ضد الاستضافة

 

اقترح تطبيق Uber eats الخاص بتوصيل الطعام في فرنسا ميزة جديدة، وهي التوصيل إلى باب البناء، حيث يترك رجل التوصيل الطعام على الباب الخارجي، لننزل نحن ونأخذ الطعام، دون أن يصعد إلى باب الشقة، والهدف أن يكون «الغريب» أبعد ما يمكن عن الفضاء الخاص.

طَلبُ الطعام من «الخارج» مشابه لأي شكل من أشكال الدعوات التي نتبادلها مع «الآخر» كي يزور الفضاء الخاص، سواء كانت زيارته سريعة مقتضبة أو طارئة يقوم بها مجهول ينادي علينا من الخارج، أو يطرق الباب مثلاً. في كلا الشكلين، هناك اختبار لقدرتنا على تحويل المكان الخاص إلى مساحة للاستقبال، أو مساحة لنفي الزيارة ورفض النداء.

يتداعى العالم في ظل الحجر الصحّي داخل المنزل، الذي تَحوّل بالنسبة لكثيرين إلى مساحة للعمل والنوم والتسليّة والأكل. لكن الإشكاليّة هي أن الحجر يهدد مفهوم المنزل كمساحة للاستضافة، الفتحة على العالم الخارجي المتمثلة بـ «الباب» توصد، وتحل الشاشة محلها لنختبر العالم كمراقبين أو مساهمين في تدفق الصور ضمنه. كما أن تلقي أو إرسال نداء للآخر في سبيل استقباله في «الداخل» الذي يشكّل مساحة الأمان تلاشى، ما يحقق حلماً ديستوبياً يمينياً مُتطرفاً، يهدد لاجئين وهاربين وزوّار تمت استضافتهم وحمايتهم ضد أي تهديد في الخارج، في حين أن البعض تُرك «خارجاً» على الباب، ليواجه موته، محروماً من الضيافة، كحالة سكّان المخيمات، والمشردين الذي تم إخلاء بعضهم أو تُركوا لأقدارهم.

الحجر الصحيّ الوطنيّ يفترض الخطر في الخارج والأمان في الداخل. هذا الخارج خطر على مستوى غير مرئي، ينفي الحياة إن وقع؛ أما الداخل فسليم ونظيف و«مُعقّم». يهدد هذا التقسيم الاستضافة بمعناها الأكثر نبلاً، أي علاقة ودّ وصداقة مع الخارج وأفراده، ويستبدلها بعدوانيّة شديدة، لأن الخارج لا يهدد الحياة بمعناها الحيويّ فحسب، بل يهدد الداخل نفسه أيضاً و«يلوّثه».

يتحول المضيف إلى «حارس» في ظل علاقة العداوة هذه. ينفي الضيافة ويوظف التضامن الاجتماعي من مأمنه لخلق علاقة مع الآخر، تتجلى بالمرئيّة أو إثبات الانتماء للخارج وجماعة المعزولين عبر التصفيق على الشرفات أو تبادل التحيات مع الخارج. لكن الداخل ممنوع، لا يجوز المساس به، فـ «الحارس» يحُافظ على خليته الحيويّة ويدافع عن سلامتها حتى ضد نفسه إن اضطر للخروج، معقمات وأقنعة وتدابير منطقية وغير منطقيّة لحماية الداخل الذي لا يضمن من خرج منه مقدار تعرضه للخطر، وهذا ما نراه في سيناريوهات العدوى، التي يحاول بعض المرضى فيها استرجاع الطريقة الذي التقطوا بها الفيروس لتحديد المكان الخطر في الخارج بدقة، كصديقٍ وصف لي أنه أصيب بالعدوى من الأكياس المعلقة في محل البقالة، كونه لمسها ثم لمس وجهه «حسبما يذكر».

الإحساس بالأمن الحيوي الذي يختزنه الداخل تهدده قوانين الطوارئ، بعكس ما يشاع. بمعنى آخر، العداوة بين الداخل والخارج تعني أيضاً تحول الخارج إلى مساحة عدوانيّة في حالة تهديد الحياة، فالكثير من المصابين بالفيروس الآن يُترَكون في منازلهم إلى حين وصول الأعراض إلى مرحلة «خطرة»، ومن يتجه منهم إلى المشفى يُطرَد، ولا يتم استقباله. نعود هنا للاستثناء والطوارئ، وثنائيّة منزل وسجن، ففرنسا، مثلاً، قررت عدم إطلاق المعتقلين على ذمة التحقيق، وتركهم في الزنازين. الاتهام بالجريمة تحوَّلَ إلى عنف اعتباطي في حالة الطوارئ، والأمر ذاته في المنزل، فتقنين علاقة داخل وخارج ينفي الإحساس بالاستقرار الذي يفترض أن يؤمنه المنزل، وذلك بسبب استحالة البقاء فيه إلى الأبد. هناك مقومات حياة لا بد من «مغامرة» الخارج للحصول عليها، خصوصاً أننا لم نشهد بعد قرارات عزل لمناطق بأكملها، أي الحكم على مكان بأكمله و قاطنيه بالمرض، ما ينفي مفهوم داخل وخارج كلّه على حساب «مُربّع الخطر».

الداخل واختبار الذات

يدرك المُضيف دوره وما عليه من واجبات في زمن الاستضافة، ويختبر قدرته دوماً على خلق مناخ ملائم للزائر، خصوصاً أن أنشطة الداخل غير اقتصاديّة، بل حيويّة، قائمة على القدرة على الترفيه وخلق شعور بالأمان، كالولائم، والشرب، والجنس والاسترخاء والثرثرة. أنشطة يوميّة تحمل داخلها علاقات جسديّة مع الآخر وتختبر مكونات الداخل الحيويّة التي يدعمها النشاط الاقتصادي الخارجي. في ظل الحجر الصحيّ، تتلاشى الكثير من هذه الأنشطة، ويهيمن نظام التدبير المنزلي والحفاظ على استمرار الحياة في ظل المقومات المحدودة، ما يجعل الداخل/ المنزل مؤقتاً، كملجأ من القصف الجوي، «الحياة» فيه ترتبط بالاستمرار عبر الحفاظ على حياة الذات والعدوانيّة مع «الآخر» في الخارج.

اختفاء الاستعراض العلني من المساحة العامة، وتلاشي أنظمة الغواية بين «الداخل» و«الخارج» تحيل الجميع إلى كتلة بشريّة «داخليّة» تتبادل صورها، وصور طعامها، وزينتها الداخليّة، لإبراز اختلافها واستمرار نشاطها الاستعراضي. في حين أن من يظهرون في الخارج تُسبغ عليهم صفة الـ «أبطال» بأزياء موحدة وأصحاب «مغامرات»، لكن هذه «البطولة»، السياسية نوعاً ما؛ ترتبط بدقة بالحياة وقيمتها، سواء كان من في الخارج طبيباً أو شرطياً. لن نكرر كلام ميشيل فوكو وجورجيو أغمبين وتجليات السلطة البايوبوليتيكية أو الاستثنائيّة، لكن تحول الخارج إلى ساحة معركة ضد العدو الخفي جعل الداخل حصناً في بعض المناطق: تخزين الطعام، تخزين السلاح، والرهان على فناء الخارج واستعادة سيناريوهات نهاية العالم في بعض المناطق، جعلت تقسيمات الصديق- العدو التقليدية أبعد من أن تكون قراراً سياسياً، وأصبحت على أساس شخصي يرتبط بالحق في الدفاع عن النفس ربما، أو تعيين العدو بناء على خصائص ثقافيّة لا ترتبط بالتشخيص الطبي، بل بالخوف والرعب.

جحيم الداخل

علاقة داخل وخارج اقتصاديّة بالنسبة لكثيرين، ونظام الاستضافة الطارئ أو الودّي قائم على أساس تقسيم الزمن الداخلي والاستعداد لزيارة الآخر. هذه الزيارات والأنشطة المشتركة قائمة على التسليم بـ «الصحة»، لكنها ترتبط بمخزون مقدرات الحياة بين «الأصحاء». مفاهيم الكرم والسخاء والاستضافة في العلاقة بين المضيف والمستضاف، مهددة؛ خصوصاً وأن تدفق الزمن خارج الوقت الاقتصادي يرتبط بإيقاع الجسد نفسه ورغباته، والطاقة اللازمة للحفاظ على استمراره. أي، ولو بصورة مستفزّة، سؤال طقس الطعام والوليمة كعلامة على العلاقة مع الآخر أصبح مهدداً لدى الطبقات الأقل دخلاً.

غياب العلاقات مع الآخر والاستعراض أمامه في الخارج، أدى إلى زيادة العنف المنزلي، ذاك الناتج عن خلل في العلاقات بين «أصحاب المنزل». صحيحٌ أنَّ هناك صلة مع الخارج العلنيّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، لكنه يبقى أداءً من نوع ما، خاضع لتحديقة الكاميرا، التي بدونها وبدون احتمالات المشاهدة من قبل غرباء، يُصبح الزمن أبطأ، ويتدفق في الداخل ثقيلاً يُحاكم الفرد فيه ذاته وعلاقته مع هذا الآخر الذي وجد نفسه «أسيراً» معه، ليتعمّق الاختلاف الذي يتم تجاهله دوماً، الاختلاف الذي يُدفع عادة إلى مؤخرة الرأس بسبب توافر زمن لا يحضر فيه الشريك/الضيف الدائم. إن عادة الزمن الفردي وزمن التواجد مع الشريك لا يتطابقان، بعكس حالة الحجر الذي تتطابق فيها الأزمنة، خصوصاً أن التحديق متبادل، ودائم، وذو أثر يمتدّ في الزمن، فمن يُفترض أنه يتشارك السيادة على الداخل يتحول إلى مرآة للاختلاف العميق، ومسائلة للذات التي تكتشف نقصها عبر نقص الآخر واستحالة الاكتمال حتى بوجوده ، ليتحول الشريك إلى ضيف دائم أو مضيف دائم، يزداد الاختلاف بينه وبين الشريك كلما تكشفت تلك التفاصيل المختلفة والعادات شديدة الذاتيّة، وقد يتحول المنزل /الداخل إلى مساحة ضد الضيافة، وضد الاستقرار، في ظل غياب احتمال المغادرة أو الهروب.