شهادات وفاة لمئات المعتقلين: نظام المذبحة المستمرة

 

لم تكن استعادة صور المعتقلين في سجون النظام خلال الفترة الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من حملة منسقة، بل كانت نعياً لمعتقلين جرى إعلام عائلاتهم خلال الفترة الأخيرة، وبوتيرة أسرع من المعتاد، بوفاتهم في المعتقلات.

يقدّم الملف، الذي تحيط به أسئلة عديدة لا جواب لها حتى اللحظة، أنماطاً معينة من سلوك النظام، جرى تقصيها عبر الربط بين الشهادات والإفادات التي نشرها ذوو الشهداء، وقد أخذ هذا الملف يتضخّم مثل كرة الثلج المتدحرجة خلال الأشهر الماضية، مع تزايد وتسارع وتيرة الإعلان عن استلام عائلات معتقلين شهادات تفيد بوفاة أبنائهم من جهات بعينها، كانت في الغالب مشفى تشرين العسكري أو دوائر النفوس. وبعد أن وصل العدد إلى المئات، بات من الممكن تحليل هذه البيانات المستخلصة من الشهادات المنشورة.

عبد الرحمن دبّاس، من مركز توثيق الانتهاكات، وهو أخٌ للمعتقل إسلام دبّاس، أعلن عبر صفحته على فيسبوك أول أمس استلام عائلته تقريراً من دائرة النفوس يفيد باستشهاد أخيه في المعتقل، وقد صرّحَ للجمهورية: «خلال محاولة أحد أفراد عائلتنا الحصول على وثائق رسمية لنا من النفوس، جرى إعلامه بوفاة أخي إسلام دبّاس، المعتقل في سجن صيدنايا، وبأن واقعة الوفاة كانت بتاريخ الثلاثاء 15 كانون الثاني 2013. ويتوافق هذا التاريخ مع ما هو مذكور في تقرير منظمة العفو الدولية عن سجن صيدنايا، من أن الإعدامات في السجن تجري مساء يوم الإثنين أو صباح الثلاثاء». يتابع عبد الرحمن حديثه: «منذ عامين كان قد وصلني خبرٌ من أحد المعتقلين مع أخي يقول إن إسلام اقتيد خارج الزنزانة في موعد إخراج السجناء الذين سيُعدمون، وفي التاريخ الموجود على وثيقة النفوس ذاته، لكن في ذلك الوقت لم يكن هناك دليل آخر يثبت لنا مصير إسلام».

في حالات أخرى جرى إخطار الأهل، عن طريق مختار الحي، بضرورة مراجعة دائرة النفوس وتسجيل وفاة المعتقل؛ أو جرى التواصل مع ذوي المعتقل من قِبل مشفى تشرين العسكري، أو الشرطة العسكرية في القابون، فيما كانت التقارير التي تعلن حدوث الوفاة تعزوها إلى سببين رئيسيين: سكتة قلبية أو قصور كلوي حاد.

لا تصاحبُ شهادةَ الوفاة أيّ أدلّة أخرى، فأهالي المعتقلين لم يستلموا رُفاة أبنائهم، ليبقى هؤلاء المعتقلون/الشهداء «مختفين قسراً» لدى النظام وأجهزته الأمنية وميليشياته وفقاً لنصوص القانون الدولي. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة التقارير عن استشهاد المعتقلين، لا يجد الأهالي دليلاً سوى شهادة الوفاة التي تقدمها تلك المؤسسات التابعة للنظام.

دياب سرية، من رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، قال للجمهورية: «لم تكن الشهادات التي ظهرت خلال الأشهر الماضية هي الأولى من نوعها عن تسليم النظام لمتعلقات شخصية أو مجرد شهادة وفاة لذوي معتقل، إلا أننا رصدنا تصاعد وتيرة إصدار شهادات وفاة للمعتقلين بشكل كبير منذ شهر شباط الماضي»، ويتابع دياب سرية حديثه حول أنماط هذه الحالات: «تنحدر الغالبية العظمى من المعتقلين الذين تم تسليم شهادات وفاتهم من مناطق ثائرة استطاع النظام السيطرة عليها خلال العامين الماضيين، كما أن عدداً كبيراً منهم كانوا محتجزين في سجن صيدنايا. وقد رصدنا حتى اللحظة أكثر من 400 حالة منذ شباط الماضي، كما وثّقنا في الرابطة 17 حالة توثيقاً كاملاً». وكانت عدة منظمات حقوقية محلية ودولية قد أصدرت تقارير عن سجن صيدنايا، أبرزها تقرير منظمة العفو الدولية بعنوان المسلخ البشري، والذي أظهر معلومات عن آليات التعذيب والإعدام الممنهج في واحد من أسوأ السجون في التاريخ الحديث.

ليس ثمة معلومات دقيقة عن الأعداد والتوزع الجغرافي لمن تم تسليم ذويهم شهادات بوفاتهم مؤخراً، ذلك بسبب القبضة الأمنية والخوف وعدم وجود جهات مستقلة في مناطق سيطرة النظام يمكنها إجراء أعمال توثيق دقيقة من أي نوع، لكن المناطق التي تواترت منها هذه الأخبار مؤخراً أكثر من غيرها هي ريف دمشق وحماة وريفها والحسكة. ويُرجِّحُ دياب سرية أن هذا الإجراء يأتي في سياق نية النظام إنهاء ملف المعتقلين في المناطق التي يسيطر عليها، في سبيل قطع الطريق على فتحه خلال أي مفاوضات سياسية.

يعمل نظام الأسد على إغلاق ملف المعتقلين بطريقة لا تقل وحشية عن الاعتقال والتعذيب نفسهما، فغياب أي دليل مادي على الموت يُبقي مصير المختفين قسرياً في سجون النظام في منطقة رمادية، وحين تغيب إمكانية الحصول على أدلة مادية مؤكدة، كاستلام الجثمان، أو معرفة مكان الدفن على الأقل، يكون الحصول على تقارير الوفاة هذه استمراراً للحدث بالنسبة للأهالي، لا عتبةً يجري الركون بعدها لمصير شهدائهم بما يساعدهم على عيش حالة الحِداد الضرورية لاستمرار الحياة. ويؤكد دياب سرية في حديثه للجمهورية أنه «حصل خلال السنوات الماضية أن ثبت وجود معتقل على قيد الحياة، بعد أن كانت عائلته قد تسلّمت شهادةً بوفاته من النظام». وعدا ذلك، تنشط حول هذا الموضوع شبكة كثيفة من الإتجار بمشاعر ولوعة الناس، قوامها ضباط مخابرات وسماسرة يعملون لصالحهم، تبتزّ الأهالي مقابل وعود بمعرفة مصير أبنائهم أو استلام أدلة ملموسة عن مصيرهم، شبكةٌ لا بدّ أن أرباحها قد تضاعفت في الأشهر الأخيرة.

طوال السنوات الماضية، لم تتوقف الأخبار المتتابعة عن وفاة سوريين في سجون النظام ومعتقلاته، وإذا كانت وتيرة الإبلاغ الرسمي على وقائع الوفاة قد تصاعدت، فإن ورود الأخبار غير الرسمية عن استشهاد آخرين متواصلٌ أيضاً، سواء عبر شبكات السماسرة إياها، أو عبر العلاقات الشخصية لذوي المعتقلين، أو عبر أنباء ينقلها ناجون من معتقلات الموت الرهيبة، وفي سائر الأحوال، يبقى الجرح اليومي مفتوحاً في غياب الجثامين وأي أدلة مادية أخرى، وفي غياب أي خطوات جدية لمحاسبة آلة القتل الأسدية أو تفكيكها على الأقل، ذلك لأن هذه الآلة الجهنمية لا تزال محروسة بالقانون الدولي، الذي تسمح آلياته باستمرار المذبحة، وتسمح بتجاهل جميع الدعوات للتحقيق والمحاسبة، رغم أن الملفات والقرائن والأدلة كافية لسوق قيادة النظام كلها إلى المحاكم الدولية.