شبكات التسوّل كجريمة مضاعفة

 

لا تقتصر ظاهرة التسول على بلدٍ بعينه، بل هي ظاهرةٌ عالمية يختلف حجمها من دولةٍ إلى أخرى تبعاً لعوامل اقتصادية واجتماعية عديدة، غير أنها تنشط بشكلٍ كبير في البلدان التي تعيش حروباً وصراعاتٍ تخلّف أزماتٍ اقتصاديةٍ مديدة؛ بسبب الظروف التي ترافقها من ازديادٍ في معدلات الفقر وفقدان العمل والمُعيلين وضعف القوة الشرائية وفقدان الناس لبيوتهم وأرزاقهم وتدميرها، وكذلك تسخير قسمٍ كبيرٍ من مُقدّرات البلاد لتمويل الأعمال القتالية. ويمكن عزو ذلك أيضاً إلى تحطّم الإطار الأسري نتيجة العوامل السابقة أو موت بعضٍ من أفراد العائلات، وهو ما يعود سلباً على علاقات التكافل الاجتماعي والاقتصادي القائمة في المجتمع. وتنشط في هذه الأوقات جمعياتٌ حكومية وأهلية أو من المجتمع المدني لتقديم الطعام المجاني أو المأوى لأولئك الذين ساقتهم الصراعات إلى التشرّد، لا سيما الأطفال الذين يتسربون من المدارس ويطوفون الشوارع بحثاً عن الأكل، أو نتيجة استغلالهم من قبل عصاباتٍ توظّفهم مستفيدةً من عوزهم وعدم وجود سندٍ اجتماعي واقتصادي يحميهم.

وقد عرفت سوريا قبل العام 2011 ظاهرة التسول، أسوةً بكثيرٍ من البلدان، لكنّ هذه الظاهرة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بشكلٍ كبيرٍ جداً، حتى أصبحنا نشاهد المتسولين أثناء تنقّلنا في العاصمة دمشق وضواحيها يشغلون جميع الشوارع بشكلٍ لا تخطئه العين. كما لم تعد هذه الظاهرة مقتصرةً على مدينةٍ أو شارعٍ بعينه، وإنما حاضرة في جميع المحافظات السورية. في دمشق، نلاحظ أنّ غالبية المتسولين في الشوارع اليوم هم من الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء، والسواد الأعظم من هؤلاء اضطروا للجوء إلى التسوّل خلال السنوات القليلة الماضية، ولم تكن هذه حالتهم قبل ذلك؛ أي أنّ شكل الحياة هذا طارئٌ عليهم.

ومن بين المتسولين أيضاً أولئك الذين لحقت بهم إعاقاتٌ دائمة نتيجة الحرب، وهؤلاء كثرٌ زاد معاناتَهم عجزُ المشافي الحكومية عن علاجهم، وكذلك عجز أهاليهم عن إعالتهم، لا سيما في ظل تفتّت هذه العوائل وفقدانها لمنازلها واضطرارها على النزوح. وبات هؤلاء اليوم ينافسون ذوي الاحتياجات الخاصة المتواجدين سابقاً في الشارع في افتراش الأرصفة أمام الحدائق والمساجد وعلى مداخل الحارات، وأصبحوا يمدون أيديهم للمارة، والبعض منهم يحمل لافتةً صغيرة كُتب عليها سبب الإعاقة، لتساعده في الحصول على تضامن أو تعاطف المارّة بالمال.

أحد هؤلاء هو مجنّدٌ سابقٌ في جيش النظام بُترت قدماه نتيجة المشاركة في الأعمال القتالية، ولم يلقَ تعويضاً كافياً من حكومة النظام، فقرر افتراش أحد أرصفة دمشق يومياً، وقد تناقلت قصتَه عددٌ من وسائل إعلام النظام، فاختفى فترةً من الرصيف بعد أن قُدّمت له الوعود، غير أنه عاد مجدداً إلى مكانه بعد أن اكتشف أنّ جميع الوعود التي قُدمت له كانت كاذبة. كذلك الأمر انتشرت مقاطع مصورة لمُجنّدٍ آخر في طرطوس يتسوّل في الشوارع بعد أن فقد بصره. هذه الحالات كثيرة، ولكن نادراً ما يتم تصويرها أو تسليط الضوء عليها من قِبل الإعلام الموالي للنظام.

نفق الحميدية

تشهد دمشق وبعض ضواحيها منذ سنوات قدوم عشرات آلاف العائلات النازحة من ريف دمشق أو من محافظاتٍ أبعد، والكثير من هذه العوائل لا يرافقها رجال، وهي لم تتمكّن من تأمين بيوتٍ تؤويها في المناطق التي نزحت إليها، لذلك افترشت الحدائق والشوارع الرئيسية والفرعية، وصارت تؤمّن لقمة عيشها عن طريق تسوّل نسائها وأطفالها. الآن قلت أعداد هذه العائلات بنسبةٍ كبيرة، إلا أننا ما زلنا نرى بعضها يفترش الحديقة الصغيرة خلف شارع الثورة وعدداً من الحدائق الأخرى. على مدخل سوق الحميدية، ومنذ عامين، نرى السيدة نفسها لا تبرح مكانها، وقد كبُر أطفالها قليلاً. تجلس المرأة على كرتونتها وتمدّ يدها للمارة، وعند سؤالها عن السبب الذي يدفعها للبقاء في الشوارع بعد أن تفرُغ ليلاً من التسول، تُجيب أنها قد فقدت زوجها ومنزلها خلال القصف على مدينتها، وتفرّقت عائلتها الكبيرة، وقد كانت تأوي ليلاً مع أطفالها إلى أحد المساجد القريبة، غير أنها بعد التعميم الصادر عن وزارة الأوقاف قبل قرابة عامين، والقاضي بإغلاق جميع المساجد التي افتُتحت كمراكز للإيواء وإغلاق باقي المساجد بعد صلاة العشاء مباشرةً، أصبحت تنام مع أطفالها في نفق الحميدية، وتقضي حاجتها في المساجد عندما تُفتح أبوابها مجدداً في الصباح.

أطفالٌ بملامح قاسية

ويمكن اعتبار الأطفال المتسولين الحلقة الأكثر تعرضاً للخطر من بين المتسولين، فعلى الرغم من أنّ بعضهم يبيع البسكويت والمحارم والورود ويرفض المال من دون مقابل، فهؤلاء ينبغي أن يكون مكانهم في المدارس وليس الشوارع. غير أنّ هؤلاء قلة، وغالبية الأطفال الموجودين في الشارع يمارسون التسول؛ يحفظون بعض العبارات ويطلبون المال من المارّة بإلحاحٍ شديد، ونتيجة الوقت الطويل الذي يقضونه في الشوارع بعيداً عن حماية الأهل وتوجيهاتهم، اكتشفوا العالم السفلي لمدينة دمشق، وأصبح قسمٌ منهم يتعاطى مادة الشعلة المُخدّرة، ويمكن رؤية هؤلاء بوضوح منتشرين على الرصيف المجاور لقلعة دمشق. كما انتشر مقطعٌ مصوّرٌ قبل فترة لطفلةٍ متسولة، تقول إنّ أمها ميتةٌ ووالدها في السجن، تسقطُ في نهر بردى بعد أن خافت من أحد المارّة الذين شاهدوها تشتمّ الشعلة وحاول ملاحقتها. نرى أيضاً في دمشق اليوم أطفالاً لم يتجاوزوا عامهم السادس، يلتقطون أعقاب السجائر التي تسقط من أيدي المارة ليدخنوها، وعندما تكون حصيلة أحدهم من التسول جيدةً يشتري باكيت دخان ويحتفل مع أقرانه الصغار بتدخين سيجارةٍ كاملةٍ لكلٍّ منهم.

قد يكون مشتركاً بين هؤلاء الأطفال قساوة الملامح وتجاعيد الوجه والعنف والكلام البذيء، فقد محت الأيام التي قضوها في الشوارع طفولتهم ونقاوتها، لكنّ الأشد خطورةً هو أنّ عصاباتٍ من الرجال قد تلقّفتهم، فقاموا بتنظيمهم وتقسيم العمل والشوارع بينهم، وأصبح الأطفال مياومين بالتسول لدى هؤلاء المجرمين، يدفعون لهم عند نهاية كل يوم حصتهم من عوائد التسول، مقابل حمايتهم من أفراد العصابات الأخرى وتهريبهم من سيارات «مركز ملاحظة الأحداث» التي قد تلتقطهم، والتي بدورها نادراً ما تجوب الشوارع بحثاً عن هؤلاء الأطفال بقصد ترحيلهم الى إصلاحية الأحداث في قدسيا، رغم إعادة افتتاحها بعد سيطرة النظام على مدينة قدسيا عام 2017.

أما دور الأيتام التي من المفترض أن تضمّ الكثيرين من المتسولين الذين فقدوا أُسرهم، فقد صارت بمثابة مراكز للتعذيب، ومنذ قرابة شهر ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا بمنشورٍ لفتاةٍ تسكن مقابل دار الرحمة لرعاية الأيتام في منطقة ركن الدين، تشتكي فيه من صوت بكاءٍ متواصل؛ نتيجة تعنيف المربيات وضربهم للأيتام في الدار الذي تهتمّ به أسماء الأسد وتزوره مراراً. وفي اليوم التالي اعتُقلت هذه الفتاة، ونشرت صحف النظام توضيحاتٍ رسمية صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية وعن وزراتي الداخلية والعدل للقول إنّ هذا المنشور كاذب، وإنّ دور الرعاية، ولا سيما دار الرحمة، يقدمون العناية والاهتمام الكافيين للأطفال.

بالعودة إلى حال المتسولين في الشوارع، فإنّهم يواجهون أخطاراً من نوعٍ آخر، يتمثّل أبرزها في التحرش والاعتداءات الجنسية واختفاء بعضهم دون أسباب واضحة، في الوقت الذي يُرجّح فيه أغلب المتابعين الذين تحدّثت إليهم الجمهورية أنّ سبب الاختفاء يعود إلى قيام عصاباتٍ بخطف هؤلاء الأطفال والاتجار بأعضائهم. فضلاً عن ذلك، فقد بات هؤلاء الأطفال المروّجين الرئيسيّين لمادة الحشيش في مقاهي دمشق وحواريها، ومعظمهم يدخّنها، ويتميز هؤلاء بحملهم السكاكين المعروفة بـ«الموس الكباس» على خصورهم، وهم لا يترددون في استعمالها عند حدوث المشاكل التي كثيراً ما تحصل. بالإضافة إلى ذلك يُقدم قسمٌ كبيرٌ منهم على السرقة والنشل والعديد من الأفعال الأخرى.

أحد القاطنين في شارع بغداد الدمشقي يروي للجمهورية أنّه شاهد طفلاً يقف لأيام أمام مشفى الهلال الأحمر الموجود في تلك المنطقة بحجة التسول، وعند سؤاله عن سبب بقائه الطويل في مكانٍ لا يوجد فيه متصدّقون، أجاب بأنه «يريد بيع كليته لأحد المرضى من أجل إطعام اهله، فقد سمع من أحدهم خلال وجوده في الشارع أن الإنسان يستطيع العيش بكليةٍ واحدة».

وفي إطارٍ متصل، لا يمكن فصل استغلال الأطفال ودفع بعضهم للتسول عن النفوذ المتعاظم لمجاميع الشبيحة في دمشق وريفها، فقد حاولت إحدى المنظمات المحلية الصغيرة المهتمة بتعليم المتسربين في إحدى ضواحي دمشق جذب الأطفال المتسولين في المنطقة إلى مركزها لتعليهم وتقديم اللباس والغذاء لهم. بدايةً رفض بعض الأطفال ذلك بشدة، ولكن عند إغرائهم بالحلويات والبوظة وافقوا على القدوم ساعتين يومياً إلى المركز لتلقي الدروس تعليمية، ولكن ما أن حدث ذلك حتى وصل المنظمة تهديدٌ من أحد شبيحة المنطقة يأمرهم فيه بالابتعاد عن هؤلاء الأطفال وإلا فسيتم إغلاق المركز بالقوة.

وفي هذا السياق تقول للجمهورية عائلةٌ من المنطقة نفسها إنّها فقدت طفلها ذا الخمسة أعوام أثناء ذهابه مع والدته للتسوق، و«بعد يومين من البحث عنه في الشوارع وُجد الطفل نائماً على كرتونة رفقة عددٍ من الصبيان على طريق مطار دمشق الدولي، بعد أن اختطفه أحدهم وأجبره على العمل في التسول مع عددٍ آخرٍ من الأطفال».

لقد باتت قصص الأطفال المتسولين في شوارع سوريا وصورهم تملأ وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، والأمر نفسه ينطبق على الأطفال السوريين اللاجئين في دول الجوار التي لا تقدم إعاناتٍ حقيقيةً لهم، كما هو الحال في لبنان وتركيا. وحتى الآن، لا يوجد عملٌ جديٌّ وفعّال من قبل حكومة النظام وحكومات دول الجوار والمنظمات المدنية العاملة في سوريا وخارجها لمعالجة هذه الظاهرة، التي يعيش نتيجتها مئات الأطفال دون تعليم ورعاية صحية، يقضون طفولتهم وسنوات مراهقتهم الأولى في ظروف بالغة السوء، ويذهبون ضحية لجريمتين؛ تدمير بلادهم وحياتهم، وإطلاق يد العصابات التي تستغلهم.