صراع بلاغة أم صراع هوية؟

 

استَعَرَ جدل في شهر آذار (مارس) 2021 إثر فوز الكاتبة التونسية فاتن الفازع بجائزة تقديرية على رواية لها هي شَرْع الحب مكتوبة بالدارجة التونسية، وقد ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي باحتجاجات أكاديميين وغيرهم يطعن أكثرهم في أهلية الكاتبة للجائزة، لا سيما استعمالها البحت للدارجة. وبغض النظر عن تقييم نص الكتابة من جهة مدى استجابته لإنشائية الرواية، فإن الجدل حوله أحيا معركة قديمة في الأدب العربي الحديث خاضها أدباء ونقاد كبار، مشرقاً ومغرباً، وهي معركة اللغة، أو كما يسميها يوسف الخال «جدار اللغة».1

أشهر معارك الأدب العربي حول العامية

لئن كان مارون النقاش أول من أثار استخدام العامية في الأدب العربي الحديث، بترجمته مسرحية البخيل لموليير سنة 1847، حيث تكلمت بعض الشخصيات بالدارجة،2 فإن بواكير المعركة  كانت مع بداية القرن العشرين، ففي 1912 رد الكاتب المسرحي يعقوب صنوع على محرر صحيفة مستقبل مصر (L’avenire d’Egitto)، الذي هاجمه أكثر من مرة ورماه بالابتذال لاستعماله العامية، وكان الرد ساخراً على لسان إحدى شخصيات مسرحيته الأخيرة موليير مصر وما يقاسيه.3 وفي مقدمة مجموعته إحسان هانم عام 1922، رفض الأديب عيسى عبيد نزوع القاص المصري محمد تيمور - وهو أخو محمود تيمور - إلى استعمال الدارجة في قصصه، وأكد رفضه لهذه «الفكرة المتطرفة الخطرة».4 

لكن المعركة لم تأخذ اتجاهاً حاداً في المشرق إلا على أعمدة مجلة شعر منذ تأسيسها سنة 1957 على يد يوسف الخال، وكان من أعضاء أسرتها أدونيس وأُنسي الحاج وسعيد عقل. ومنذ أن نشرت المجلة أشعاراً بالدارجة اللبنانية لبدوي الجبل وميشال طراد، بل حتى نصوصاً نقدية كمقالة الخال حول مجموعة طراد الشعرية، بدأت الهجومات على المجلة تتالى، كهجوم نازك الملائكة التي قاطعت المجلة بعد عامين من صدورها لأن «هدفها الرسمي أن تهدم قواعد اللغة العربية»،5، وكان خروج أدونيس كذلك من المجلة احتجاجاً على استعمال الدارجة إيذانا بتوقفها الأول عام 1964، إذ اعتبر أن «الكتابة بالدارجة إحدى علامات ذلك الانهيار»، وبذلك أعلن الخال «اصطدام الحركة بجدار اللغة، فإما أن تخترقه أو تقع صريعة أمامه».6

وفي العام نفسه، ثارت معركة داخل المجلس الأعلى للفنون والآداب بمصر حول إجازة طباعة ونشر ديوان أحمد فؤاد نجم صور من الحياة والسجن بالمحكية المصرية، وكان المتشدد في الرفض عباس محمود العقاد، في حين دافع بيرم التونسي وآخرون عنه، ونُشِر الديوان في النهاية.

أما مغرباً، فلعل أولى المعارك كانت مع البشير خريف، رائد الرواية التونسية الذي انتصر للعامية في تجربته القصصية منذ أقصوصته الأولى «ليلة الوطية» عام 1937، التي قاطعته بسببها مختلف دور النشر على مدى عشرين سنة كاملة: «يقلك كيفاش تستعمل العامية، هذايا شيء موش باهي (ليس جيداً)».7 ثم عرض بعد تلك السنوات روايته الأولى حبك درباني على أسرة مجلة الفكر التي كان يديرها محمد مزالي: «وما إن قرأ الجمل الأولى وضمنها حوارا بالعامية التونسية حتى استوقفه المنجي الشملي وعاب عليه ذلك، كأنه نسب إليه العجز عن التعبير بالفصحى».8 وتوقع مزالي، الذي انتصر لنشر الرواية على أعمدة المجلة، ما قد يبعثه «حوارها العامي من قلق وضيق». أما المنصف الشنوفي - رغم تخرجه من كلية الآداب الفرنسية - فهاجم البشير خريف بعنف، وعدّه واحداً من «شرذمة متطفلين على الأدب، والأدب منهم براء، سمحوا لأنفسهم - ولم نسمح لهم - بالتعبير بلغة سوقية ضعيفة لا شرقية ولا غربية، سموها ’العربية المهذبة‘ وحشَوها - خصوصاً عند حوار أشخاص رواياتهم وأقاصيصهم - بعامية تونسية مبتذلة».9

بضعة سنوات بعدها، تحديدا عام 1968 مع نشوء حركة الطليعة الأدبية في تونس، الحركة التي أرادت تحرير الأدب من جميع المقدسات التي كان يفرضها عمود الشعر أو إنشائية القصة، ستندلع أشرس المعارك في تونس حول استعمال الدارجة، إذ ثارت ثائرة المحافظين وحتى بعض منتسبي الحركة على تحرير اللغة بالعامية، ومن الكتابات نذكر «قطوس باردو» لسمير العيادي، و«ذبانة في دبوزة» و«اللحمة الحية» لصالح القرمادي. وقد وصف الهمامي أحد رواد الحركة الهجوم عليهم بـ«القيامة في وجه النص الطليعي حول ما اعتُبِر مساً بـ«المقدسات والمقومات» وعاب عليهم «ما اعتُبر اعتداءً على حرمة الكلمة»،10 ومن هؤلاء المعارضين أبو زيان السعدي، والمنصف الوهايبي.

وقد احتج كلا الفريقين بحجج، نستعرض أهمها.

حجج الرافضين للدارجة

يمكن إرجاع الاعتراض إلى سببين أساسيين: الأول داخلي، متعلق بالطاقة التعبيرية للفصحى والدارجة، والثاني خارجي، متعلق بقضية الهوية والإقليمية. أما الأول فإن مقالة عباس محمود العقاد «الفصيحة والعامية» تُجليه بوضوح، إذ يبدأ بتصنيف الدارجة أولاً على أنها «لغة العامة والجهلاء». وهو تصنيف قديم قائم على التفريق بين لغة الخاصة ولغة السُوقة و«الطغام». صفة الفصحى «النظام والقواعد» أما صفة الدارجة فـ«الفوضى والاختلاط»،11 ومن هنا نفذ المعارضون إلى القول بأن استعمال الدارجة هو علامة قصور، باعتبار أن تملّك الفصحى شرط «لاعتبار الأديب أديباً،12 فالحُكْم هنا أن الفصيحة أقدر على أداء المعاني والمقاصد من الدارجة، ولأنها لغة القواعد بامتياز فإنها ليست في اقتدار كل كاتب، ومن هنا أيضاً صُنِّفت الأشعار التي كتبت بالدارجة «أزجالاً». وهو تصنيف لا يخلو من التنقص.

أما السبب الثاني فمتعلق بقضية الهوية، إذ اعتبر المعارضون أن الكتابة بالدارجة دعوة تفرقة بين الشعوب العربية، لأن الفصحى هي عامل وحدة بينها جميعاً، لذا لن تؤدي الكتابة بها إلى «انقطاع عن المنابع الكبرى للحضارة العربية الإسلامية فحسب، وإنما إلى كسر لُحمة الصلة التي تشدّ أدبنا التونسي إلى باقي الآداب العربية الحديثة».13 وهذه يفسّره العقاد بصعوبة فهم اللهجات العامية حتى داخل الدولة الواحدة: «أما سهولة الفهم فحسبك منها أن عامية القاهرة قلّما تُفهم على جليّتها في بعض قرى الصعيد، وأن عامية مصر لا تُفهم في تونس والعراق أو في اليمن وفلسطين».14 ومن أنصار هذا الرأي نجيب محفوظ، الذي نشر سنة 1956 مقالاً بمجلة صباح الخير اعتبر فيه أن «اللغة العامية انحصار وتضييق وانطواء على الذات لا يناسب العصر الحديث الذي ينزع للتوسع والتكتل والانتشار الإنساني».15 وقد غذى ظرفان خارجيان هذا الترابط بين الفصحى والهوية في الأدب العربي الحديث، وهما فترة الاستعمار وفترة المد القومي العروبي. أما فترة الاستعمار - كما في تونس تحت الاحتلال الفرنسي - فكان المطلوب من كل أديب فيها «أن يحلق في سماء اللغة الفصحى، شعراً أو نثراً، على غرار محمود المسعدي»،16وهذا لاعتقاد مفاده أن الاستعمار توجه إلى القضاء على الفصحى لتمزيق شمل العرب، وأن تشجيع اللهجات المحلية الدارجة ما هو إلا تشجيع للحركات الانفصالية التي تقوّض الوحدة. أما المد العروبي الذي قاده جمال عبد الناصر فساهم هو الآخر في تقوية الصلة بين الفصحى والهوية مع الحمية الدينية، باعتبار أن جناحَي الأمة في الفكر الناصري هما «العروبة والإسلام».

حجج المدافعين عن العامية

أمام هذه الأسماء الكبيرة من النقاد والأدباء الذين رفضوا العامية، تنبري في المقابل أسماء أخرى لا تقل عنهم أهلية واعتباراً في الأدب، مثل توفيق بكار، والأب جون فونتان، وبيرم التونسي، والبشير خريف، ومحمود تيمور، وغيرهم. والمدخل في الدفاع عن الدارجة تمثّل في إعادة توصيف ازدواجية اللغة، إذ ذهب كثيرون منهم إلى أن الصراع بين الفصحى والعامية هو في خلفيته صراع بين المركز والهامش، وأن العامية قُمِعَتْ منذ صدر الإسلام، وعاشت كتابات أصحابها «في الظل، في الهامش، بعيداً عن المركز، عن القصور ودوائر السلطة»،17 واعتبر خريف أن هذه «الأرستقراطية داء أصاب غيرنا من الأمم، [وهو] يدل على فقر ذهني».18  ولعل من الأدلة على النظرة «الطبقية» للعامية ما فعله فرح أنطون عام 1913 في مسرحيته مصر القديمة ومصر الجديدة، إذ استعمل لغاتٍ ثلاثاً: الفصحى للخاصة والعامة للعامة والوسطى للطبقة المتوسطة.

وقد تركز الدفاع عن الدارجة في حجتين اثنتين كما في الفصحى، الأولى متعلقة بالهوية المحلية، والثانية متعلقة بالطاقة التعبيرية للعامية.  وتنهض الأولى على فكرة «وحدة التفكير والتعبير». واعتبار أن العامية هي لغة واقعنا، هي اللغة التي نفكر ونشعر ونتخيل ونعبر بها، أما الفصحى فلغة كتب ومعاجم، وهي لسان حال العرب الأولين وقد ذهبت معهم، «وكثيرون منا، حتى من المثقفين أحياناً، لا يُجيدونها»،19 فالأديب يعيش واقعه بالدارجة، فإذا دخل إلى الفصحى كأنه انسلخ عن واقعه إلى واقع له لغة أجنبية عنه. حتى إن البشير خريف يصف الكتابة بالفصحى «خيانة» و«هروباً»20 وتصويراً زائفاً للواقع. وهي بذلك تمثل «لغة قناع حاجب، تومئ ولا تُفصح عندما تعالج قضايا محلية».21وتحت قناع «المشترك الهووي المقدس» ينقمع الصوت المحلي وتُذاب خصوصيته في لغة عامة لا تمثله في كثير من خصوصياته. وقد شبّهها أحمد لطفي السيد وسلامة موسى بـ«لغة الكهان التي لا تُتلى إلا في المعابد». ومن الأدلة التاريخية على هذا الارتباط بين الدارجة والهوية المحلية تعليل الكتابة باللبنانية في مجلة شعر برفض الانخراط في الوحدة السورية-المصرية.22 وفي تونس كان التوجه إلى العامية في الأدب غيرةً على الهوية المحلية التي هدّدتها الميولات إلى المشرق، وهي الميولات التي قادت منذ تأسيس الأندلس مركب الحنين إلى الجذور. 

أما الحجة الثانية - وهي الطاقة التعبيرية للدارجة - فتتلخص في أن الكثير من المعاني والمقاصد لا يمكن تأديتها أو تصويرها بالفصحى، وأن تكلُّف الفصحى في التعبير عن تلك المعاني يشوّهها وينزع عنها مغزاها. ويُجمِع المناصرون للدارجة على أن سبب عجز الفصحى هذا راجع إلى أنها «لغة معاجم وأدب قديم» وهي بذلك «لغة ميتة»،23 في حين أن الدارجة «لغة حية في حياتنا وعلى أفواهنا».24 وهو قول يوسف الخال، وأدونيس في بداياته، ومحمود تيمور والبشير خريف والطاهر الهمامي وغيرهم. وكما احتاجت الفصحى إلى «فرسان بيان» من الشعراء والأدباء، فإن العامية تنتظر أيضاً حتى تلقى «المتنبي متاعها، وتلقى فولتار متاعها، وتلقى غوته متاعها» بعبارة خريف، الذي عبّر مرة لأديب تونس علي الدوعاجي عن استغرابه من عدم كتابته بالعامية: «سيدي علي، لغتنا العامية باهية، واللي ينجم يتصرف فيها قوية».25 وفي تقديمه لروايته برق الليل عام 1961، يضرب الأستاذ الطاهر الخميري مثالاً واحداً للدلالة على إفساد الفصحى للمعنى إذا عُبِّر عنه بها، وهو دعاء المرأة للبطل الذي أحبها بـ«اللطف عليك» حتى بكى تأثرا به فيقول: «تلك الجملة التي نفذت حالاً إلى القلب وأسالت عصيّ الدمع، هل يكون لها نفس التأثير لو نقلناها إلى العربية الفصحى فقلنا «لطف الله بك» أو بحثنا لها عن مقارب من نوع «فدتك نفسي» أو «بِأَبي أنت»، فنقلناها من تونس إلى العراق أو الحجاز ورجعنا بها من القرن العاشر إلى القرن الثاني [...] إن ذلك لمن الضلال والخسران المبين!».26 وفي سنة 1892 اختار الأديب المسرحي محمد عثمان جلال استعمال العامية في الحوار المسرحي وعلل ذلك بأن «اللغة الدارجة أنسب لهذا المقام».27 واعترف عبد القادر المازني - وهو من روّاد الرواية العربية - باضطراره إلى استعمال عبارات عامية في روايته إبراهيم الكاتب في سياقات خاصة «رأيت أن العربية [أي الفصحى] تجيء فيها نابية قلقلة».28 وقد ذهب البشير خريف إلى حد القول بأن الفصحى هي التي تمثل خطراً على العامية لا العكس، فلئن سعت «إلى التقريب بين عوالم المتخيَّل العربية على اختلافها، فهي تطمس الخصوصيات المجتمعية العربية المحلية، وتصهرها في وحدة خطابية فضفاضة».29

وأما ما تَعلَّلَ به المعارضون من مُشكِل الفارق اللهجي وتعذر فهم بعض اللهجات، سواء داخل القطر الواحد أو بين الأوطان العربية، فقد اعتبر خريف في مقال حول تجربته القصصية أن «الفروق في اللهجة من الطفافة بحيث لا يتعذر معها الفهم». وأما ما تعللوا به من أن الانتصار للعامية يخدم مصالح الاستعمار فمُجانب للتاريخ، لأن الاستعمار ما كان يشجع دراسة الفولكلور واللهجات المحلية لأن التنبيه إليها تنبيه إلى مقومات الشخصية الوطنية: «فالاستعمار لم يكن يهدم الفصحى لحساب العامية بل كان يهدم اللغتين لحساب لغته».30 ثم إن ربط العامية بالاستعمار باطل تاريخياً، لأننا لا نعدم في الأدب العربي القديم نصوصاً خرجت عن معيار الفصاحة، كالأزجال في الموشحات، والدوبيت، والكان كان، والقوما، فالأفضلية ليست للغة، وإنما للفن.

الآفاق والتوجهات

في الحقيقة لم يكن الجدل متعلقاً بالذائقة الأدبية كما يبدو، بل هو في عمقه صراع مرجعيات، وقد رأى أدونيس أن «اللغة واحدة، وغير ’طبقية‘ وليست في ذاتها ’يمينية‘ أو ’يسارية‘ [...] وتقسيم الشعر أو الأدب إلى ’فصيح‘ و ’دارج‘ ليس تقسيماً فنياً، وإنما هو تقسيم سياسي-أيديولوجي».31 ورأى رائد النقد في الأدب التونسي فريد غازي في دفاعه عن رواية حبك درباني للبشير خريف عام 1959 أن مشكلة اللغة «مشكلة فارغة» يحاول من ورائها مثيروها النيل من القصة نفسها، والطلب من القراء عدم الانخداع لها.32

ولا بد من الإشارة إلى تمزقات بعض الأدباء العرب في موقفهم من الفصحى والعامية، بلغ حد التناقض أحياناً، فبيرم التونسي اضطر إلى الكتابة بالفصحى خلال إقامته في تونس رغم شهرته بالكتابة بالعامية. وارتبط الحوار بالعامية في مسيرة محمود تيمور القصصية بفترة شبابه، وارتبط في كهولته بالفصحى. وكان توجّهه إلى الفصحى نتيجة لخضوعه إلى عضوية مجمع فؤاد الأول، فأرضى المجمعيين و«خسر أسلوبه» كما يقول عبد الحميد جودة السحار.33 وكتب توفيق الحكيم الحوار في روايته الأولى عودة الروح بالعامية، وفي رواياته الأخرى مثل الرباط المقدس بالفصحى، وأما مسرحياته التي بالعامية فتنتمي إلى مسرح المجتمع في جملتها، والتي بالفصحى تنتمي إلى المسرح الذهني. وكان يحيى حقي كثير التصريح بأنه من أنصار الفصحى، لكنه يستخدم العامية كما في عنتر وجولييت. وهذا التمزق عبر عنه بصراحة الأديب عيسى عبيد بقوله: «يجب أن أعترف بأن مسألة اللغة التي تُكتَب بها المحادثات الثنائية قد أجهدت فكري وأتعبتني كثيرًا».34

ويمكن أن نتبين أربعة اتجاهات كبرى في استعمال الدارجة في الأدب العربي الحديث: الأول - وهو الأشهر - الحفاظ على الفصحى إطاراً للنص، أي لغة السرد والوصف الأساسية، أما الحوار فيُكتَب بالمحكية الدارجة، وقد بدأ هذا الاتجاه مع أول رواية عربية وهي زينب لمحمد حسين هيكل عام 1914، ومن الروايات المعاصرة في هذا الاتجاه روايات التونسي كمال الزغباني ماكينة السعادة وفي انتظار الحياة، وأحياناً في روايات حيدر حيدر مثل وليمة لأعشاب البحر.

والاتجاه الثاني يتمثل في «تفصيح العامية»، ويسميه بعضهم «اللغة الثالثة»، ومن دعاته الأوائل جبرا إبراهيم جبرا مشرقاً والبشير خريف مغرباً. وتتم بأشكال ثلاثة أساسية، أحدها تقريب التركيب العامي أو اللفظة العامية من الفصحى دون تبديله، ويوضح خريف ذلك بقوله: «إذا قال الصغير أمامنا مثلاً ’ما فم حد‘ نرده إلى ’ما ثم أحد‘ ولا نبلغ به إلى ’ليس هناك أحد‘».35 ونجد هذا الشكل في كتابات نجيب محفوظ، فالتركيب تركيب فصيح، لكن بنفَس عامي، جاء في روايته زقاق المدق: «هربتْ وحياتك، غواها رجل فأكل مخها وطار بها». وثاني أشكال هذا الاتجاه كتابة الجمل بتركيب يمكن بموجبه أن تقرأ بالوجهين، بالفصحى والعامية، وقد فعل ذلك الحكيم في مسرحيته الصفقة، وخاصة سعد الله ونوس في مسرحيته مغامرة رأس المملوك جابر، كقول إحدى الشخصيات فيها: «هاتِ اثنين شاي». و«الله يسلمك ويسلمه». و«يا عيني على أيام الظاهر». والشكل الثالث من تفصيح العامية إدخال عبارات تبدو لوهلة أنها عامية، لكن بالرجوع إلى المعاجم نجدها في لسان العرب القدامى، مثل «لز» و«برشاء» و«ديمة» و«ينش». ونجد ذلك في رواية مانعة لمصطفى الفيلالي، وفي روايات خريف بلا استثناء.

ويندرج الاتجاه الثاني هذا في إطار رؤية ترمي إلى توحيد العامية والفصحى للتخلص من هذا الازدواج الحاد الذي حذّر فؤاد إفرام البستاني من أن يصل إلى ازدواجية نفسية، وحذّر أمين الخولي من أن يصدّع الوحدة الاجتماعية بتفريقها إلى طبقات ثقافية وعقلية متنافرة.36

وأما الاتجاه الثالث فينتصر إلى إدخال مفردات عامية في إطار النص الفصيح، وقد بدأ أيضاً مع هيكل في روايته زينب، إذ نجد ألفاظ المحكية المصرية مثل لمظة، وابور، جلابية، إلخ. وكذلك في روايات كمال الزغباني إدراج لألفاظ تونسية، مثل الماكينة، الميترو، كبوس، إلخ. ويرجع ذلك - مع النزعة إلى تأصيل النص في بيئته - إلى غياب مفردات فصيحة تطابق بدقة مفردات اللسان العامي.

وأما الاتجاه الرابع فيتمثل في التخلي نهائياً عن الفصحى والكتابة بالعامية البحت، كحال فاتن الفازع، وتوفيق بن بريك كما في روايته كلب بن كلب. ويعتبر رائد هذا التوجه في الرواية العربية محمد تيمور، ومن أعماله بالدارجة المصرية الخالصة: عبد الستار أفندي، والهاربة، والعصفور والقفص. وتوجه بعض أعضاء الطليعة إلى الكتابة بالدارجة التونسية في مرحلة متقدمة من تجربتهم، كصالح القرمادي. وقد اتخذ هذا الاتجاه منزعاً أعنف وأكثر تطرفاً مع بعض أعضاء حركة شعر، وهما على الخصوص أُنسي الحاج وسعيد عقل. أما أُنسي فقد نادى بما أسماه «التخريب الحيوي المقدس»، ويتمثل في انتهاك قواعد النحو العربي، وفعل ذلك في ديوانه لن سنة 1960 الذي منعته عدة دول عربية، لا سيما في فترة المد العروبي القومي. وأما سعيد عقل، فإلى جانب مناداته بالكتابة بالدارجة الخالصة، دعا إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، ونشر عام 1961 ديوانه Yara بالأحرف اللاتينية وباللهجة اللبنانية.

لقد ثبت، بالنظر في مسيرة هذا الجدل منذ بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا، أن السياقات التاريخية تحكمت كثيراً في تلقي لغة الأدب ومدى مقبوليتها، وكثيراً ما تدخلت الأيديولوجيات القومية والدينية والليبرالية وغيرها في هذا الصراع. لكن الثابت اليوم أن العامية أُعيد لها اعتبارُها، وأصبحت الكتابة بها - بحسب أحد الاتجاهات المذكورة - واقعاً محتوماً لا يمكن رده. ثم إن الدراسات اللسانية الحديثة تؤكد أن العامية هي الضامن لاستمرار الفصحى، ويستدل أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية محمد صلاح الدين الشريف على ذلك بأن اللغات التي لم تكن لها لهجات ماتت، كحال الإغريقية لغة اليونان. ومن المبادئ الأساسية في الكلام البشري مبدأ قابلية التعبير (exprimabilité)، إذ يؤكد العالم اللساني جون سيرل أن كل لغة توفر لأهلها من العبارات والتراكيب ما يعبرون به عما يريدون التعبير عنه. فالاعتقاد بأن الفصحى تفوق العامية في الاقتدار على أداء المعاني هو اعتقاد باطل لسانياً.

  • 1. قصيدة النثر العربية، الإطار النظري، أحمد بزون، دار الفكر الجديد، ط1، 1996، ص164.
  • 2. لغة الحوار بين العامية والفصحى في حركات التأليف والنقد في أدبنا الحديث، يوسف الشاروني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007، ص7.
  • 3. نفسه، ص14.
  • 4. نفسه، ص17-18.
  • 5. بزون، المصدر السابق، ص160.
  • 6. نفسه، ص164.
  • 7. الحياة الثقافية، العدد 287، جانفي، 2018، عدد خاص بالبشير خريف، من حواره مع فوزني الزمرلي، ص154.
  • 8. نفسه، مقال البشير بن سلامة، البشير خريف ومجلة الفكر، ص13.
  • 9. نفسه، أدب البشير خريف ومستويات التلقي، فوزي الزمرلي، 37.
  • 10. حركة الطليعة الأدبية في تونس 1968 - 1972، الطاهر الهمامي، دار سحر، كلية الآداب منوبة، د.ت، ص199.
  • 11. بين الكتب، عباس محمود العقاد، الفصيحة والعامية، 22 أفريل 1927، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1984، 163-164.
  • 12. الهمامي، ص200.
  • 13. الهمامي، ص201.
  • 14. العقاد، ص164.
  • 15. الشاروني، ص50.
  • 16. الحياة الثقافية، مقال البشير بن سلامة، ص16.
  • 17. جبران، نفسه.
  • 18. الحياة الثقافية، خريف، 136. وفي قراءة أستاذة الأدب بالجامعة التونسية جليلة طريطر لعنوان روايته حبك درباني - التي فرضت أسرة مجلة الفكر على البشير إضافة عنوان آخر لها هو «إفلاس» - رأت أن هذه الازدواجية إيذان بـ«تبلور مذهب فني يجلي أصواتاً اجتماعية مهمشة ومقموعة، لأنها قَبْلاً مقموعة لغوياً، لغتها المحجوبة كانت بمثابة العورة».20 الحياة الثقافية، جليلة طريطر، 52.
  • 19. جبران، نفسه.
  • 20. الحياة الثقافية،الزمرلي، ص38.
  • 21. الحياة الثقافية، طريطر، ص52.
  • 22. بزون، ص159.
  • 23. الهمامي، ص131.
  • 24. قول لأدونيس، بزون، ص161.
  • 25. الحياة الثقافية، حوار مع خريف، 150.
  • 26. خريف، برق الليل، دار الجنوب، 2010، ص140.
  • 27. الشاروني، ص11.
  • 28. نفسه، ص21.
  • 29. الحياة الثقافية، طريطر، ص54.
  • 30. الشاروني، ص54.
  • 31. بزون، ص162.
  • 32. الحياة الثقافية، الزمرلي، ص38.
  • 33. الشاروني، ص30.
  • 34. نفسه، ص16.
  • 35. الحياة الثقافية، خريف، 138.
  • 36. الشاروني، ص45.