ضفة الفرات الشمالية: المعارك والاستعصاء الطويل

 

في أواخر العام الماضي، وقبل الانتهاء من معركة الرقة، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية عن إطلاق معركة عاصفة الجزيرة بمساندة التحالف الدولي، وذلك بهدف معلن هو «تحرير دير الزور من تنظيم داعش»، فيما كان الهدف الفعلي منها هو السيطرة على كامل الضفة الشمالية للفرات «الجزيرة» فقطـ، وفق التفاهمات الروسية الأمريكية. ومنذ بداية العام الجاري، تقدمت تلك القوات بسرعة لتسيطر على كامل الريف الغربي لدير الزور شمال نهر الفرات في المرحلة الأولى، ثم معظم الريف الشرقي في المرحلة الثانية، لتتوقف بعدها على أطراف مدينة هجين أواسط آذار الماضي، ثم تطلق بعدها المرحلة الثالثة لاستكمال السيطرة على الضفة الشمالية للفرات في أيار، وهي المرحلة التي توقفت منذ نحو أربعة أشهر بعد إحراز تقدم طفيف على عدة محاور.

حاول التنظيم عدة مرات فك الحصار المفروض عليه منذ آذار في ضفة الفرات الشمالية، في المنطقة الممتدة من مدينة هجين 95 كم شرق مدينة دير الزور حتى قرية الباغوز بالقرب من البوكمال على الحدود العراقية السورية على بعد 135 كم شرق مدينة دير الزور، والتي تمتد على مساحة تبلغ نحو 500 كم مربع. وكانت آخر المحاولات في شهر حزيران الماضي، عندما هاجم قرى في ريف البوكمال محاولاً فتح معبر نهري عبر ضفتي الفرات لتسهيل التنقل لمقاتليه، لكنه فشل في محاولته التي كانت ترمي للسيطرة على مدينة البوكمال، ومن ثم إعادة توزيع عناصره على ضفتي النهر.

حاولت قسد خلال الأشهر الأربعة الماضية معاودة التقدم عدة مرات، إذ أعلنت بتاريخ 15 آب 2018 عن عملية للسيطرة على مدينة هجين، لكنها توقفت مجدداً بعد أيام من انطلاقتها. ثم أعادت الكرة بتاريخ 9 أيلول الجاري، عندما أعلنت مجدداً عن انطلاق المرحلة النهائية لإنهاء نفوذ داعش تحت شعار «دحر الإرهاب».

خلال مراحل المعارك، كانت قسد قد سيطرت بدعم من الجيش العراقي على معظم الحدود العراقية السورية شمال الفرات، لتمنع دخول وخروج عناصر التنظيم وتحرمهم من التواصل فيما بينهم، معتمدة على استراتيجية حصار التنظيم في مساحة جغرافية صغيرة والتضييق عليه لإجباره على الاستسلام. ولتحقيق هذا الهدف، تعتمد قسد في معاركها على تنفيذ الهجمات من ثلاثة جبهات رئيسية.

الأولى هي الجبهة الغربية على أطراف مدينة هجين وقرية البحرة، حيث تحاول قسد بدعم من طيران التحالف التقدم داخل المدينة، لكنها في كل مرة تفشل في تثبيت سيطرتها لتنسحب من جديد نتيجة المقاومة الشديدة لعناصر التنظيم. والجبهة الثانية هي من جهة البادية والحدود العراقية شمالاً، على خط هجين أبو الحسن الشعفة، وأيضاً فشلت في التقدم عليها للسبب ذاته.

أما الجبهة الثالثة فهي من جنوب شرق المنطقة على الحدود العراقية السورية، من منطقة قرية الباغوز قرب البوكمال شمال النهر مباشرة، حيث نجحت بالتقدم على محور الباغوز - موزان - جسر الباغوز باتجاه جسر الخشب، وذلك بعد معارك كر وفر استمرت لأسابيع، وقصف مركّز للمنطقة من قبل طيران التحالف وبمشاركة من القوات العراقية، لكنها عادت وتراجعت جزئياً يوم أمس بعد هجمات معاكسة لعناصر داعش.

يرجع التقدم البطيء لقسد إلى المقاومة العنيفة من قبل عناصر داعش، الذين يخوضون معركتهم الأخيرة التي يعتبرونها معركة حياة أو موت، وهم يعتمدون على معرفتهم الكبيرة بالأرض بحكم وجودهم طويل الأمد فيها وتحصينهم لها بشكل جيد، كما يعتمدون على الطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تنحصر بين سرير النهر والبادية في شريط ضيق لا يزيد عرضه عن 10 كم، تتخلله في منطقة الباغوز كثافة عالية للأشجار والبساتين، ومناطق نهرية تضم جزراً صغيرة معروفة بالـ «الحوايج»، وتلالاً صغيرة ومغاور معروفة محلياً بـ «كهفة الباغوز». كذلك فإن استراتيجية الكمائن والسيارات المفخخة والألغام والهجمات الخاطفة التي يسميها عناصر التنظيم «الإغارة»، وضعف دور الطيران وفعاليته بسبب ضيق المساحة والالتحام المباشر، كلها عوامل تجعل من التقدم أمراً بالغ الصعوبة.

لكن ثمة عاملاً آخراً يلعب دوراً في عرقلة حسم المعركة، وهو عدم اكتمال الترتيبات المتعلقة بإدارة المنطقة بعد انتهاء المعركة مع داعش، ما قد يدفع قسد والتحالف إلى تأجيل حسمها بانتظار استكمال تنظيم العلاقة بين المكونين العربي والكردي في قسد من جهة، وبين الولايات المتحدة وروسيا والنظام وإيران من جهة أخرى. كذلك يلعب الوضع المتوتر داخل صفوف قسد بين المكونين العربي والكردي دوراً في عرقلة الحسم، إذ أن كثيراً من مقاتلي الفصائل العربية المنضوية في قسد، والتي تقاتل على جبهات دير الزور، هم من أبناء مناطق دير الزور التي تسيطر عليها قسد، والتي تشهد توتراً ظهر مؤخراً من خلال عدد من الصدامات والاحتجاجات. ومما يشير إلى حجم هذا التوتر وعدم الثقة، الأحاديث المتكررة عن أن قيادة قسد تزجّ بالمقاتلين العرب في الصفوف الأمامية على الجبهات للخلاص منهم، وإذا كان لا سبيل للتأكد من هذا الأمر استراتيجية تتبعها قسد، فإن مجرد تكرار الحديث عن هذا الأمر يشير إلى عمق الأزمة.

إنسانياً، يعيش المدنيون الباقون في مناطق سيطرة التنظيم، والذين يقدر عددهم بالآلاف دون إمكانية الحصول على أرقام دقيقة، أوضاعاً بالغة السوء منذ أشهر طويلة، مع انعدام الخدمات والأمن وشدة القصف، إذ يتم دفن الجثامين في المناطق المجاورة للمنازل، حتى أن جثاميناً تبقى لساعات أو أيام حتى يتم انتشالها.

كذلك هو حال النازحين من مناطق الاشتباكات، إذ كان استيفان دوغريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة قد قال إن «المعارك الأخيرة أسفرت عن تهجير 30 ألف مدني، نزحوا إلى مخيمات مؤقتة في البادية على أطراف هجين والبحرة، وهم يعانون من سوء الخدمات وعدم إمكانية الوصول إليهم». ويعاني هؤلاء المدنيون بما فيهم الأطفال والنساء من سوء الأحوال الصحية وغياب الرعاية، ومن سوء الأحوال الجوية كالحرارة والغبار، وعدم وجود مياه نظيفة للشرب أو للاستعمال الشخصي.

في ظل عدم وضوح شكل العمليات العسكرية ومسارها، وتردد قسد والتحالف في حسمها، ومقاومة عناصر التنظيم المستميتة، يبدو أن المأساة ستستمر وقتاً مفتوحاً، مع إغلاق الحدود بشكل كامل، وحصار تلك المناطق، وتراجع الأمل بالتوصل إلى حلّ ينهي الوضع الراهن.