صور عن اللا انتماء

 

سلسلةٌ من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود، تكشف عن لحظاتٍ ميلانكولية من رحلة اكتشاف الذات والهويات في المدن الجديدة، نجدها في معرض في مكان آخر للمصورَين غيفارا نمر وعلاء حسن، الذي تستضيفه مؤسسة كوكلتشر( Coculture) الثقافية غير الربحية. ويشارك في مكان آخر في تظاهرة الشهر الأوروبي للتصوير الفوتوغرافي، التي تُقام مرةً كل عامين في أكثر من 100 موقع مختلف في برلين؛ (متاحف، معاهد ومعارض فنية، ومدارس التصوير الفوتوغرافية). وفي ظل  انشغال الأوساط الإعلامية والسياسية الأوروبية بموضوعات الهويات المتعدّدة وتمثّلاتها السياسية والثقافية وتجلياتها الاجتماعية، قرر منظمو المهرجان لهذا العام اختيارَ موضوعةٍ تنسجم مع النقاش السياسي المُحتدم، وهي الهويات الأوروبية الناشئة والتعبيرات الفنية عنها من وجهة نظر التصوير الفوتوغرافي وعدسة المصورين.

يضمُّ المعرض 18 عملاً فوتوغرافياً، شاركت المصورة الفوتوغرافية وصانعة الأفلام الوثائقية السورية الكوردية غيفارا نمر بثلاث عشرة صورةٍ فوتوغرافيةٍ منها، تم تصوير القسم الأكبر منها في برلين، بالإضافة إلى ثلاثة أعمال صوّرتها في سوريا قبل 10 سنوات. من جهته، شارك المصور الفوتوغرافي وصانع الأفلام السوري علاء حسن بأربع صور، التُقطت في أربع مدن مختلفة: دمشق، بيروت، اسطنبول، وبرلين.

في مجموعة غيفارا نمر «تحت سماء برلين»، نرى انعكاساتٍ ذاتية للمصورة على شبابيك البيوت المقابلة، وعلى البلور وراء الكرسي الخالي في المقهى، وعلى زجاج برج التلفزيون المُطلّ على العاصمة الألمانية. تبدو مشاهد الانعكاس الذاتي لغيفارا نمر على المدينة صوراً يومية وحياتية، وكأنها التُقطت مصادفةً في خضمّ البحث عن الذات الجديدة. ورحلة البحث هذه تتخطى الجسد الإنساني، ولا تكتفي بالتفكير الخاص الذاتي، بل تتعداها إلى الفضاء العام، وجزءٌ كبيرٌ من اكتشاف الذات مرتبطٌ بتجربة العيش في المدينة الجديدة. كذلك الأمر في الصور الأقدم، والتي تعود إلى مناطق حدودية من سوريا عام 2010، ففيها نلمس أيضاً إحساساً بالوحشة والضيق، ناتج عن صعوبة الإحساس بالانتماء للأمكنة والمدن التي تلفظنا خارجها. 

انتقل المصور الفوتوغرافي وصانع الأفلام السينمائية علاء حسن من دمشق إلى نيويورك في عام 2013، ومن ثم إلى برلين التي استقرّ بها مؤخراً. وأثناء رحلته، التقط حسن صوراً فوتوغرافية لأربعة أمكنة مختلفة، حيث اتسمت هذه الصور الفوتوغرافية بطابعٍ تأملي وبمسافةٍ تسمح بالتمعن بالمكان واستعادة علاقة شخصية مع هذه الأمكنة. يحاول حسن استحضار قسوة بيروت التي يتذكّرها من خلال صورة البرق أثناء العاصفة، بينما كان يقف متأملاً المشهد على إحدى شرفاتها. كما يلتقط السكون في غابات برلين التي ألِفها، ويسترق لحظاتٍ من العزلة على البوسفور في مدينةٍ مزدحمةٍ كما استانبول.

ماذا بعد المنفى؟

لا يمكننا الحديث عن الهويات الناشئة في السياق السوري من دون التفكير في علاقتها بالمنفى الألماني، والسعي المحموم لاكتشاف ملامح الهويات الثقافية المكتسبة. تحدّثنا نمر عن علاقة هذه الأعمال الفوتوغرافية بمرحلة ما-بعد المنفى، تقول: «تفاقمَ سؤال الهوية لدى السوريين في السنوات العشر الأخيرة، وبالنسبة لي فإنّ موضوعة الهوية وتبدلاتها أمرٌ أنشغل بالعمل عليه، سواء في مجال التصوير الفوتوغرافي أو خلال عملي في السينما الوثائقية. يمكنني أن أقول إنّ الذي تطوّر بعد سبع سنوات من العيش في المنفى هما المسافة التي سمحتْ لي بفهم العلاقة مع المدينة، والزمن الذي نضجت فيه علاقتي وتجربتي مع المنفى؛ ونضجت معها علاقتي مع الصور الفوتوغرافية. في السنوات الأولى لم أكن قد استوعبتُ بعد معنى المنفى، أما الآن، وبعد أن نضجت التجربة، صار بإمكاني مشاركة صورٍ ذاتية، وخاصّةً من لحظاتٍ سوداوية، مع الجمهور في معرض».  

ينطلق علاء حسن من موضوعة الهويات بعلاقتها مع المدن، ويفكّك آلية العمل على اختيار الصور الفوتوغرافية في المعرض إلى مستويين: «الأول مرتبط بالتجربة الإنسانية بشكلٍ عام، وهي لا تقتصر علينا كسوريين، فالإنسان عندما لا يشعر بالانتماء للمدينة التي انتقل إليها، يكون في هذه اللحظة موجوداً في اللامكان إن صح التعبير. أما المستوى الثاني فهو مرتبطٌ بالتجربة السورية الجمعية. يختلف الأمر في حالتي الشخصية، لأني انتقلت إلى نيويورك عام 2013، ولم أختبر رحلة اللجوء التي مرّ بها عددٌ كبيرٌ من السوريين في أوروبا. لكنّ التجربة السورية الجمعية هي جزءٌ من إدراكي ومعرفتي؛ ولذلك اخترتُ مشاركة صور هذه المدن بالتحديد، لأننا نتشارك مع جزءٍ كبيرٍ من السوريين ذاكرةً مشتركةً متعلّقةً بمدنٍ محددة بعد 2011، كانت بمثابة محطاتٍ في رحلتنا. وحتى مع اختلاف الرحلة الشخصية لكل فرد، إلا أنه صار بإمكاننا أن نلتقط ملامح مشتركة وأحاسيس نتشارك بها عن المدن التي مررنا بها وعن المنفى».

الإمساك بالذاكرة القديمة في المكان الجديد

استطاع كلٌّ من غيفارا نمر وعلاء حسن استحضارَ أجزاءٍ من الذاكرة المرتبطة بتجربتهما خلال السنوات الماضية، في سوريا وخارجها، وتجسيدها فنياً وبصرياً. في مجموعة «لا شيء مثل المُعتقل» استطاعت نمر التقاط صورةٍ عن المعتقل في سوريا من خلال تصوير انعكاسها الذاتي على الماء في مربع ضوءٍ ضيق من وراء شبك، مقررةً عرض الصورة على الأرض، بشكلٍ يمكّن المشاهد من تفحّص الصورة من نفس المنظور الذي اتخذته نمر عند التقاط الصورة: «حاولت إيجاد معادلٍ بصري للزنزانة المنفردة ولتجربة الاعتقال في سوريا من خلال تصوير انعكاسٍ ذاتي من وراء قضبان نظام التصريف. هذا ما يمثله لي الاعتقال؛ مكانٌ أسود وضيّق وقذر». كما أن نمر تعود إلى آخر صورٍ التقطتها في سوريا عام 2010 في مناطق حدودية من البلاد؛ أمام المنطقة العسكرية في الجولان، وأخرى لحقول النفط في شمال شرق سوريا، وتستعيد في هذا السياق علاقتها مع الكاميرا كأداة: «لم يكن ممكناً لنا كمصورين فوتوغرافيين بعد 2011 أن نلتقط صوراً في الأماكن العامة في دمشق؛ حيث كان من الممكن اعتقالنا أو ملاحقتنا بسبب الكاميرا أو بسبب توثيق الحياة العامة في دمشق بعد الثورة. لاشكّ أن ذلك أثّر على علاقتي بالكاميرا، بالأداة الأساسية التي أحتاجُها للتعبير عن أفكاري ومشاعري. عندما وصلت إلى برلين، لم أكن أعرف تماما ماذا سأصوّر هنا، لكنّ كاميرا الموبايل كانت بحوزتي دائماً، وربما هذا ما سهّل التقاط صورٍ ذاتية في لحظاتٍ خاصّة وحميمية».

عند الانتقال إلى مجموعة الفوتوغراف الخاصّة بعلاء حسن، فنحن لا نستعيد صوراً عن المدن الأربع (دمشق- بيروت- استانبول- برلين) بصرياً فحسب، بل صوتياً أيضاً. أضاف حسن إلى الصور الفوتوغرافية وسيطاً صوتياً يذكّرنا بصوت البيئة العامة في هذه المدن، حيث كان استخدام العنصرين وسيلته لاستعادة التجربة في تلك المدن: «حاولت استعادة ذكريات قديمة عن المدن التي عشت فيها من خلال تسجيلاتٍ صوتية لضجيج هذه المدن. استعنت بالأصدقاء من أجل الحصول على هذه التسجيلات، وبالرغم من أن التسجيلات حديثة نسبةً إلى الفترات التي التُقطت فيها الصور، لكن لا يكاد يكون هناك أي فرق عن ضجيج هذه المدن الذي أذكره. اعتمدتُ على عنصر الصوت، لأنه، عموماً، أقرب إلى إحساسنا وعواطفنا من العنصر البصري، والسبب الآخر هو أن ضجيج المدينة يحمل كثيراً من الحميمة، وهناك عددٌ من الزوار استمتعوا بالتسجيلات الصوتية، فكانوا يستمعون إليها وهم في الحديقة خارجاً. انطلقتُ من إشكالية الفرد الواحد في المدينة، وهاجسي الأكبر كان اكتشاف المدينة ومشاعرنا المتناقضة تجاهها أكثر من تذكّرها، إن صح القول. كما أن الذاكرة مع المدينة ليس بالضرورة أن تكون حدثت بالماضي فحسب، بل هي دائمة التشكّل».

العرض في زمن الكورونا

بدأ العرض قبل اسبوعين تقريباً، وتزامنَ مع بدايات الموجة الثانية من كورونا في برلين. وبالرغم من تحديات العمل الفني في ظل كورونا، إلا أنّ المعرض لا يزال مستمراً حتى الثالث والعشرين من الشهر الحالي، مع الالتزام بالإجراءات الوقائية؛ من استخدام الكمامات داخل صالة العرض، واستخدام المعقم قبل استخدام السماعات. وتذكر لنا نمر أنّ «المعرض والإجراءات الوقائية أثناء العرض قد حدّدتها بلدية برلين، وهي ذاتها تنطبق على مختلف المعارض المُشاركة في تظاهرة الشهر الأوروبي للتصوير الفوتوغرافي. لم يتأثّر المعرض كثيراً بتقييدات الكورونا، لأنّ زمن التلقي أطول، ومن الممكن أن تدخل مجموعاتٌ صغيرة إلى مكان العرض طوال مدة المعرض؛ إذ تُحسب مساحة المكان، وعلى أساسها يُحدّد عدد الأشخاص الذين يمكنهم الدخول إلى القاعة في الوقت ذاته. فمثلاً، في يوم الافتتاح جاء تقريباً حوالي 65 شخص، وسُمح بدخول 8 أشخاص إلى القاعة في الوقت ذاته، كما طُلب منهم تسجيل بياناتهم عند الدخول، من أجل التواصل معهم في حال اكتُشفت أية إصابات في المكان».

ويضيف حسن: «الإجراءات التي تخص الكورونا لا نحددها نحن بشكلٍ خاص، بل المكان المستضيف، وفي حالتنا كوكلتشر. لكنّ تجربة الفرجة والتلقي لم تتأثر كثيراً، كما يحصل في المسارح أو صالات السينما، ففي معرض التصوير الفوتوغرافي هنا في كوكلتشر، يجتمع في القاعة أربعة أو خمسة أشخاص على الأكثر في الوقت ذاته».

لم تكن تجربة العرض في زمن الكورونا مهمةً بسيطةً حتماً، سواء على المنظّمين أو المصورين. كما لم تكن تجربة التقاط الذاكرة القديمة، وتجليات الهويات الجديدة في صور فوتوغرافية تجربةً سهلة، بل استهلكت وقتاً طويلاً من التحضير للعمل المشترك والنقاش حول اختيارات الصور، التي يمكن أن تتقاطع مع موضوعة التظاهرة الأوروبية، وفي الوقت ذاته تعبّر عن مشاعر الاغتراب ورحلة اكتشاف الذات في المنفى عند كلا المصورَين.