صورة الرئيس المنهارة مع العملة

 

ضمن الحزمة السادسة لقوائم الكيانات والأشخاص المشمولين بعقوبات قيصر، الصادرة نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، أضافت وزارة الخزانة الأميركية مصرف سوريا المركزي إلى القائمة، بعد خمسة شهور تقريباً على دخول الحزمة الأولى من العقوبات حيز التنفيذ في شهر حزيران (يونيو) من العام نفسه. وتلا ذلك، بعد شهر من صدور الحزمة الأخيرة للعقوبات، طَرحُ المصرف المركزي ورقة نقدية من فئة 5000 ليرة للتداول، بعد عامين من التأجيل بحسب المركزي، وهي المرة الثالثة التي يلجأ فيها النظام إلى طباعة عملة جديدة منذ بداية الثورة السورية، بعد أن طبع ورقة نقدية من فئة 2000 ليرة مرتين في العام 2017، فضلاً عن كميات جديدة من مختلف الوحدات النقدية في العام 2015.

يمكن لنا من خلال مراقبة سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي في السوق السوداء أن نلاحظ أنها «استطاعت امتصاص الأثر» الذي خلفته العقوبات على المركزي، فقد انخفض سعر صرفها من 2850 ليرة مقابل الدولار يوم الحادي والعشرين من شهر كانون الأول، وهو تاريخ إضافة المركزي إلى قائمة المشمولين بالعقوبات، إلى حدود 2900 ليرة سورية في الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني، الموافق لإصدار الوحدة النقدية الجديدة، أي إنها استطاعت تقريباً استعادة ما خسرته بعد أيام من التذبذب صعوداً وهبوطاً بفعل الأثر النفسي لمعاقبة المركزي. ولكن، منذ ذلك الحين، واصلت الليرة خساراتها حتى اقتربت من 3600 ليرة مقابل الدولار الواحد في أسواق العاصمة دمشق، بحسب آخر نشرة صرف نشرها موقع الليرة اليوم ليل أمس الأربعاء.

قد توحي هذه الأرقام بأن الضرر الذي ألحقه طرح ورقة 5000 ليرة في الأسواق كان أشدّ على العملة السورية من الحزمة الأخيرة للعقوبات، غير أنّ ذلك ليس دقيقاً تماماً دون النظر إلى العوامل الأخرى. أولاً لأن تقدير أثر العقوبات غير ممكن على المدى القصير، وثانياً لأنّ معاقبة المركزي قد تكون هي ما دفعت نظام الأسد لإصدار ورقة 5000 ليرة في هذا التوقيت كاستجابة دفاعية ضدّ الأثر الذي قد تخلّفه العقوبات على المركزي، لا سيما أنّ الأخير كان يتردّد في طرحها للتداول على مدى عامين. هل كانت هذه الاستجابة الدفاعية الخطوة الأفضل للمركزي؟ أو، بالأحرى، هل من المنطقي أن يطرح النظام الورقة الجديدة في هذا التوقيت الصعب؟ ليس بالضرورة، ولكن ما هي الأدوات التي يمكن له اتخاذها في ظلّ إفلاسه وعدم قدرته على ضبط سعر الليرة؟ لم يجد النظام أمامه سوى طرح ورقة نقدية جديدة، دون أخذ مسألة التوقيت في الحسبان وعلى الرغم من التضخّم الذي سينتج عن ذلك. وعوضاً عن إجراءات نقدية، اكتفى بالتعويل على المزيد من التشديد على حركة القطع الأجنبي في الأسواق بواسطة الأجهزة الأمنية.

لقد استنفذ نظام الأسد كل الحلول التي من شأنها التخفيف من أزمته المالية، من طرح منشآت حكومية وقطاعات طاقية للاستثمار أمام روسيا وإيران، مروراً بسلب رجال المال المقربين منه أموالهم وأصولهم، ثمّ ما يتعلّق بموضوع بدلات الخدمة الإلزامية ووضع اليد على ممتلكات المتخلفين عن الدفع، فضلاً عن عشرات الأمثلة الأخرى. إذن ليس من السليم محاكمة مدى صواب الطريقة التي يدير بها النظام أزمته الاقتصادية أو يتجاوب من خلالها لما يعترضه، فهو يحاول فعل كل ما يمكنه دون القدرة، من ناحية الوقت والأدوات، على وضع استراتيجية واضحة يمكن أن تعود بنتائج إيجابية.      

من نافل القول إنّ الشعب السوري أكثر تأثراً من نظام الأسد من العقوبات وإصدار الورقة النقدية الجديدة، ذلك أنّه لم يتبين حقاً أنّ بمقدور العقوبات أن تشتمل على آليات تحد من الجوع كما قال بعض أصحابها والمتحمسون لها. والأهم من ذلك أنّ النظام لا يتورّع عن تجريب أي سياسات تمنع انهياره الاقتصادي التام، مهما كان أثرها سيئاً على الناس، فسياسات النظام جميعها تراعي بقاءه دون الناس، فهو يعي أنّ مَخرجاً للناس من أزمتهم يعني دخوله هو في أزمة تُملي عليه الرحيل، أو الدخول في عملية سياسية حقيقية تُفضي إلى رحيله. ويمكن الإشارة هنا إلى الأرقام التي نشرها مؤخراً مركز قاسيون للدراسات في دمشق، والتي تشير إلى أنّ الأسرة السورية المؤلفة من خمسة أشخاص تحتاج اليوم إلى قرابة 732 ألف ليرة لتكون قادرةً على تحمّل تكاليف العيش، وهذا الرقم هو 15 ضعف متوسط الأجور في البلاد. لا يمكن للنظام، بأيّ شكل من الأشكال، تأمين احتياجات الناس المعيشية، وبالتالي فإن كل تركيزه اليوم ينصبّ على تأمين احتياجات بقائه هو نفسه، في مواجهة الناس والأزمة الاقتصادية على حدّ سواء.

هنا، ينبغي العودة للسؤال الرئيسي: هل وحدها ورقة الـ5000 قد رفعت معدلات التضخم وخفّضت القدرة الشرائية؟ لا شك أنها ساهمت، ولكن يجدر أيضاً حساب الأثر التراكمي للعقوبات والأثر التراكمي لانهيار الاقتصاد السوري التدريجي على مدى سنوات. في ظل حالة الانغلاق الذي يعيشه الملف السوري على الصعيد السياسي، ورفض نظام الأسد لكلّ الحلول، فهو يمضي في تعميق أزمة الناس وتعميق أزمته.

لقد وصل انهيار قدرة النظام النقدية إلى حدود عجزه عن تأمين مبلغ 1.2 مليون دولار لشراء لقاح كورونا من حليفه الروسي. العجز عن تأمين هذا المبلغ، المتواضع جداً قياساً بميزانيات الدول، مؤشر رهيب على مدى الانهيار غير المنظور في القدرة على تأمين مبالغ متواضعة من النقد الأجنبي، وتُظهر أيضاً العجز الاقتصادي الذي يعانيه النظام السوري، والذي يحاول مداراته وستره بشتى الأساليب. يظنّ النظام أنه قادر على العيش اقتصادياً طالما أنّه قادر على صرف الرواتب والأجور على جميع العاملين لدى الدولة، ولكنّ الأمور تتجه رويداً رويداً لأن يصبح صرف هذه الرواتب من عدمه سيّان في ظلّ تراجع قدرتها الشرائية إلى حدود كبيرة، وهو يدرك تماماً أنّ زيادة الأجور لن تؤدي إلا إلى مزيد من التضخم وضعف القدرة الشرائية. دخلنا العام 2020 بسعر دولار معادل لـ925 ليرة سورية، ثم دخلنا العام الحالي بسعر صرف قريب من 3000 ليرة مقابل الدولار، أي إنّ سعر الصرف انهار بمقدار 300% خلال عامٍ واحد. أما العام الحالي فسيكون أكثر كارثيةً من سابقه، ذلك أنّ جميع أسباب الانهيارات السابقة ما تزال موجودة، علاوةً على مسببات انهيار يومية متواصلة.

يدرك بشار الأسد، بحسب ما تسرّب من اجتماعه مع مجموعة كبيرة من الإعلاميين، حجم الأزمات المعيشية التي يواجهها ضحاياه الذين ما زالوا أحياء في مناطق سيطرته، ولكنّ المهمة الرئيسية بالنسبة له اليوم هي تمديد حكمه سنوات إضافية من خلال الانتخابات التي يخطط لإجرائها قبل منتصف العام الحالي. ولكن هل هو غير مهتم حقاً بالوضع المعيشي؟ لا يبدو أمر اهتمامه من عدمه تفصيلاً مهماً، لأنه فعلياً عاجز عن إحداث أي تغيير. ما بوسع الأسد فعله هو منع الناس من تنظيم احتجاجات على كارثية الوضع المعيشي باستخدام العنف المفرط، ولكن هل سيتحرك السوريون بعد كل الوحشية التي عاينوها خلال السنوات الماضية؟ يمكن لمتابع للأحاديث الدائرة في الشارع السوري أن يلاحظ أنّ النظام المُرعب خلال الأعوام الماضية لم يعد كذلك بالنسبة للجميع، أو لعلّ خشية الناس منه صارت أقل بكثير من السابق. اليوم يُشتَم بشار الأسد في أماكن عامة داخل مناطق سيطرته في الساحل السوري كما يُشتم أي شبيح آخر.