طريق الغاردينيا

هذا النص هو أول نصوص المشاركين في زمالة الجمهورية للكتّاب الشباب 2017. ستُنشر مواد المشاركات والمشاركين في الزمالة صباح كل يوم خميس خلال الأسابيع المقبلة. 

كثيرٌ من الهدن عقدها مقاتلو حي الوعر المحاصر مع قوات النظام منذ تشرين الأول 2013، ذلك قبل أن يتم إخلائه في أيار 2017، لتصبح مدينة حمص بكاملها تحت سيطرة النظام، وكان الوعر آخر أحيائها الثائرة. وفي ثلاثٍ من هذه الهدن، فُتِحَ الطريق أمام المدنيين الراغبين بزيارة الحي والراغبين بالخروج منه للزيارة.

طريقٌ واحد في المرات الثلاثة، لا يزيد طوله عن 1500م، حَمَلَ كثيراً من القصص التي رواها الأهالي شفاهاً لأبنائهم خلال الزيارات. تشترك قصصهم بالمعاناة التي عاشوها في الطريق رغم قصر مسافته، لكنها لم تكن عائقاً أمام الشوق الذي دفع الآلاف للزيارة، منهم من ذهب ليزور عائلته وأبناءه، ومنهم من ذهب ليزور بيته.

يخترقُ الطريقُ بساتينَ المدينة ونهر العاصي الذي يمرّ فيها، اللذان يفصلان الوعر عن بقية أحياء حمص، ويمكن تقسيمه إلى قسمين؛ بدايةً من دوار الغاردينيا في حي الغوطة الواقع تحت سيطرة النظام حتى مطعم دوار المهندسين على نهر العاصي، والذي يطلق عليه الحمامصة اختصاراً «دوار المهندسين»، ومن الأخير بعد تجاوز العاصي وبقية البساتين إلى أول نقطة في حي الوعر الثائر على النظام.

حكاية هذا الطريق خلال فترات الهدنة ترويها لنا «زينة»، الطفلة التي خرجت من الوعر في العام 2013، والشابة التي دخلته للمرة الأولى بعد سنتين ونصف، خلال الهدنة الأولى مطلع العام 2016، التي سُمح فيها بالدخول إلى الحي. كما دخلت إلى الحي أيضاً خلال الهدنتين الثانية والثالثة، وقد أصبحت الآن مع إخلاء الحي نهائياً طالبة جامعية على وشك التخرج.

هذا النص هو تجربة «زينة» في الدخول إلى الحي المحاصر، عبر الطريق الذي قَطَعَته لتتفقد ذاكرتها وذكرياتها المرتبطة بالمكان والبيت والطفولة، وهي تجربة مشابهة للآلاف من تجارب الناس الذين عبروا الطريق نفسه.

(1)

كان لا بدَّ من ترك البيت، هكذا قرَّرَ أهلي، كان لدي امتحانُ بكالوريا ومستقبلٌ ينتظرني، والدراسة بحاجة إلى تركيز، وكنتُ قد قضيتُ معظم ليالي الأيام الأخيرة وأنا أدرس في الحمام، المكان الأكثر أماناً في البيت.

كنتُ أتوقعُ أن أعود قريباً، بعد الامتحان على الأكثر. لم أعرف رأي أهلي في الأمر ولم أسأل، لم أكن أتخيل أنني سأعود إلى الوعر زائرةً تحمل ورقة صغيرة جداً هي جواز سفري للعبور إليه، جواز سفر مؤقت محدد بموعد الدخول ومحدد بموعد الخروج، فيزا سياحية إلى البيت الذي نشأتُ فيه، والحي الذي أعرفه ويعرفني، أحفظ تفاصيله ويحفظ طفولتي.

أعلنوا الهدنة بعد سنتين ونصف من خروجنا من الوعر، وفتحوا باب التسجيل لمن يرغب بزيارته، وأنا بالتأكيد أرغب، أرغب جداً، لكن أموراً كثيرة كانت تتنازعني، الشوق أحياناً والخوف دائماً، الخوف من أن أرى ما لا أحب رؤيته؛ الدمار الذي أصاب ذاكرتي وذكرياتي.

(2)

أناسٌ كُثُر كانوا على باب مبنى المحافظة الذي انتقلت مكاتبه إلى الملعب البلدي، أو خالد بن الوليد كما يحبون مناداته منذ سنوات قليلة سبقت الثورة. هذا الانتقال جاء بعد إخلاء مبنى المحافظة قرب الساعة الجديدة عقب حصار حمص القديمة، والمكتب الذي اتخذته المحافظة للتسجيل يقع على وجه الدقة في الجهة الخلفية من الملعب، من جهة حي الوعر، قرب المنصة الرئيسية، وتحديداً عند بداية شارع «الخراب»؛ وهو واحد من ثلاثة شوارع تخترق بساتين حمص باتجاه الوعر، الطريق الثاني هو طريق الغاردينيا الذي سيكون معبراً لنا إلى الوعر، والثالث هو طريق الميماس الذي سيبقى مغلقاً.

بإمكان أي شخص يقف في نهاية شارع الخراب في حي الوعر أن يرى الملعب، كما بإمكاني وأنا أمام مكتب المحافظة الجديد، في بداية الشارع، رؤية مآذن جامع الرئيس في الوعر، لكنني لا أرى إلا الخَراب. غريبٌ هو اسم الخراب، من كان يعرف قَدَرَ هذا الشارع فاسماه بهذا الاسم؟ من كان يتوقع أن يصبح خراباً كما هو الآن؟

قبل أن أدخل مكتب المحافظة الجديد، رأيت الوعر في الأفق. الخراب الذي نراه في الصور، والذي سنراه بالعين المجردة بعد استخراج الورقة من مكتب المحافظة، جعلها بعيدة بما يكفي رغم الأمتار القليلة التي تفلصنا، وقريبة بما يكفي كي لا أنسى تفاصيل تفاصيلها، التفاصيل التي أحب أن تبقى عالقة في ذهني فقط؛ الحي الهادئ الوادع، البعيد عن صخب المدينة، والذي قَرَّرَ في غفلة عنها أن يبتعد قدر الإمكان، فاختار أن تفصله عن بقية أحيائها البساتينُ ونهرُ العاصي.

الحيّ المميز بتنظيمه الهندسي، على عكس عشوائية البناء التي تسود بقية أحياء حمص، حيٌّ لا يرغب كثيرون بسكنه لأنه بمعاييرهم بعيدٌ وباردٌ، طقساً وطقوساً، كونه أحدث أحياء حمص وأبعدها، وأنا وحدي أراه حنوناً ودافئاً. ألا يكفي أن يكون كذلك لمجرد أنه أحتضن طفولتي ومراهقتي؟!

الورقة التي أستخرجها ويستخرجها كل هؤلاء الناس هي طريقنا نحو الخراب الذي صاره الحيّ. ملفتٌ جداً أن معظمهم نساء، أمهاتٌ ورجال كبارٌ في السن، أولادهم هناك وزيارتهم في سجنهم فرصة قد لا تُعوَّض.

الإجراءات في المحافظة تُختَصَرُ بوجود هوية شخصية، مكان القيد فيها الوعر، أو ورقة سند ملكية أو عقد إيجار لبيت ما في الحي ولو كان وهمياً، كما أن ورقة من مختار الوعر الموجود خارجها مع ورقة من فئة ألف ليرة سورية ستمنح أي شخص سند إقامة، المهم أن يرى الناس أبناءهم؛ الأبناء الذين يُنعَتون من قبل موظفي المحافظة بالمسلحين، لذلك يطلبون منّا عند التسجيل عدم الاستعجال حتى خروج هؤلاء الأبناء – المسلحين، خوفاً علينا كما يدّعون؛ يعلمون ويتغافلون أن انتظار معظم الناس، انتظارهم بالساعات في هذا مكتب للحصول على فيزا تسمح لهم بالدخول، كان من أجل هؤلاء الأبناء فقط.

انتظرتُ طويلاً حتى حصلتُ على هذه الورقة، التي تتضمن اسمي ورقماً اختاروه ليكون جواز عبوري، مكتوبَين على عجلٍ بخط أزرق غير منتظم. الاسم والرقم نجدهما على الحاجز الذي وُضِعَ عند مؤسسة الكهرباء قبل دوار المهندسين تماماً، في طريق الغاردينيا باتجاه الوعر، هذا الرقم الذي يكلف انتظاراً طويلاً وحرقة دم وشوق وخوف.

(3)

وصلنا إلى دوار الغاردينيا في حي الغوطة، لا أعرف تماماً من أين أتى اسم الغاردينيا ليطلَقَ على الدوار والطريق الذي يصله بدوار المهندسين، أمي تقول لي إن الاسم آتى من مطعم كان هنا فيما مضى، ربما قبل أن أكون في هذه الحياة، اسمه الغاردينيا وحل محله البرج الآن، البرج الأعلى في حمص والذي كان جزءً من حلم حمص. كنتُ أفضّلُ لو أن أحدهم زرع غاردينيا يوماً ما هنا، فاتخذ الدوار اسمه منها، بدل المطعم الذي لا أعرفه والبرج غير المكسي الذي حلَّ حله، البرج صاحب الظلّ الثقيل على المدينة، الذي تسبب بقتل كثيرين برصاص قناصين لا يعرفون الرحمة.

فرقٌ كبيرٌ بين طريق الغاردينيا قبل الثورة وحاله أيام الهدن، كان الطريق بالنسبة لي مجرد طريق نقطعه عابرين بالسيارة. كنتُ أشعرُ أنه طويلٌ جداً رغم أن طوله لا يزيد عن مئات الأمتار. لم أفكر يوماً أن أمشيه على الأقدام، فالبساتين التي تبدأ من بعد دوار الغاردينيا بعشرات الأمتار فقط، تجعل الطريق موحشاً. كنتُ أشعرُ بالخوف لمجرد التفكير بالمشي من دوار الغاردينيا إلى حي الوعر، لكنهم خلال هذه الهدنة يجبروننا على ذلك حتى نصل إلى البيت من جديد، حتى نتفقد ذكرياتنا هناك، هل بقيت موجودة أم أنها قُصِفَت؟!

لكن رأيي تغيّرَ الآن، قمتُ بتعديل ما حَفِظَتهُ ذاكرتي سابقاً. الطريق ليس طويلاً كما كنتُ أشعر، اكتشفته الآن، اكتشفتُ أنه ليس طويلاً، لا أعرف السبب الحقيقي، ربما لأننا نقف على حاجزي النظام فترات طويلة، أو ربما لأنني متشوقة للمشي فيه والتدقيق في تفاصيله حتى أصل إلى الوعر.

الرقم الذي نحصل عليه بصعوبة بسبب الازدحام الكبير كان فيزا العبور لنا، نحتفظ بالورقة ونتأكد من وجودها مراراً، هي فيزتنا عند حاجز النظام. خلال الساعات الطويلة التي قضيتها منتظرة دوري، كنتُ أراقب فيها وجوه الناس، الناس تعبة من الوقوف الطويل، رجال ونساء وأطفال أحياناً، يحملون الأكياس والحقائب. كل امرأة موجودة على الحاجز كانت تحمل أكياساً فوق طاقتها، يتحاملنَ على أنفسهنّ من أجل أبنائهن. رأيتُ ما بداخل الأكياس مرات عدة خلال التفتيش الذي خضعنا له، كله طعام وطبيخ، لم أسأل أي واحدة منهن، لكنني لا أشكُّ أبداً أن كل امرأة تطبخ لابنها ما يشتهي، فالحصار الذي مرّ عليهم لا يشعر به إلا أهل الحصار، وقلوب الأمهات.

لن تجد شاباً بين الداخلين إلى الحي، الشباب في الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام قلّة، وبالتأكيد من غير المُحبذ زيارتهم للحي الثائر، الناس تعبة جداً من الوقوف، متوترة من حاجز النظام ومترقبة للوجه الذي ينتظرها عند حاجز الثوار.

(4)

دوار الغاردينيا هو بداية الطريق. بعد الدوار بأمتار قليلة، أبنية من ثلاثة طوابق أو أربعة على اليمين وخلفها البرج الضخم، برج الغاردينيا. وعلى اليسار بضع أبنية أيضاً وخلفها فرع أمن الدولة، وبعد الأبنية تبدأ البساتين من اليمين واليسار، فما يفصل بين الوعر وبقية أحياء حمص البساتينُ والعاصي.

الحاجز الأول موجود قبل برج الغاردينيا بأمتار قليلة، عند فيلا طريف الأخرس، رجل الأعمال الحمصي المعروف والمقرب من النظام. نقف على الحاجز بالساعات، حتى نركب الباص الأخضر المخصص لنقلنا إلى الحاجز الثاني عند مؤسسة الكهرباء، خمسمائة متر تقريباً تفصلنا عنه، لكنهم يجبروننا على ركوب الباص الأخضر بالعشرات، فوق طاقته الاستيعابية بدرجات؛ يبدو أنه مقدّرٌ على الجميع في هذا البلد ركوب هذا الباص!

تجاهلتُ الحاجز، واستغليّتُ الازدحام الكبير جداً وتجاوزتُ الباص لأمشي حتى الحاجز الثاني، البساتين الآن على يميني ويساري، عشراتُ الأمتار من الدوار حتى الحاجز الثاني، وطريق ينخفض قليلاً عن مستوى الأرض التي نقف عليها عند دوار الغاردينيا. نصل إلى مؤسستي الكهرباء على اليمين والمياه على اليسار الواقعتين في البساتين، وأمامنا تماماً -وكأن الطريق لمن لا يعرفه مسدود- مطعم دوار المهندسين، الذي أعادوا ترميمه قبل افتتاحه الجديد الذي لم يتم حتى الآن، وخلفه نادي المهندسين، بينما الطريق ينخطف قليلاً نحو اليمين ثم اليسار ليتابع إلى الوعر.

قبل دوار المهندسين، بأمتار قليلة، وتحديداً عند مؤسسة الكهرباء، يقع حاجز النظام. الحاجز عبارة عن خيمة لليونسيف يتم فيها تفتيش ما يحمله الناس، ثم طاولة عليها بضعة عناصر يقومون بتفتيش الهويات والأرقام المسموح لها بالدخول هذا اليوم. بعدها غرفة مسبقة الصنع أشبه بالحبس، فيها كرسي واحد لتستريح عليه الشرطية المخصصة لتفتيشنا نحن النساء تفتيشاً جسدياً، شرطية تدّعي أنها تؤدي عملها كما هو ظاهر، لكنها من الممكن أن تقوم بسرقتنا عيناً أو خفية.

بينما في الجهة المقابلة من الشارع، أي عند مؤسسة المياه، حاجز أخر لكنه مخصص للراغبين بزيارة المدينة من الأهالي المحاصرين في الوعر. لم أتمكن ولا مرة من المرات التي زرت فيها الوعر خلال الهدن من التدقيق في تفاصيل هذا الحاجز جيداً بسبب الازدحام الكبير عليه، رغم أنه في الجهة المقابلة من الشارع، بيننا عشرة أمتار فقط. الشيء الوحيد الذي ميزتُهُ هو العبارة الموجودة خلف الحاجز للرئيس الأب، التي كنتُ أقرأها دائماً على عجل ولا أقفُ عندها عندما نمرّ بالسيارة، لكنني الآن أقرأها وأقرأ مضمونها الذي جعلوه مخالفاً للواقع بأيّ حال: «إن الإنسان هو الذي يبني الوطن وهو أساس كل بناء وتقدم ونهوض». ربما قصدوا الإنسان الذي حبسوه في حي لا تزيد مساحته عن ثلاثة كيلومترات مربعة لسنوات.

العناصر في حالة عصبية دائمة، أحياناً تبدو لي حقيقيةً بسبب الازدحام وكثرة الناس وربما بسبب الجوع والطقس، وأحياناً تكون مفتعلةً بشكل واضح لإغاظة الناس؛ العصبية التي نقابلها مضطرين بالهدوء حتى نستطيع الدخول بسرعة، بأسرع وقت ممكن.

قصص عذاب كثيرة تقابلها هنا، أكثرها عذاباً بالنسبة لي كان صوت امرأة تكلم نفسها بصوت مسموع: «والله مشفى البرّ ما كانت تبين من هون». ذهلتُ للحظة، حقاً المستشفى، ورغم علو طبقاتها، كانت الأبنية وأشجار البساتين تخبئها عن الأعين. الآن لا بيوت ولا أشجار تستر ضخامتها. فكرتُ كثيراً لحظتها بالعودة، خفتُ كثيراً من رؤية ما لا أرغب في رؤيته، خفتُ على ذاكرتي وذكرياتي.

(5)

جاء دورنا، سلَّمنا الهوية والرقم للعنصر، دوّنَ المعلومات على ورقة أمامه، ثم إلى التفتيش. بعد مرحلة التفتيش شعرتُ براحة كبيرة، هنا بدأت متعتي مع ما بقي لي من الطريق، إني أشمُّ رائحة العاصي، الرائحة التي افتقدتها زمناً طويلاً، الرائحة التي تربطها ذاكرتي تلقائياً بالوعر، بالبساتين، بشقائق النعمان، بالهواء النقي الذي تفتقده المدينة. كل هذه الأمور تنسيني طول الطريق الذي أمشيه بكامل إرادتي، فلا باص أخضر هنا، فقط علم أخضر وأبيض وأسود ونجوم حمراء تلّوِّحُ لنا من بعيد.

أول من قابلتهم من حارتي أطفالٌ يجرّون عرباتٍ لنقل أغراض الناس من دوار المهندسين إلى داخل الوعر، متجاوزين حاجز الثوار نحو حاجز النظام. يبدو الأطفال أقوياء رغم وجوههم النحيلة، رأيتهم مرة وهم يرمون حاجز النظام بالحصى المتناثر على الطريق ويضحكون بشدّة، راقبتهم بفضولِ من يكتشفُ شيئاً جديداً. أريدُ معرفة بقية القصة التي تحصل أمامي؛ لحق أحد العناصر بالأطفال، لكنهم كالبرق أصبحوا أقربَ لحاجز الثوار، ضحكاتهم كانت صاخبة، لا تعرف الخوف.

الجزء الواصل بين حاجز النظام وحاجز الثوار، بين دوار المهندسين وبداية الوعر، كان الأجمل. العاصي كان جميلاً رغم طوفانه، وضعوا «بلوكات» وردموا أجزاء منه بالحصى حتى نستطيع المرور، فالعاصي وصل للشارع وأغرق المكان. أحد الأطفال لم يهتم للأمر، كان يغرد خارج سرب العربات، يقف على طرف العاصي وهو يقفز ويضحك ويقول: «وأخييييييراً... صدتُ سمكة». فَرَحهُ شَوَّقني، طلبتُ منه أن يُريني إياها، قال بفرح يشبهه: «ليكيا عم تسبح بأيدي».

المسافة بين حاجز الغاردينيا وحاجز مؤسسة الكهرباء عند دوار المهندسين تماثل المسافة بين دوار المهندسين وحاجز الثوار، لكنني لم أشعر بطولها أبداً، دقات قلبي المتسارعة مع خطواتي أنستني الأمر، كل خطوة اقترب فيها من الوعر أشعر أن قلبي يقفز من مكانه يريد أن يصل قبلي، أُقنعه راجيةً أن يهدأ حتى نصل سوياً؛ وصلنا... وصلنا وأخيراً إلى الحاجز الأخير، وصلنا إلى الوعر، وصلتُ إلى حارتي.

(6)

وصلنا إلى حاجز الثوار، الذين بادروني بكلمات قليلة كسرت حاجز خوفي، الخوف على الذاكرة الذي أشعر به: «الحمدلله عالسلامة». رغم الأمتار القليلة بين الغاردينيا والوعر إلا انها تحتاج أكثر من «الحمد لله عالسلامة». يقولونها بوجوه ضاحكة، لكن الحزن الكبير في العيون لا تخفيه أي ضحكة، وإن لم تلمح الحزن في العيون ستلمحه بالتأكيد في معالم الحارة التي أصبحت مختلفة كثيراً: شارع الميتم، شارع الرئيس، شارع مستشفى الوليد، شارع المعارض، شارع بيتي... حتى بيتي نفسه! كل شيء تغير. وَصلَتْ الوعر التي كان اسمها الرسمي حمص الجديدة إلى سنّ شيخوختها، لكنني مع ذلك اعتدتُ هذه الشيخوخة فوراً، أحببتُ كل ما فيها، من حواجز ومتاريس وحيطان، حتى الأحواض المزروعة في الشارع، الجدران التي بُنيت من أجل القناص، أحدها يبدو وكأنه جزء من سور قلعة أثرية نسيه الزمن هنا وليس مجرد حائط لتفادي الرصاص، الرسومات على الأبنية المدمرة وعلى الحيطان، الشِعر المكتوب هنا وهناك، كل ذلك اعتدتُه فوراً، أحببتُه وجعلتُ له حيزاً في ذاكرتي إلى جانب ما أحفظه من ماضٍ.

(7)

أُخلي الحيُّ الآن من سُكانه وثواره، ومن النازحين إليه منذ خمس سنوات. كان ذلك في أيار 2017، هُجِّرَ الأهالي وأُزيلَت الحواجز الثلاث، وأقاموا حاجزاً واحداً للنظام مكان حاجز الثوار تقريباً، إلا أن طريق الغاردينيا سيبقى في ذاكرتي مُقسَّماً إلى قسمين وثلاثة حواجز.

لم أعد أمشي هذا الشارع كما مشيتُه أيام الهُدن، نمرُّ فيه الآن كما كنّا قبل الثورة، لكن ذكريات الطريق تَرَسَّخَت في رأسي وارتسمَت على الشكل الذي كانت عليه أيام الهدن، ومهما تغير فيه لاحقاً سيبقى هو نفسه، سيبقى في ذاكرتي الطريقَ الذي مشيتُه يوماً خائفةً ومشتاقةً حتى أصل إلى الوعر، حتى أصل إلى ذاكرتي.