شريان الرقة المقطوع

 

يمدّ نهر الفرات والمشاريع المائية التي أقيمت عليه محافظة الرقة بالمخزون الأساسي للمياه والطاقة، وتعتمد المحافظة بإنتاجها الزراعي بشكل شبه كامل على نهر الفرات ومياه بحيرات السدود المقامة عليه، ما يجعل تأثير الأضرار أو النقص في تلك المياه كبيراً على حياة السكان في هذه المحافظة التي شهدت معارك واسعة ودماراً كبيراً لحق بمدنها نتيجة الحرب ضد تنظيم داعش.

تشرفُ محافظة الرقة على الضفتين الشمالية والجنوبية للنهر، أكبر الأنهر المارة في سوريا. وفي أذار من عام 1978 أُعلن عن إنهاء الأعمال في سد الفرات (50 كم غرب مدينة الرقة) ليدخل الخدمة منذ ذلك الوقت كأول محطة كهرومائية في سوريا، مشكلا خلفه بحيرة (سُمّيت بحيرة الأسد حينها) تعتبر أكبر خزان مائي سوري بسعة تبلغ 14 مليار متر مكعب ومساحة تقدر ب 640 كم مربع.

تتوزع السيطرة العسكرية ضمن محافظة الرقة بين ثلاث جهات؛ الفصائل المدعومة من تركيا، وتتركز سيطرتها في ناحيتي تل أبيض وسلوك بالإضافة للأطراف الشمالية من ناحية عين عيسى. كما تسيطر قوات النظام السوري على العديد من القرى في الريفين الشرقي والغربي (منطقة الشامية). أما قوات سوريا الديمقراطية فهي تستحوذ على المساحة الأكبر من المحافظة، بما فيها مدينتي الرقة والثورة والعديد من البلدات كالمنصورة في الريف الغربي والكرامة شرقاً.

وتحت سيطرة قسد تقع أهم المنشآت الحيوية مثل سد الفرات، وسد المنصورة (سدّ البعث، حسب التسميات الرسمية)، ومشروع بئر الهشم. وقد أبرمت قسد العديد من الاتفاقيات مع النظام السوري لإدارة بعض هذه المنشآت، كحال سدّ الفرات وسدّ المنصورة، اللذين يُداران حالياً من قِبَل موظفين تابعين للنظام السوري وآخرين يعملون لدى إدارة السدود التابعة للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. وتندرج مبررات الإدارة في ذلك إلى حاجة السدود لمواد لا يمكن تأمينها إلّا عن طريق النظام السوري، أهمّها زيوت العنفات، وأجهزة التواقت، ومحوّلات القدرة، والكابلات. كما أنّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والذي يتخذ مكتب سوريا فيه دمشق مقرّاً رسميّاً له، قدّم العديد من مشاريع الصيانة لسد الفرات، آخرها كان شهر أذار 2020.

ينصّ بروتوكول التعاون الاقتصادي والفني بين سوريا وتركيا لعام 1987 على أن يوفر الجانب التركي وارداً مائياً بمعدل سنوي قدره 500م3 / ثا عند الحدود التركية-السوريّة. كما نصّت اتفاقية عام 1989 الموقعة بين الحكومتين العراقية والسورية على أن تكون حصة العراق من نهر الفرات 58% في حين تكون حصة سوريا 42%.

المنسوب الأعظمي لبحيرة سد الفرات يبلغ 304م فوق سطح البحر، وعنده يستوجب فتح بوابات المفيض لتصريف الماء الزائد، أما المنسوب الأصغري للبحيرة فيبلغ 299م فوق سطح البحر، وعنده تخرج المحطة الكهرومائية عن الخدمة وتصبح غير قادرة على توليد الكهرباء، كما يحتاج ملئ 1 سم من بحيرة الفرات وارد مائي قدره 75م3/ثا لمدة 24 ساعة.

في شهر نيسان من العام الحالي، قامت الحكومة التركية بتقليل الوارد المائي من نهر الفرات باتجاه سوريا من 500م3/ثا ليصبح 250م3/ثا كمعدل شهري، وترتب على ذلك انخفاض في منسوب بحيرة الفرات من 302.65م عن سطح البحر حتى وصلت إلى 301.06م خلال شهري نيسان وأيار، أما خلال شهر حزيران بلغ الوارد المائي الشهري من تركيا 365م3/ثا، وعليه ارتفع منسوب بحيرة الفرات ليصل 301.29م، واعتباراً من 3 تموز تم رفع الوارد بين 600-800م3/ثا ليُسَجل رقم 301.40م لمنسوب البحيرة الفرات يوم 19 تموز 2020.

تفاقمت هذه المشكلة اليوم، وباتت تؤثر على حياة السكان في محافظة الرقة بشكل كبير، ما يدعو الاختصاصيين لطلب القيام بإجراءات عاجلة لتدارك الوضع في المحافظة.

«لم تتعامل الإدارة بعين الصواب مع المشكلة القائمة، بل اعتبرتها مؤقتة ولذلك لم تتخذ إجراءات لترشيد استثمار المياه الموجودة في بحيرة الفرات» يقول أحد المهندسين العاملين في سد الفرات والذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إذ أوضح أنّه كان يتوجب على الإدارة ترتيب أولوياتها لاستثمار المنسوب الحالي والوارد المائي القادم من تركيا بشكل علمي بعيد عن التكهنات.

ولم تُصدر الإدارة خلال شهري نيسان وأيار، تاريخ تسجيل أقل منسوب لبحيرة الفرات، أي إجراءات تحد من توليد الكهرباء أو ترشيده، إذ استمرت الإدارة في برنامج توزيع الكهرباء دون أي تقنين، كما بقيت الحصة الكهربائية المقدمة للنظام السوري عن طريق الخط الثالث «خط حماة» ثابتة، وتبلغ 50 ميغاواط ، دون أن تأخذ بالحسبان أنّ موسم الزراعة الصيفي سيبدأ في تموز، مّا يتطلب طاقة كهربائية لمضخات مياه الري، كما شهدت هذه الفترة توقّفَ بعض محطات مياه الشرب بحكم أنها آبار ارتشاحية مقامة على بحيرة الفرات (بحيرة الأسد)، ما يعني تأثّرها بالدرجة الأولى بانخفاض منسوب البحيرة.

لم تدرك الإدارة الذاتية حجم المشكلة الحاصلة حتى تاريخ 24 حزيران، أي بعد مضي شهرين ونصف على بدء تخفيض الوارد. حينها، أصدرت إدارة السدود قراراً يقضي بتقنين استخدام الكهرباء، ما تسبّب بأزمة كبيرة للأهالي وخصوصاً في فصل الصيف الحالي، إذ لا تتجاوز ساعات تشغيل الكهرباء في مدينة الرقة، وتجمعات قرى ومزارع الحمرات، والكرامة، والحوس، وعين عيسى، وحزيمة، الأربع ساعات يومياً. بينما تشهد مدينة الطبقة وريفها واقعاً أفضل، إذ تصل ساعات التشغيل في مدينة الطبقة 18 ساعة، وريفها 12 ساعة.

«لا يوجد خبرات للتعامل في مثل هذه الحالات، كما أنّ سلطة الكوادر (كوادر حزب العمّال) تحدّ من اتخاذ أي قرار، فقد كان يتوجب على الإدارة الذاتية موازنة الوارد المائي القادم من تركيا مع الاستجرار المائي اليومي من البحيرة بما يحقق الحفاظ على منسوب ثابت لمياه البحيرة، ويجنب المنطقة من الدخول بهذا المأزق، إذ يعتبر منسوب 302.65م من المناسيب المقبولة للبحيرة، كما أنه لا ينصح بتخزين المياه عند منسوب أعلى من 303.40م لعدة عوامل فيزيائية إذ يتوجب بقاء هامش مناورة مائية في سد الفرات في حال حدوث موجات مائية جراء العواصف والفيضانات أو في حال زيادة الوارد المائي من تركيا بشكل مفاجئ بمعدل يصل أحياناً 1000م3/ثا، ما يسبب موجات مياه كبيرة».

هذا ما أبلغنا به أحد الفنيين في سد المنصورة، والذي رفض الإفصاح عن اسمه لدواع أمنية، أثناء التواصل معه للوقوف على ما جرى. واستنكر الفنّي أيضاً تأخر الإدارة الذاتية في إصدار بيان يوضح حجم المشكلة للرأي العام، إذ صدر أول بيان رسمي يوم 27 حزيران 2020 أي بعد شهرين من بدء تركيا لخفض الوارد المائي.

يقول أحد وجهاء قرية حويجة حلاوة: «المياه ملوثة، ولا تصلح للشرب، الأطفال مريضون، بتنا نشتري الماء بالصهاريج من أماكن بعيدة وبأسعار باهظة في ظل سوء الوضع المعيشي حالياً». وتتغذى القرية مائياً من محطة مياه طاوي (45 كم شمال غرب الطبقة).

وعند محاولتنا معرفة السبب ذلك، تواصلت الجمهورية مع أحد العاملين في محطة مياه طاوي الذي قال للجمهورية: «خرجت هذه المحطة عن العمل بسبب انخفاض المنسوب إذ تعمل المحطة على منسوب 302م، ما استدعى الإدارة الذاتية لوضع مضخة أفقية خارج البئر الارتشاحي وتضخ على الشبكة العامة كي تشرب القرى، لكن هذه المياه لا تصلح للشرب لأن انخفاض المنسوب يزيد من عكارة المياه بحكم أن سحب الماء يأتي من عمق أكبر، مع العلم أن محطة مياه طاوي تروي قرابة 8 ألاف نسمة من أهالي ناحية الجرنية موزعين على عشرين قرية».

ويؤثر انخفاض المنسوب على ضغط المياه إذ يعاني أهالي البيوت الطابقية من عدم وصول المياه وحاجتهم للمحركات لاستجرارها، بالأخص في مدينة الرقة.

الواقع الزراعي أيضاً كان له نصيب كبير مما حدث ويحدث، فمن المعلوم أن الوقت الحالي هو موسم الزراعة الصيفية، والذي يعد الموسم الرئيسي لزراعة القطن، إذ يُزرَعُ ما يقارب 40% من مساحة الأراضي المروية ببذار القطن، أما ما تبقى من الأراضي فيزرع بالمحاصيل التكثيفية (الذرة - الجبس – الخضروات الصيفية). وبسبب انخفاض الوارد المائي من تركيا، وما تبعه من نقص في المياه الذي تحوّل لاحقاً لنقص في الكهرباء بسبب الاستجرار غير المدروس من قبل الإدارة الذاتية، فإنّ العديد من الأراضي الزراعية لم تحصل على مياه كافية لمحصول القطن والذي يحتاج لـ 8 مراحل ري -أو «ريّات» كما يسمى محلياً- أخرها منتصف شهر أيلول.

قلّة مياه الري سببت حالة من الغضب الشعبي، تلاها تحركات عديدة للقيام بوقفات احتجاجية في عدّة مناطق في ريف الرقة، أهمها كان في بلدة حزيمة مطلع شهر تموز الجاري، ما دفع لجان الزراعة في مجلس الرقة المدني لإصدار تعميم  بتاريخ السادس من تموز الحالي تدعو فيه المزارعين لتجنب زراعة محاصيل مثل الذرة الصفراء بحكم أنها تتطلب كميات كبيرة من المياه. ووقوفاً على هذا القرار تواصلت الجمهورية مع أحد المزارعين في الريف الغربي للرقة الذي قال «من غير المنطقي أن تصدر لجان الزراعة هذا التعميم قبل البدء بزراعة الذرة بأسبوع». يعمُدُ المزارعون لري الأراضي (تسمى محلية بعملية الطربيس) تجهيزاً لموسم الذرة بعد حصاد موسم القمح خلال الأسبوع الأول من حزيران، وتبدأ زراعته من الأسبوع الأخير لحزيران حتى نهاية الأسبوع الأول من تموز، وبالمقارنة مع تاريخ إصدار التعميم نجد الأخير قد صدر بعد انتهاء الفترة الأنسب لزراعة الذرة الصفراء ، كما أن شراء البذور والأسمدة الخاصة بالذرة من قبل المزارعين الراغبين بزراعتها يجعل هذا القرار يحمل خسارة إضافية لهم. كما أنّ العديد من المزارعين اعتبروا هذا التعميم بمثابة إفلات من المسؤولية تجاه ما سيلحق بالأراضي الزراعية، والتي تقدر ب 180 ألف هكتار، ضمن مناطق سيطرة قسد، تُروَى من مياه نهر الفرات بعدّة طرق مثل؛ المشاريع المستصلحة، ومصارف، ومشاريع خاصة من سرير النهر أو بحيرة الفرات.

تتحمل الحكومة التركية المسؤولية كاملة عن عدم إرسال وارد مائي كافي من نهر الفرات لسوريا، ما يؤدي اليوم إلى أوضاع كارثية في المحافظات التي تعتمد على مياه الفرات، وسيكون للضرر الذي سيلحق بالقطاع الزراعي تأثير كبير على حياة السكان في المنطقة.

في المقابل، لم تكن الإدارة الذاتية على قدر كافي من المسؤولية في التعامل مع هكذا أزمات ربما ستتكرر لاحقاً. وتبين من خلال المعلومات التي حصلنا عليها أنّه كان من الممكن تقليل تأثير هذه الكارثة بإجراءات ترشيدية علمية غير مكلفة مالياً، تستند إلى موازنة الوارد مع المستهلك وجعل الأولوية لمياه الشرب والزراعة والمشافي والأفران، مع تطبيق تقنين على الكهرباء المنزلية ما يجعل تأثير هذا الحدث أقلَّ وقعاً، خصوصاً في هذا الوقت من العام.