنه لم يخلُ من تلميحات تهديدية في الأروقة المغلقة، لتتضاعف مأساوية المشهد مع مثول وزيرة الدفاع أمام مجلس الشيوخ الإسباني (حيث يحظى الحزب الشعبي اليميني، الغاضب جداً من ارتجالية الحكومة الاشتراكية في هذا الملف) بخطاب بائس، متلعثم وخائف بوضوح، نفت فيه وجود أبعاد سياسية لقرار مراجعة عقد «الصواريخ الذكية»، مُحيلةً إلى مسائل تقنية ولوجستية بحتة تجوز مراجعتها وفق بنود العقد، ومادحةً جدّية السعودية كشريك اقتصادي أساسي لإسبانيا. وإثر هذا الخِطاب التراجعي، أُعلن أمس عن قرار الحكومة الإسبانية رفع التجميد عن عقد الملايين التسعة، وعودة المياه إلى مجاريها.

تتوالى الانتقادات للحكومة الإسبانية هذه الأيام على ارتجاليتها وعدم تقديرها لعواقب سعيها لـ «خطوة رمزية» تحفظ ماء الوجه أمام الانتقادات الحقوقية، منها ما يأتي من الحزب الشعبي اليميني والفعاليات الاقتصادية والشركات الكبرى، ومنها ما يأتي كمزاودة من على اليسار تُدين الانبطاح أمام نظام آل سعود، خصوصاً من جانب حزب بوديموس. الطريف، هنا، أن عمدة قادش، خوسي ماريا غونثالث سانتوس، هو أحد أهم شخصيات حزب بوديموس في إقليم الأندلس وفي إسبانيا ككل، وهو من أهم المدافعين عن ضرورة الحفاظ على العلاقات مع السعودية لضمان كتلة عمل لصالح نابانتيا، التي توفّر فرص عمل للآلاف من أبناء منطقته، ويتصادم في ذلك مع قيادة حزبه في مدريد بشكل دوري.