صراع السوريين مع برد البلاد المُحترقة

 

يمرّ هذا الشتاء البارد قاسياً على السوريين في البلد، لا تسعفهم إمكانياتهم المالية المحدودة على التعامل معه كما ينبغي، وذلك في ظلّ ارتفاع أسعار المحروقات وقلة توافرها. وما يزيد من تفاقم المشكلة أنّ المنازل في سوريا غير معزولةٍ في معظمها، في حين يقطن عشرات آلاف النازحين في مخيماتٍ لا يعزلهم فيها عن العراء سوى قماش خيامهم. ونتيجة ذلك يُضطرّ الناس إلى ابتكار حلولٍ لتأمين الدفء لهم ولأسرهم، ولو كان ذلك باستخدام وسائل تنعكس بشكلٍ خطير على صحتهم.

الخيارات المتعددة والخطيرة

في الشمال السوري، حيث تسيطر فصائل من المعارضة السورية، يوجد عددٌ من الوسائل التي يستخدمها القاطنون في هذه المناطق للتخفيف من برد الشتاء، لا سيما في تلك الأيام التي شهدت منخفضاً جوياً قاسياً منذ منتصف شهر كانون الثاني (يناير). وتعود طبيعة اختيار وسيلة التدفئة بشكلٍ رئيسي إلى مدى قدرة العائلة المالية وتوافر وسيلة التدفئة، ومن المؤكّد أن عدداً من وسائل التدفئة التي سنتحدّث عنها في هذا التقرير ليست وسائل تدفئة في الحالة الطبيعية، ولكنّها أقصى ما قد يجده سوريون كثيرون في ظلّ أوضاعهم المأساوية.

النوع الأول هو التدفئة النظامية المعتمدة على مادة المازوت، الذي يوجد منه في الوقت الراهن ثلاثة أصناف؛ الأول هو القادم من تركيا، ويُباع بالأسعار التركية، ولا يُباع سوى في بعض مناطق الشمال التي تخضع لسيطرة فصائل المعارضة التابعة لتركيا وعن طريق محطات الوقود التركية (إعزاز وجرابلس والراعي)، والثاني أوكراني المصدر تستورده شركة وتد التابعة لحكومة الإنقاذ عن طريق تركيا، أما الثالث، وهو الأقل جودةً، فيأتي من العراق، ولا يصلح إلّا للتدفئة نتيجة رداءته.

بالنسبة لأسعار المازوت، فهي تختلف بحسب الجودة والمصدر، إذ يتراوح سعر المازوت التركي بين 600 و650 ليرة سورية مقابل الليتر الواحد وفقاً لأسعار صرف الليرة التركية، بينما يُباع برميل المازوت العراقي بسعر 153 ألف ليرة سورية (765 ليرة سورية لليتر الواحد)، بحسب جودته ونظافته. أما المازوت الأوكراني (يُعرّف على أنه نخب أول)، والذي يُباع عن طريق شركة وتد، فيبلغ سعر البرميل الواحد منه حالياً 163 ألف ليرة سورية (815 ليرة سورية مقابل الليتر بحسب آخر نشرة سعرية). وهنالك دفعات من المازوت العراقي بيعت بمبالغ تتراوح بين 80 و100 ألف ليرة سورية للبرميل الواحد بسبب رداءتها، وهذا النوع غير متوافر منذ بضعة أيام.

ونتيجة هذه الأسعار المرتفعة للمازوت مقارنةً بمستوى الدخول، فإنّ المستخدمين للمازوت هم فئةٌ قليلةٌ جداً من سكان الشمال السوري، ومعظم الحالات التي يُستخدم فيها المازوت للتدفئة تقتصر على الكميات القليلة التي توزّع على الأهالي والنازحين عبر الحملات الخيرية التي تقوم بها منظمات محلية ودولية.

أما الوسيلة الثانية للتدفئة فهي الحطب، وفي حين يكثر استعماله في أرياف إدلب وعفرين، فإنه يكاد يكون غير مستخدمٍ في ريف حلب الشمالي، لكون هذه المناطق غير حراجية. ويختلف سعر الطن الواحد من الحطب بحسب نوع الشجر الذي حُطِّبَ منه. وبلغت الأسعار خلال فصل الصيف الماضي بين 80 و100 ألف ليرة سوريا مقابل الطن، أما خلال فصل الشتاء فقد ارتفع سعر الطن الواحد، رغم أنه رطب وسيء الاشتعال، ليتراوح حالياً بين 120 و150 ألف ليرة سورية. أما طن الحطب اليابس، فيبلغ سعره حالياً بين 175 و190 ألف ليرة في حال توافره.

غير أنّ الاعتماد على الحطب في التدفئة كان له بالغ الضرر على الثروة الحراجية في سوريا، ويعتبر سبباً رئيسياً في تراجع نسبة المساحات الخضراء في البلاد إلى حدودٍ مروّعة، وصلت إلى 30% مما كان عليه الحال في العام 2011، في حين أنّ كثيراً من الأحراش الموجودة في الشمال السوري أُبيدت بشكلٍ كامل، وغدت عبارة عن أراضٍ جرداء. وتقول التقديرات إن 19 مليون شجرة قد حُطّبت في الشمال السوري خلال أعوام الثورة، ويُشار بإصبع الاتهام إلى فصائل من المعارضة السورية على أنها متورطة في عمليات التحطيب، أو أنها سهّلت ذلك لقاء نسب مالية معينة.

5320-web-4.jpg

تراجع الغطاء الحراجي في أحد المناطق المطلة على طريق حلب اللاذقية في ريف إدلب

الوسيلة الثالثة للتدفئة في الشمال هي مادة البيرين، المصنوعة محلياً من مخلفات الزيتون، وبالرغم من أنّ البيرين يتميز بأنّه جيد الاحتراق ويبقى مشتعلاً لفترة طويلة، إلا أنّه ذو رائحة سيئة، وله أضرار كبيرة على الصحة بسبب الزيوت المنبعثة أثناء عملية الاحتراق. يضاف إلى ذلك خطورته الناتجة عن احتراقه الشديد وعدم وجود مدافئ مخصصة له. وبلغ سعر الطن الواحد من البيرين في بداية فصل الشتاء بين 75 و80 ألف ليرة سورية، أما الآن فيتراوح سعره بين 120 و125 ألف ليرة. ويستخدم البيرين بكثرة في عددٍ من مدن الشمال بسبب انخفاض سعره، وذلك على الرغم من عدم تفضيل الناس له نتيجة الخصائص السيئة التي ذكرناها آنفاً.

وسيلة التدفئة الرابعة في الشمال هي قشور الفستق الحلبي، التي تعتبر وسيلة جيدة للتدفئة بسبب جودة اشتعالها، غير أنها مستخدمة على نطاقٍ ضيق، بسبب الحاجة في استخدامها إلى مدافئ خاصة يبلغ سعرُ الواحدة منها 100 دولار، وكذلك لكون معظم قشّارات الفستق متوقفةً عن العمل حالياً؛ بسبب تركّزها بشكلٍ أساسي في ريف حماة الشمالي الذي سيطرت عليه قوات النظام العام الماضي. ونتيجة قلة قشور الفستق الحلبي، فإنها لا تباع بالأطنان، ويبلغ سعر الكيلو الواحد منها 190 ليرة سورية.

أما وسيلة التدفئة الخامسة فهي البالة، التي تكون عبارة عن ملابس وأحذية مستعملة. وتنقسم هذه البالة المخصصة للتدفئة إلى نوعٍ أول وثانٍ وثالث، وذلك حسب محتوياتها. ومن المفترض أنها لا تستخدم لوحدها، بل أن تكون رديفةً للحطب أو الفحم أو المازوت بهدف خفض الكُلفة. وتعتبر بالة الأحذية رغم كلّ مخاطرها هي النوع الأول، وذلك بسبب سرعة اشتعالها، أما النوع الثاني فهو بالة الألبسة الداخلية، والنوع الثالث هو الألبسة القطنية والصوفية. ويمكن شراء البالة بالجملة أو المفرق، وكذلك مخلوطة أو مفروزة.

ويتراوح سعر نصف طن من البالة غير المفروزة بين 26 و35 ألف ليرة، بينما يبلغ سعر نصف الطن من بالة الأحذية المفروزة 70 ألف ليرةٍ سورية، أما سعر الكيلو الواحد بالمُفرق فيتراوح بين 80 و100 ليرة سورية.

الوسيلة الخامسة المُستخدمة في الشمال السوري هي الفحم الحجري، وهو يأتي من تركيا، ويتراوح سعر الكيس الواحد منه (25 كيلوغرام) بين 2500 و3000 ليرة سورية. وهو يحتاج إلى مدافئ مخصصة له، غير أنّ الناس يُجرون بعض التعديلات على مدافئهم القديمة لتصبح صالحة لتشغيله، وإنْ كان بكفاءة أقل. وتبلغ كلفة تعديل أي مدفأة مبلغاً يتراوح بين 10 و15 ألف ليرة. أما النوع الأخير من وسائل التدفئة، فهو ما يشبه الفحم الحجري، وهو مُصنّع في الداخل السوري، ويعتبر أسوأ الأنواع المُستخدمة للتدفئة، ويتسبب بأمراض خطيرة، كما أنّه يحوّل المدفأة إلى كتلة حديدية ملتهبة.

مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا

يعتبر الوضع في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في ما يتعلق بتأمين المحروقات أفضل مما هو عليه الحال في المناطق السورية الأخرى، إذ تجري تعبئة 400 ليتر من المازوت لكلّ أسرة على دفعتين خلال الشتاء، ولكنّ عدداً من أفراد الأُسر الذين تواصلت الجمهورية معهم أكّدوا أنهم جميعاً استفادوا من المازوت الذي تبيعه لهم الإدارة الذاتية بسعرٍ مدعوم لمرةٍ واحدةٍ فقط، بواقع 200 ليتر.

وتقوم الإدارة الذاتية ببيع المازوت عبر الكومينات، التي هي وحدات إدارية صغرى تابعة لها في القرى والأحياء، وذلك بسعر 18 ألف ليرة سوريّة للبرميل (90 ليرة مقابل الليتر)، في حين يبلغ سعر ليتر المازوت في الأسواق خلال الفترة الحالية 200 ليرة، وذلك بعد أن ارتفع سعره خلال الفترة الأخيرة الماضية، لا سيما بعد موجة البرد الأخيرة، بينما كان سعره في الفترات السابقة يتراوح بين 125 و150 ليرة بحسب نظافته.

ويُسمّى المازوت الذي يباع في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «مازوت أبوچي»، وفي بعض الأحيان يكون لونه قريباً من الأسود، وقد اشترى بعض الأهالي مضطرين دفعات من المازوت الأسود من بعض الكومينات رغم رداءته ورائحته السيئة، ولكن قسماً آخراً من الناس حصلوا على مازوت أفضل جودةً، والأمر هنا يتعلق بالحظ والدفعة التي يتم ضخّها في الأسواق.

وليس بمقدور جميع الناس شراء المازوت من الأسواق بعد نفاد مخصصاتهم، ولذا يتم الاعتماد أيضاً على التدفئة الكهربائية، إذ تتوافر الكهرباء لساعاتٍ محدودة خلال اليوم. ويقول الأهالي الذين تواصلنا معهم في الحسكة إنّ بعض الأسر تضع مناقل فحم في غرفها للتدفئة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قسماً من الناس يعتمدون على الغاز في التدفئة، كونه متوفرٌ بكثرة في الفترة الراهنة في هذه المناطق، وتباع جرة الغاز بمبلغ 2600 ليرة سورية عن طريق الكومين من خلال التسجيل بموجب دفاتر العائلة، كما أنّ الكومينات لا تمتنع عن بيع الغاز للعوائل متى أرادت ذلك بسبب الوفرة في هذه المادة.

مناطق سيطرة النظام

في مدينة حلب، وزّعت حكومة النظام بموجب البطاقة الذكية 100 ليتر من المازوت على كلّ أسرة بسعرٍ مدعوم في بداية فصل الشتاء، على أن توزّع 100 ليترٍ أخرى مرةً ثانية خلال الفصل، ولكن حتى الآن لم تُوزّع الدفعة الثانية، بحسب ما قاله الأهالي الذين تحدثنا إليهم. وأضاف بعض الأهالي أنّهم لن يستلموا الدفعة الثانية قبل فصل الصيف القادم. وقد حددت شركة محروقات التابعة لوزارة النفط سعر ليتر المازوت بموجب البطاقة الذكية بـ183 ليرة سورية.

أما في دمشق، فكان من المفترض أن تكون حصة الأهالي بموجب البطاقة الذكية 400 ليتر بموجب دفتر العائلة الواحد، غير أنّ الأهالي لم يستلموا سوى الدفعة الأولى، وهي عبارة عن 200 ليتر. في حين كانت مخصصات الأسرة الواحدة في ريف دمشق 200 ليتر توزّع على دفعتين، ولم يستلم الأهالي سوى الدفعة الأولى وقدرها 100 ليتر، ولا يعتقد من تحدّثنا إليهم في دمشق وريفها أنهم سيحصلون على الدفعة الثانية قبل فصل الصيف، وذلك في حال حصلوا عليها.

وقد كان الناس في مناطق سيطرة النظام يعوّلون على استخدام جزءٍ من الغاز المنزلي في التدفئة، والذي كان من المفترض أن يحصلوا على جرة واحدة منه كلّ 22 يوماً بموجب البطاقة الذكية، غير أنّ هذه المدة ليست موجودةً سوى على الورق، فعلى أرض الواقع تحتاج كل أسرة بين 3 و4 أشهر حتى تحصل على جرة غاز واحدة بالسعر المدعوم في كلّ مرة.

وقد سجلت أسواق دمشق وريفها عدم توافر الحطب حالياً، وذلك لأنّ الكميات التي كانت تباع في أسواق العاصمة كانت تأتي من تحطيب اللجان الشعبية والشبيحة لأشجار الغوطة، ويبدو أنّ ما حال دون ذلك الآن هو عودة قسمٍ من سكان هذه المناطق إليها، فضلاً عن بعض الإجراءات المُتشددة من قبل النظام على عمليات التحطيب. وفي حين تعاني مناطق سيطرة النظام من انعدام وجود بعض وسائل التدفئة الموجودة في مناطق سيطرة المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية، فإنّ بعض الأهالي يعتمدون على مُخلّفات معامل الألبسة في التدفئة.

وقد أجبرت موجات البرد الشديد في مطلع شهر شباط (فبراير) مدارس دمشق على تعليق الدوام لمدة أسبوع بسبب عدم توافر المحروقات في المدارس، بينما يقول الأهالي الذين تحدثت إليهم الجمهورية إنهم يمتنعون عن إرسال أولادهم إلى المدارس في الأيام شديدة البرد، لأنهم يعلمون جيداً أن قاعات المدارس أشبه ببراداتٍ كبيرة.

لا تقتصر المواد التي يستخدمها السوريون اليوم في التدفئة على ما سبق، فهنالك أيضاً البلاستيك والنايلون والورق وكل ما يصادف الناس في طريقهم. ولا يهمّ السوريين اليوم ماذا يحرقون في مواقدهم ومدى خطورته على صحتهم وصحة صغارهم، إنما الأهم هو الشعور بالدفء ولو لأوقاتٍ قصيرة، في بلادهم الباردة رغم أنّ كلّ ما فيها يحترق. ويبقى أن نذكر أنّ شرائح كبيرة من السوريين اليوم لا يستخدمون أيّ وسيلةٍ للتدفئة مما ذكرناه، وأقصى ما يتوفّر لهم هو بعض الثياب السميكة واللحافات والبطانيات.