طفل سوري في مخيم حندرات

 

على مساحة 0.16 كيلو متر مربع، وفي منطقة طرفية تبعد عن مركز مدينة حلب نحو أربعة عشر كيلو متراً، أُقيمَ مخيم عين التل الفلسطيني في سوريا، الذي يعرف بمخيم حندرات نسبة للقرية السورية المجاورة له. هو أحد المخيمات الخمسة غير المُعترَف بها رسمياً من أصل أربعة عشر مخيماً تتوزع في الجغرافيا السورية، وكانت تضمّ جميعها معاً نحو 560 ألف فلسطيني عام 2011، وذلك  بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، التي تُقدِّرُ أنه لا يزال نحو 440 ألفاً منهم في سوريا، فيما لجأ أكثر من مئة ألف إلى خارج البلد خلال سنوات الحرب.

يتذيل مخيم حندرات قائمة المخيمات من حيث عدد السكان، إذ كان يضم نحو 8 آلاف شخص قبل العام 2011، معظمهم ينحدرون من مدن حيفا وقراها (عين غزال) وصفد وعكا وقراها (كفرلام، الزيب، إجزم، الطيرة، ترشيحا، النهر)، وقرى سهل الحولة (الزوية، الخالصة)، وقرية حطين في قضاء طبريا.

تأسَّسَ المخيم، الذي لم يشهد حضوراً للخيام مطلقاً، عام 1962، وشهد توسعات لاحقة منذ ذلك الوقت، وخاصة في منتصف الثمانينيات، ثم مشروع تأهيل سكان مخيم النيرب في حلب عام 2002، الذي تضمَّنَ نقل 300 عائلة من المخيم الأخير إلى حندرات لتخفيف الضغط السكاني عنه.

ولدتُ هناك

لم أكن فلسطينياً، ولكن عائلتي ربما كانت العائلة السورية الوحيدة التي عاشت داخل مخيم حندرات لسنوات طويلة، وأعني داخل المخيم لا على أطرافه، إذ كان يفصل بينه وبين مقطع الشاهر وقرية حندرات شارع واحد من جهة الشرق. من الغرب يقع حي يُطلق عليه اسم «حارة الأكراد» نسبة للكرد الذين يسكنونه، ومن الجنوب تفصله مئات الأمتار عن حي العويجة، وشارع رئيسي واحد عن البساتين التي تسكنها عائلات سورية تعيش على الزراعة وبيع حليب المواشي، أما في الشمال فلا أحد، تلالٌ وتلالٌ كانت تُعرَفُ بـ «الجبل» وتضم مقالع الحجر.

تقول والدتي إنني ولدتُ في بيت «نبيل». تٌكرِّرُ ذلك دائماً على مسامعي، ويشرق وجهها دائماً، ليس فرحاً بقدومي أنا آخر العنقود في بيتنا، لكن لتذكرها الحياة التي عاشتها في المخيم، رحلتها الأولى خارج قريتها في جبل الزاوية، قبل أن يولد أخي الذي يكبرني بنحو سنتين. كنا أنا وهو الوحيدان اللذان سجلت في شهادة ميلادهما حلب، خلافاً لمن سبقنا من إخوتي العشرة.

mkhym_hndrt-web-2.jpg

مخيم حندرات في الثمانينات، وفي أقصى يمين الصورة يظهر بيت عائلة الكاتب وقتها: موقع الأرشيف للمتحف الفلسطيني

أُخبرها أنني سأكتب عن حياة المخيم، لتبدأ بسرد قصص طويلة عن رحلتها الأولى نحو المدينية، من القرية التي عاشت فيها نصف عمرها قبل أن تلتحق بوالدي في منتصف السبعينيات، الذي كان موظفاً في معمل الإسمنت في المسلمية في حلب. موقع مكان عمله دفعه للسكن في المخيم، تقول والدتي «لا أعرف كيف استطعنا الحصول على منزل للإيجار هناك، لكنهم احتضنونا كعائلة لنحو 15 سنة، تنقلنا فيها على أكثر من خمسة منازل، جميعها كانت في الحارة الغربية من المخيم».

شخصياً، لا أذكر من هذه البيوت المستأجرة سوى بيتين، قبل أن ننتقل إلى مدينة هنانو خارج أسوار المخيم، لكن علاقة شخصية تربطني بالمكان، أستطيع أن أُعنونها بعناوين كثيرة (الاندماج واللهجة، الطعام، اللباس، المدرسة، الخوف، الوحدة، التدخين، الصداقة، الفقر، أحلام اليقظة، الجَبَلَة، سكة الترين، ألواح الطباشير، كرة القدم، الوعي السياسي، الحذر الدائم، ووجه الحاجة أم عفيف).

على يدي القابلة أم رفيق وُلدتُ. تقول أختي إن أم رفيق زارتني لسبعة أيام متتالية، «حممتني وملحتني وطلت جسدي الرقيق بالريحان»، وإن جاراتنا الأخريات كُنَّ يَزُرنَ والدتي كل يوم لمساعدتها بعد الولادة، وإنهم، بحق، كانوا عائلة، عائلتنا الكبيرة الجديدة.

لم يكن المخيم في ذلك الوقت قد بدأ بالتوسع العمراني، كانت بيوته «عربية من طابق واحد»، تمتد على شارعين رئيسيين تضيق المسافة بينهما وتتسع، ويحصُران بينهما المنازل شبه المتلاصقة التي يفصل بينها ما يطلقون عليه اسم «الزوابيق»، وهي ممرات ضيقة لا تتسع لرفيقين يسيران جنباً إلى جنب.

شمال الشارع العلوي كان بعض السكان قد بنوا بيوتهم ليشكلوا أحياء جديدة، وفي منتصفه تقريباً يتفرع الطريق إلى طريقين، يكمل أحدهما الشارع الرئيسي، أما الثاني فكان ترابياً يتجه نحو الجبل، ويضم مدرستين، الأقرب منهما للإناث، وسُميت «الزيب» نسبة إلى قرية فلسطينية، والبعيدة على التلة للذكور، وتسمى «ناصر الدين» أيضاً نسبة إلى قرية أخرى. تضم كلّ من المدرستين تسعة صفوف حتى التاسع، وتدعمهما وكالة الأونروا.

«أكلت تلك الطرق من لحم أقدامنا»، يقول الذين استذكرتُ معهم تلك السنوات من إخوتي العشرة الذين تقاسمت معهم حياة المخيم، ثمانية منا أكملوا تعليمهم في هذه المدارس، وعاشوا طفولتهم أو مراهقتهم مع سكانه، وشَكَّلوا صداقات معهم.

نبيل الذي ولدتُ في منزله يملك في قلبي ذاكرتين استمرّتا حتى اليوم: بيته الذي ولدتُ فيه، والصورة الوحيدة لعائلتنا في المخيم، والموضوعة على دفتر الضمان الصحي حتى اليوم، ذلك أنه كان يعمل مصوراً فوتوغرافياً.

يقول أحد أبناء المخيم، وهو رفيق دراستي الذي أنهى تعليمه في كلية الحقوق ليتحول إلى لاجئ مرة أخرى في النرويج، إن المخيم بدأ يضيق بسكانه منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، وكان على أبناء المخيم أن يعثروا على حلول وجدوها في التوسع شمالاً، أو في الشمال الشرقي. كذلك بتنا نشهد أبنية طابقية، من طابقين أو ثلاثة، ليس وفق نظام الأبنية الشاقولية التي تسكنها عائلات منفصلة، ولكنها بيوت لعائلة واحدة استفادةً من الأسطح بهدف ضمان منازل للأطفال الذين كبروا وكونوا عائلات جديدة.

كانت حركة البيع والشراء قليلة جداً، ونادراً ما كان يُباع متر من الأرض في هذا المخيم المزدحم بالسكان ضمن مساحة ضيقة. جميع هذه البيوت لم تكن مسجلة في الطابو (السجّل العقاري)، فالأراضي مُستأجرة من الحكومة السورية من قبل الأونروا، ولكنها بفعل الزمن أصبحت بيوتاً لساكنيها، وتم تسجيلها في دائرة تعنى بتنظيم حياة فلسطينيي المخيمات.

ضيق المساحة هو المسؤول عن تراصّ هذه الأبنية وإشغال كل مساحة، «لم يكن البناء منظماً» يقول صديقي، وهناك تفاوت في شكل هذه الأبنية واتساعها، طوابقها وعدد غرفها، واجهاتها وألوانها.

سكة الترين

جنوب الشارع «التحتاني»، وعلى بعد ثلاثة أمتار أو أقل أحياناً، كانت سكة القطار أو «الترين» كما يطلق عليه أبناء المخيم. كان مروره في ساعات محددة، لمرتين أو ثلاث، يشكل ضجيجاً اعتاد عليه سكان المخيم وأَلِفوه، ولم يعد حدثاً سوى بالنسبة للصغار الذين يضعون على السكة بعض الأحجار الصغيرة والقطع المعدنية، ليمر القطار فوقها محولاً الحجارة إلى طباشير للكتابة على الجدران، والقطع المعدنية بسخونتها إلى مصدر فرح للأطفال.

جنوب السكة كانت تتوزع منازل قليلة لا يزيد عددها عن خمسة، ومسجد للحارة الغربية لم يكن هو الرئيسي فيها، بل كان مسجد آخر بالقرب من الجبل بين المدرستين هو المسجد الرئيسي، وإلى جانبه كانت مقبرة المخيم المزينة بشجيرات خضراء وبعض الأزهار، معظمها بشواهد بيضاء، وجزءٌ منها لشهداء فقدوا حياتهم في لبنان خلال عملهم مع التنظيمات الفلسطينية.

سكة الترين كانت جغرافيا تحدد المخيم وتفصله عن الأوتوستراد العريض، ويقول شخصٌ آخر ممن تحدثتُ معهم إن هذه السكة والجبل في الجهة المقابلة يُمثّلان حدود المخيم، أما في الجهتين الغربية والشرقية فقد كانت الحدود ديموغرافية، ترسمها حارة الأكراد وقريَتا حندرات ومقطع الشاهر، ليأخذ المخيم شكل مستطيل يحاول من جهة الشمال الاستدارة دون جدوى.

لم تكن الجدران في المخيم بيضاء، كانت تملؤها العبارات، «فلسطين» هي الحاضر الأكبر، وصور للشهداء تُبَخُّ بالدهان، وعبارات وأسماء لقادة فلسطينيين، والكثير من كلمتي «حرية» و«عاشت». علم فلسطين وخريطتها يحضران بقوة في المخيم، وصور حنظلة أيضاً، لكن الخارطة الخشبية المعلقة على صدور الشباب والشابات كانت السمة الأعلى، ومعها اللفحة الفلسطينية أيضاً.

يوم تغيرت ثيابنا

ينقسم المخيم إلى «أحياء»، ليس بفعل الجهات الجغرافية، ولكن بفعل المنطقة التي ينحدر منها السكّان، بفعل القرابة والعائلة والبلدة، ثم فلسطين كحالة أعم.

ليس هذا التقسيم صارماً ومحكوماً وفق قوانين، ولكنه واضح المعالم بفعل الذاكرة، فهناك حارات التراشحة والزيباوية والصفدية وعين غزال… إلخ. وتختلف هذه الحارات من حيث اللهجة واللباس أيضاً، وكذلك من حيث الالتزام الديني الذي كان يتفاوت حسب العائلات. حتى الطُرَفُ التي كانت تجري على الألسنة مرتبطة بصفات تلتصق بأهالي القرى والمدن في فلسطين المحتلة، وهي صفات محمولة في ذاكرة من عاشوا النكبة ونقلوها إلى أبنائهم الذين لم يعيشوا هذه الأمكنة ولم يولدوا فيها، لكنها بقيت تراثاً متجدداً، مثل صفات البخل والكرم وعدم الرؤية ليلاً والطرافة واللؤم والقوة.

تقول أختي الكبيرة، التي وُلدت في عام إنشاء المخيم نفسه، ودخلته في الثالثة عشرة من عمرها، وبقيت فيه حتى تزوجت، إن المخيم كان مكاناً مختلفاً عن غيره، كان مدينة تضم في داخلها عادات مختلفة وربما متضادة أيضاً، عكس ما كانت عليه قرانا في إدلب، التي يغلب على أهلها التماثل في اللباس واللهجة.

تقول أختي: حين وصلنا إلى المخيم كنا نرتدي «توب» أو «بدلة» تخيطها أمي لنا في المنزل، ثوباً فضفاضاً إلى الأرض، مزموماً من المنتصف، و«إشارباً» غطاء رأس أبيض يعقد طرفيه. أما أمي فكانت ترتدي التنورة السوداء فوق هذا الثوب، إضافة إلى جوارب سميكة من اللون الأسود.

mkhym_hndrt-web-1.jpg

مدرسة الزيب 2019: موقع الأونروا

في المقابل كانت «الجلابية» لباس والدي الرسمي، إضافة إلى بدلات «السفاري» رمادية اللون وقت ذهابه للعمل، فيما البناطيل القماشية والقمصان كانت حظ إخوتي من اللباس.

نادراً ما كنت ترى «الجلابية» حاضرة في المخيم، لم تكن جزءاً من اللباس بين السكان، وكان «الجينز» هو اللباس الأكثر حضوراً بين شباب المخيم، وكذلك البناطيل ذات الجيوب الكثيرة والتيشرتات قصيرة الأكمام، والقلادة الخشبية للخارطة الفلسطينية.

أما كبار ومتوسطو السن، فكان لباسهم يتراوح بين الطقم الرسمي والبنطال القماشي والقميص، وكذلك الجينز أحياناً، وهو ما لم نكن نألفه أو نتقبله في قريتنا. كان الجينز بعيداً جداً عن قدرتنا على الاحتمال، رجلٌ في الخمسين يرتدي جينزاً، تلك كانت ستكون طرفة تعلق في ذاكرة كل سكان القرية.

لم أرتد أنا بنطالاً من الجينز حتى العام 2002، كانت الصورة النمطية الرافضة لوجوده في بيتنا تَحوُلُ دون ذلك، وشكلت قناعة ثابتة لي عن الاختلاف؛ كنا نخاف أن نُرى به من قبل أحد أبناء قريتنا كيلا نصبح مثاراً للسخرية. ولا أذكر أن أحداً من إخوتي الأكبر قد فعل ذلك أيضاً، أما أخواتي فذلك لم يكن موضوعاً في قائمة الخيارات، حتى بعد دخولهنّ إلى المدارس الثانوية وسوق العمل.

في المخيم كنا نرى مختلف أنواع الألبسة، نساء بتنورات قصيرة حاسرات الرأس، أخريات بثياب طويلة، بناطيل الجينز والتيشرتات الملونة، عباءات ومناطي، بأغطية رأس ملونة، بحجابات مربوطة بدبوس أو عقدة. تقول أختي إنها رأت للمرة الأولى حين دخولها إلى المخيم نساء حاسرات الرأس، كان المشهد غير مألوف بالنسبة لها، ولكنها شعرت منذ ذلك الوقت أن المخيم «مدينة... مدينة كتلك التي تخرج من التلفاز، بمذيعات وممثلات»، تضحك وهي تروي لي أنها كانت «ساذجة»، وكانت تشعر أنها تنظر إلى المكان كما لو أنها مشاهد ينظر إلى تلفاز.

لم نشاهد حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي امرأة بنقاب أو مغطاة الوجه في المخيم، لكن، وبعد ذلك، صرنا نرى هذا، وكذلك المناطي السوداء الطويلة. تأثَّرَ المخيم بظهور التنظيمات الإسلامية الفلسطينية ونشاطها فيه، وكذلك بالقنوات التلفزيونية، لكن ذلك بقي خياراً قائماً على التعايش بين الجميع. لم يكن هناك انتقادات حادة أو مطالبات بالتزام هذا اللباس أو فرضه، ولم تكن من اختارت ألّا تفعل منبوذة أو مضطهدة، يؤمن المخيم بهذا الاختلاف الذي عاشه أهله لسنوات طويلة، ومن ضمنه التعايش ووحدة المصير.

كذلك لم يكن حندرات مكاناً يمثل ثقلاً سياسياً، كان حضور المنظمات الفلسطينية فيه شكلياً، ورغم النقاشات الطويلة التي كانت تفرز أبناء المخيم ضمن هذه التنظيمات، لم يُشكِّل هذا حالة خلاف تستدعي الاقتتال. يقول صديق لي في المخيم إن مكاتب الفصائل القليلة المتواجدة كانت للأنشطة والتسلية، كلعب الشطرنج وكرة الطاولة، وبعض الندوات العامة للتعريف بفلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني، وكذلك كأندية لكرة القدم ضمن دوريات كانت تُنظَّم داخل المخيم.

ملوخية ومفتول

لم تكن الملوخية حاضرة في مطبخ ربات المنازل في قريتنا مطلقاً، تقول أمي إنها تذوقت هذا الطبق للمرة الأولى في حندرات، يطبخونها ناعمة وتشبه المرق، تضاف إليها قطع الدجاج أو لحم الخروف المفروم ناعماً بعد «تكبيبه على شكل كرات». وانقسمَ بيتنا بين محبّ ورافض للملوخية. أما المفتول فجميعنا كنا نستسيغه ونحبه، وهو أكلة شعبية فلسطينية تحتاج وقتاً طويلاً من التحضير، وذلك نتيجة ما تتطلبه عملية تفتيل الطحين بعد نقعه بالماء الساخن وتصفيته في مصفاة معدنية مدهونة بالسمن، ويضم في وصفته أيضاً حبات من الحمص والبصل وقطع الدجاج. 

يمتاز الطعام الفلسطيني بالبهارات اللاذعة والكثيرة التي تضيفها ربات المنازل إليه، تقول أختي: «في البداية كنا نراه مختلفاً، ثم اعتدنا عليه، وبات جزءاً من مطبخنا اليومي».

كذلك بعض المشروبات مثل الـ«إينر»، وهو يُماثِلُ الكراوية السورية، ويُقدَّم بعد الولادات وفي الأفراح. والقهوة التي كانت حاضرة دائمة في بيوت المخيم، وتقول أمي إنها لم تكن في ذلك الوقت في السبعينات من المشروبات التي تُقدَّمُ في قرانا.

حافظَ المخيم، نتيجة بعده وعدم اندماجه مع حياة المدينة في حلب، على طريقته في الطعام والطبخ، و«نادراً ما تَأثَّرَ بالمطبخ الحلبي»، تقول سيدة من المخيم، وذلك «باستثناء بعض الأطعمة الجاهزة التي كانت تُشترى من السوق»، أما من حيث الطريقة، فبقيت الملوخية والمفتول وطريقة صناعة الكبة بصينية، وغيرها من الأطعمة متوارثة من الجيل الفلسطيني الأكبر، دون أي تغييرات جذرية.

يبدو مخيم حندرات مثل قرية صغيرة بعيدة عن التأثر والتأثير فيمن حوله، سُكّانه باستثناء عائلتنا من أصول فلسطينية. لكن مع الزمن بدأت تغييرات طفيفة، سرعان ما ازدادت، تطرأ على حياة السكان، نتيجة الدراسة في الجامعات، والتعرّف على سكان خارج المخيم وبناء صداقات عائلية، الزواج من مخيمات أخرى سواء في حلب أو غيرها، العمل، والاستقرار المادي النسبي.

الخوف وأحلام اليقظة

لم أكن فلسطينياً ولم أكن سورياً أيضاً خلال حياتي في المخيم، كنتُ أدافع عن سوريتي أحياناً بحكم النقاشات والتغيرات السياسية. ولكني بسبب وجودي وحيداً كسوري يعيش في هذا المخيم، ووجودي مع تلميذين سوريين غيري في المدرسة من مقطع الشاهر المجاور، كنتُ أعرف عن فلسطين وتاريخها، سياسييها وحركاتها، شهدائها وأشعارها وأدبائها ولهجاتها، أكثر مما كنت أعرفه عن سوريا.

لم نكن في المدرسة التي انضممتُ إليها نردد الشعارات ذاتها، ولا نرفع العلم ذاته، كباقي المدارس السورية. التزامنا باللباس المدرسي والمناهج كان موجوداً، ولكن بدرجة أقل صرامة، ولم يكن لدينا تدريب عسكري سوى حصة شكلية بعد دوام يوم الثلاثاء من كل أسبوع. كانت الاحتفالات في المدرسة تأخذ زخمها في المناسبات الفلسطينية مثل يوم الأرض والنكبة وغيرها أكثر من المناسبات السورية، وحتى في الأخيرة كنا نردد أناشيد فلسطينية غالباً.

التعليم في هذه المدارس كان شديد الصرامة، المدرسون أمام قضية شعب ينتمون إليها كانوا قساة ومخيفين في قضية التعليم، يحاولون جاهدين أن يصنعوا من الأجيال التي يُعلّمونها عجينة صالحة للبناء. يقول صديقي الفلسطيني إنه لم يكن هناك مكانٌ آخر أو شيءٌ آخر متاح لنا، لا ورش ولا معامل ولا صنعات، كان العلم الطريق الوحيد لنا، وغالباً كنا نختار أقصر الطرق قبل الدخول في الألفية الثالثة، وهو أن نتحول إلى العمل في التعليم؛ بعد الثانوية العامة نَدرُسُ في معهد إعداد المعلمين (الصف الخاص) لمدة سنتين، ثم نتحول إلى معلمين في المدارس السورية. كانت الدولة ملزمة بتعيين خريجي هذا المعهد، الذي خَرَّجَ طوال أجيال المئات من أبناء وبنات المخيم، خاصة الفتيات.

منذ بداية القرن الجديد، تَحوَّلَ أبناء المخيم للدراسة في الجامعات وفي مختلف الكليات، المعهد إياه أغلق أبوابه، والحياة تطورت. يقول صديقي إن كلية التربية حلّت محلّ المعهد، وكانت الخيار الأهم للدخول فيها، إضافة للكليات الأخرى.

لم يكن في المخيم طبيب حتى خروجي منه في منتصف التسعينات. كان هناك مستوصف يعود للأونروا، وكان مشفى الكندي القريب على بعد مئات الأمتار من المخيم هو المكان المقصود لأبنائه.

عاش الجيل الأول من سكان المخيم وحتى الجيل الثالث أو الرابع كموظفين في المؤسسات الحكومية، أغلبهم في محالج القطن القريبة من عين التل أو معمل الإسمنت القريب أيضاً، أو كمدرسين في المدارس. وعمل معظم الشباب خلال دراستهم أو بعد تركهم للدراسة في معمل المشروبات الغازية (كراش) أو مطابع الألبسة القريبة أيضاً، بينما غاب مفهوم تعلّم الصنعة السائد في مدينة حلب عن حياتهم، ربما لبعد المسافة من جهة، وكذلك عدم وجود مثل هذه الورش داخل أو بالقرب من المخيم.

يعرف سكان المخيم بعضهم بعضاً، وكل صغيرة وكبيرة. لا أسرار كبيرة في المخيم، وهو ما شَكَّلَ حالة من الأمان. نادراً ما كنتَ تسمع بمشكلة داخل المخيم أو شجار، لم أرَ يوماً شرطياً فيه، وكان للمكان قوانينه الخاصة. ولا أقصد هنا أنه لم تكن تحدث، كأي مكان آخر، بعض الأشياء، لكنها غالباً كانت تُحَلُّ داخلياً من قبل كبار السن، الذين كانوا يحظون بمكانة كبيرة. في المخيم أعمام وخالات، وجميع كبار السن يقال لهم «سيدي وستي»، أي جدي وجدتي، وكلهم يملكون سطوة على من يصغرونهم سناً، خاصة أنهم أساس هذا المكان وذاكرته.

لاحقاً سرت حالة من الاستقرار المادي في أوصال المخيم الذي بدأ بالاتساع، كانت السيارة الوحيدة في حارتنا تعود إلى مدرس يعمل على تكسي أجرة بعد دوامه، لكن بعد خروجي من المخيم «كل بيت صار عندو سيارة» يقول صديقي، وتَغيَّرَ البناء وشكله، ودخل شيء من الرفاهية إلى البيوت، وذلك بفعل أمور كثيرة أهمها أن الذين كانوا أطفالاً باتوا منتجين اليوم، إضافة إلى فرص العمل في دول الخليج، التي شكلت رافداً مالياً هاماً لسكان المخيم؛ معظمهم بنى بيتاً للعودة، لم يستطع بناءَه في قريته المحتلة، بل بناه في موطنه/ مخيمه الذي بات وطناً وعائلة.

تشاركتُ مع أبناء المخيم الخوف، كانوا في البداية ينظرون إلى والدي كرجل دسّته المخابرات السورية لمعرفة ما يحدث في المخيم. تلك الصورة تغيرت فيما بعد، وباتت جميع بيوت المخيم مفتوحة لنا لنتشارك معاً الخوف من الخوض في أحاديث كثيرة تخصّ سوريا زمن حافظ الأسد، فيما نشط البعثيون الفلسطينيون في المخيم داخل الفرقة الحزبية، وكانوا مؤمنين بالبعث على طريقتهم في «الوحدة والحرية»، واستمرّ هذا المفهوم حتى مع قيام الثورة السورية لدى كثيرين منهم.

مقابل هؤلاء، كان قسم كبير منهم يكره نظام الحكم في سوريا، وكانوا يملكون جرأة أعلى بحكم الانغلاق على أنفسهم في انتقاده؛ نادراً ما كانت تُفلت منهم أي كلمة أمامي أول الأمر، لكن في مراحل لاحقة حدث ذلك مراراً، ولم أجد نفسي معنياً بالدفاع عن سوريا المسؤولين والنظام، بل كنتُ في شراكة حقيقية مع ما يتحدثون عنه، ذلك أنه يطالنا جميعاً، نحن وهم، كما يطال كل الذين يتشاركون سوريا وجغرافيتها.

حلم فلسطين والعودة كان يقظاً دائماً. أَستغربُ من هذا التجذير الذي استُخدِمَ دائماً ولم يتزحزح رغم طول المدة وغياب الأمل. كان أحد أصدقائي يقول: «فلسطين سجادة صلاة يمدها كل من يستلم زمام السلطة في أي بلد عربي للمتاجرة بها كقضية، يدعي مناصرتها في العلن ويقتلها في السر»، كانوا إذن مدركين لما يحدث أكثر منا في ذلك الوقت، وكانوا أيضاً في الوقت ذاته يحاربون التاريخ للحفاظ على قضيتهم، يَسمعونها من كبارهم ويَروونها لِصغارهم ويَتبادلونها فيما بينهم، يصرون عليها ويعملون من أجلها في داخلهم وبين عوائلهم، ما شَّكََّل حالة ثقافية في المخيم تجاه مواقف تخص أنظمة الحكم، كانت أنضج سياسياً من تجربتنا نحن أقرانهم في ذلك الوقت.

ثورة

ليس كما يشاع بأن الفلسطينيين في مخيم حندرات كانوا ضد الثورة السورية، بل انقسموا في ذلك دون ردّ فعل على الأرض، ووجدوا أنفسهم معنيين بشكل أو بآخر بانتقاد هذا النظام أو الدفاع عنه. وحتى دخول فصائل المعارضة المسلّحة إلى المخيم، كان عدد الذين حملوا سلاحاً إلى جانب قوات الأسد تسعة أشخاص فقط، بحسب صديقي الفلسطيني المعارض للأسد، دائم الحديث عن انتهاكات النظام السوري، والذي كان حاضراً يوم طلبت الفصائل من أبناء المخيم مغادرته.

يقول إنه سكان المخيم في ذلك اليوم اقتُلعوا من مكانهم مرة أخرى، ليجدوا أنفسهم كما في المرة الأولى لاجئين من جديد، وهو ما دفع قسماً كبيراً منهم للدخول في لواء القدس التابع للنظام. يقول إنه لا يقصد تبرير ما حدث: «لا يمكن لمن يدافع عن قضيته الفلسطينية طوال كل تلك السنوات أن يكون جزءاً من الظلم، أي ظلم، ولكن ذاك اليوم كان مفصلياً، كان يشبه بدء الحرب من أجل العودة، وانضمّ إلى اللواء مئات الشبان منذ ذلك الوقت».

مع استعادة قوات الأسد للمخيم بالتعاون مع لواء القدس، كان قد تم تدمير نحو تسعين بالمئة منه بين دمار كلّي وأضرار جزئية. يقول صديقي: «لم يعد هناك مخيم في الأصل، دُمرت كثيرٌ من البيوت وكلّ البنى التحتية، وتنتشر الألغام والقنابل العنقودية التي لم تنفجر».

إلى اليوم، لم يعد إلى المخيم من أبنائه سوى أعداد قليلة، دافعهم للعودة لم يكن الحنين بل ظروف الحياة القاسية والإيجارات المرتفعة، خاصة وأن معظمهم سكن بعد خروجه فيما خصصته لهم الحكومة السورية من بيوت مؤقتة في السكن الجامعي والمدارس. تبدو الحياة في المخيم اليوم مستحيلة، لكن الذين عادوا يفضّلون السكن تحت الدمار على الحياة في الشارع بعد إخراجهم من المأوى المؤقت.

عاد اليوم نحو ألفان وخمسمائة شخص إلى المخيم، الذي كان يضم نحو ثمانية آلاف شخص في العام 2011، وذلك بحسب مجموعة العمل لأجل فلسطين في سوريا، بينما هاجر المئات نحو تركيا وأوروبا ولبنان، ويقبع في سجون الأسد اثنان وثلاثون من أبناء المخيم حتى الآن.

وجه أم عفيف

 لم يكن قبولي في مدرسة ناصر الدين أمراً عادياً، ولم يكن مدير المدرسة آنذاك يريد أن يقبل بحجة اكتمال العدد لديه. كان على والدي اصطحابي إلى مدرسة العويجة التي تبعد نحو كيلو مترين عن مكان سكننا، وهو ما دفعه إلى المحاولة مرات عديدة للتوسط عنده من أجل قبولي في المدرسة، لكن دون جدوى.

كانت جارتنا أم عفيف، والدة مدير المدرسة، تزورنا يومياً. لم يكن والدي يريدها أن تعرف بما حصل، ولكنها عرفت بطريقة ما. لبست ثيابها، وضعت «غطا الصلاة»، ثم حملت عُكّازها وتوجهت إلى المدرسة، وقالت لابنها مدير المدرسة: «بتقبلو اليوم أو بتنساني». أصبحتُ واحداً من طلاب المدرسة في اليوم نفسه، ورافقني وجهها حتى اليوم كـ«ستّي» التي قبّلتُ يدها مراراً في كل مرة رأيتها تحمل مفاتيح بيتها القديم، وتروي لي عن فلسطين الحاضرة دائماً في تفاصيل يومياتها.