صورةُ سوريّة عادية مُغيّبة بكلمات سوريّ عادي لاجئ

آرام حمي يكتب عن سميرة الخليل، يستخرج «روح الشعر» من يومياتها تحت الحصار وعن الحصار.

- التقيتُ سميرة الخليل لساعة أو أكثر قليلاً منذ أكثر من 15 سنة. الانطباع، الذي ما زلتُ متأكداً منه، أن هذه السيدة هي إنسان عادي، رغم أن حياتها أخذت منحى غير عادي على الإطلاق.

- سميرة الخليل المختطفة منذ 5 سنين، والتي يشترك اسمها بالحرف الأول مع وطننا المُختطف، يُؤخذ عليها أنها وضعت نفسها أمام واقع وطن غير عادي تماماً.

- مع ذلك فإن «قضية سميرة الخليل»، التي أصبحت معروفة، يجب أن تبقى كذلك جزءاً من ذاكرة سوريّة لا يجب أن تُنسى.

- وبوصفي سورياً عادياً، وهما صفتان أشترك فيهما مع سميرة الخليل، وأعتقد أننا لا نحسد عليهما، سأحاول أن أُظهر جانباً آخر من «يومياتها في دوما» [يوميات الحصار في دوما 2013، بيروت، 2016]. هذا الجانب هو روح الشعر التي يمتلكها البشر العاديون.

- تحت طبقات متعددة من الخراب والحزن والإصرار على الحياة، هناك شعرٌ خائفٌ من أن يخرج أو أن يكشف عن ذاته. وكما يقوم الناس- بعد كل غارة أو قذيفة- بإزالة الأنقاض والركام، حاولتُ أن أنتشل هذا الشعر الذي كتبته هذه السيدة دون دراية منها على الأرجح.

- الآن، ونحن نقترب مرغمين من الذكرى السنوية الخامسة لاختطافها، يجب أن نعيد قراءة ما كتبته سميرة الخليل كي لا نبقى صامتين عما جرى لها، وكي «لا نأخذ عارنا معنا».

*****

1

في مكان ما،

يُحصي الأحياءُ عدد الشهداء:

لن أتوقف عن العدّ،

ما دامت القذيفة بعيدة.

 

2

لمْ تفتقدنا الأحزان...

 

3

هي ثورة

أخرجت ملح الأرض وديدانها.

 

4

العالم يتفرج على أشلاء أناس

من لحم ودم،

تتطاير عبر الشاشات.

 

5

المطر غزير وناعم،

لا طيران اليوم،

يخاف الطيار المطر،

لكن «الهاون» لا يعبأ بالمطر، ينزل،

وإن ليس بغزارة المطر.

 

6

الطيار النشيط

جاء من الصباح الباكر

 

7

وأحياناً كثيرة

يفصلك عن الموت:

بضعة أمتار وشارع ورصيف

 

8

هو الموت- يباغت الناس،

يعيشون لحظاتهم ويتفقدون أرواحهم،

عند سقوط القذائف.

 

9

يموتون وهم يُعدّون وجبة غداء لأطفالهم

ويحتارون: ماذا سيكون العشاء؟

تأتي القذيفة لتريحهم

من معاناة يومية!

 

10

أصبح الموت نمط حياة يومياً

عندما يكون يوم آخر: أحسّ بالأمل...

 

11

اختلطَ الموت مع الهواء.

 

12

لا دواء، لا ماء،

وحده الموت متوفر بكثرة

 

13

يرحلون بأجسادهم الكاملة،

ولا أعرف:

آخر صورة وأي رعب وأي حلم

حملوه معهم؟

 

14

لو كان الغدر نهاراً،

ربما استطاع الكثيرون النجاة!

 

15

الناس- هنا-

ليس عندهم وقت للحزن.

 

16

سقطت قذيفة

فأصيبت شجرة.

 

17

للمكان روحه...

 

18

كنتُ أتوقع

أن كثيراً من الناس رحلوا

لكنهم يسكنونني.

 

19

لو أن الوطن إنسان

لكان أحسَّ بك!

 

20

كل هذا حقيقي أكاد ألامسه:

قريبٌ جداً من الروح،

قريبٌ جداً من الوجع.

 

21

صديقتي تنظر للياسمين المعرّش

على شجرة الحور

وتحلم بقطف طوق

تهديه لحبيبها المشرّد

في شوارع دمشق.

 

22

لا شيء هناك،

في الجهة الأخرى من الوطن!

 

23

العنف وباء،

ينتقل بالعدوى حين تصافح مجرماً،

ولو لم تكن هناك قبلات!

 

24

القدرة على الحياة:

أن أسمع صوت القذيفة،

وأتابع شرب قهوتي.

 

25

هي ثورتي،

هي ثورة ستكون يوماً

كـ «نشيد الأنشاد» لعالم.

 

26

لم يأكل من خبز أتى به،

كانت الأرغفة معجونة بدمه!

 

27

لم يكن الشوق أكبر

كما هو الآن!

 

28

البعض حالفه الحظ

وكثير مات وعلى كيس الطحين دمُه.

 

29

خصوبة حكايا الناس

بعفوية الدمعة مع الكلمة.

 

30

نلبس شياطين الأرض:

أرقام نحن ليس إلا!

 

31

ابتسامة عينيها

فيها حزن...

 

32

ليس من القذائف وحدها تموت الناس.

الجوع قاتل.

 

33

يسمونها أزمة!! إذن، كيف تكون الحرب؟

 

34

بعض الناس رحل،

دون أن تدعه القذيفة

يحمل ولو لعبة!

 

35

كانت الثورة للدفاع عن حريتنا،

هي الأن للدفاع عن حياتنا وبيوتنا

من خراب عميم.

 

36

العالم يتدخل بتفاصيل حياتنا، بتفاصيل الموت،

ويحدد أشكاله!

 

37

سيرحل من صمتَ عن موتنا،

ويأخذ معه عاره الأبدي!

سميرة الخليل- دوما- 2013