طقس أو دفاعاً عن التفاهة

الشخصيات حسب الظهور

الراوي (اسم مستعار)

الجالس على اليمين

الجالس على اليسار

فيل

العم جو

حافظ الأسد

المشهد الأول

المكان عبارة عن مسرح صغير يتسع لمئتي متفرج وربما أقل، هناك مقاعدة غير قادرة على مشاهدة المسرح، في الحقيقة أنا أقصد مسرح القباني. في أول مرة زرته دخلنا دون أن ندفع لمسرحية للأطفال، وفي آخر مرة زرته كان كفاح الخوص يقدم توليفة نصوص من أعمال سعد الله ونوس، لكن النتيجة كانت مسرحية أطفال أيضاً، مع عازف إيقاع يجلس فوق، لم أعد أذكر تماماً أين فوق، لكنه كان أعلى من الممثلين، الذين يُقدّمون مقاطع من الفيل يا ملك الزمان بعد اندلاع الثورة، دون أن يثير ذلك أحداً. بصراحة، أعتقد أن الأمر قد مرّ لأن النص كان مشوهاً، إلى درجة أنه أصبح من الممتع لشخص يكره سعد الله ونوس أن يتم عرض هذه النتيجة.

شابّان يجلسان على كرسيين يمكن طيّهما في وسط المسرح، الإضاءة باهتة من فوق، تصنع بقعة غير واضحة المعالم على الخشبة، تشبه بركة عفنة، لكن من يتمشّى على خشبة القباني يعلم أن التشبيه ليس مجرد خيال. خلف الشابين هناك فيل، وعلى الرغم من أن الضوء لا يصل إليه، إلا أنه واضح للجمهور.

نسمع صوتاً متصاعداً من الجالس على اليمين، يبدو غير مفهوم في البداية لكنه يبدأ بالوضوح.

الجالس على اليمين: لا يمكن تحديد المدى الذي أثّرت فيه المسلسلات الصعيدية على الموسيقى العربية، لكن يمكن أن نقول إن ما قبل الربابات على المسرح ليس مثل ما بعدها، وعلى الرغم من أن ياسر عبد الرحمن حاول التفرّد بالمسرح من خلال مقطع الصولو، إلا أن مشهد عازفي الربابة على المسرح وهم يقدمون أجمل جملة موسيقية في مقطوعة الضوء الشارد -موسيقى مسلسل يحمل الاسم نفسه- تجعلنا متأكدين أن مقولتنا الرئيسية هنا صحيحةٌ تماماً.

ينظر الجالس على اليمين إلى الجالس على اليسار، بطريقة تشبه الانتقال بين مذيعي الأخبار في النشرة.

الجالس على اليسار: إذن فقد أثمرت خطة الحلفاء، التي لم أعد أذكر اسمها. في كل الأحوال لم أكن قد ولدتُ بعد. الخطة كانت قائمة على مبدأ بسيط، نشر عدد ضخم جداً من الحقائق الملفّقة، حتى تضيع المعلومات الصحيحة بينها، ولا يكون هناك طريقة لتمييزها. ومن بين تلك الكذبات الشهيرة واحدة تقول إن الجزر يقوي النظر، في الحقيقة كانت تلك إشاعة للتغطية على اختراع بريطانيا للرادار، لم أعد أتذكر اسم الخطة لكن أتذكر أنها مستوحاة من العهد القديم.

يصمتان.

يدخلُ والدُ هاملت من بين الحضور، يقف بينما يتبعه الضوء دون أن يستطيع اللحاق به، يقف بانتظار أن تُذاع جملته من خلال تسجيل مضخم، لكن يبدو أن هناك مشكلة في الآلة. يرجعُ بسرعة ويدخل إلى الكواليس. بعض الجالسين في المقاعد الخلفية قالوا إنهم سمعوا عروة العربي يخاطب إحدى الممثلات بصوت عالٍ «حركي إيديكي، حركي إيديكي»، لكن هذه قصة من مسرحية أخرى ومسرح آخر.

الجالس على اليمين يتحدث فجأة وكأنه يقاطع أحداً.

الجالس على اليمين: يجب أن أضيف شيئاً هاماً للغاية، كان شكل ياسر عبد الرحمن وهو يقود الأوركسترا التي تضم عازفي ربابة بقوس الكمان مضحكاً.

الجالس على اليسار: (يضحك وكأنه يجامل الجالس على اليمين) إذن يمكن القول إن هناك مقايضة حصلت، يمكنك أن تسبّ حافظ الأسد على طاولة بار في ساحة النجمة، ومن ثم تخرج لتشخّ في الطريق، لكن لا يمكنك أن تقول إن هناك بديلاً عن حافظ الأسد. كان يجب عليك أن تكون ماهراً في لعب دور المهزوم، بكل الأحوال تلك مرحلة مرت بسلام -بالنسبة لحافظ الأسد طبعاً- اليوم بالقرب من ساحة النجمة هناك نادي الشرق، المكان المفضل لرامي مخلوف، لكن هذه القصة أيضاً من مسرح ومسرحية آخرين.

هناك قصة قصيرة لعبد الله عبد عن رجل ينتظر مظاهرة لا تأتي، وعلى الرغم من أن الكوارث تتابع على الناس حوله، لكنها لا تأتي.

الجالس على اليمين: (يُغيّر جلسته وكأنه بدأ يشعر بالتعب من الكرسي) الملحق الذي أضافه ويليم فوكنر إلى رواية الصخب والعنف أجملُ من الرواية.

اختيار الأحصنة ليس سهلاً، حافظ الأسد كان حصاناً رمادياً.

الجالس على اليسار: إذا مختلفين على فوتة لبنان، منقدر نحلّها، بس الإخوان لاء.

في الخلفية تدور موسيقى ممتعة، بالنسبة لي هي مقطع «كنت أشتقلك وأنا وانت هِنا... بيني وبينك خطوتين» من أغنية «بعيد عنك» لأم كلثوم، بالتحديد من حفلة بيروت 1968.

يدخل ممثل يحاول أن يقلد ستالين، لكن ليس ستالين ستالين الذي نعرفه، بل الشخصية من رواية حفلة التفاهة. يلبس معطف بيسبول ويبدو أكبر في السن ومنحني الظهر، يقف في الوسط بين الشابين، يبلّل نفسه ويخرج.

تمنيتُ أن أكتب هذا المقطع عن حافظ الأسد، ممتعٌ للغاية هذا الحقد اللذيذ.

الشخص الجالس على اليسار: هناك نقاش يدور بين الجمهور، أنا أسمعكم جيداً، هل لي أن أشارك رأيي حول الموضوع، أنا لا أظن أن المقصود بمسرحية العيال كبرت هو السادات بعد أن قرّرَ البدء بالتفاوض المباشر مع الإسرائيليين.

الختيار برأيي كان لازم يعمل انقلاب بالأردن، بتفق معو على المخاوف من أنو يتركولن الأردن كوطن بديل، وخصوصي بوقت كان فيه جماعة نايف حواتمة عم يحكوا عن هانوي العرب، بس الطلعة على لبنان كانت نتائجها مبينة من الأول، كان الانقلاب أفضل.

الجالس على اليمين: هناك نصوص يحاول الكاتب رفضها والتبرؤ منها، شيء شبيه بعلاقة فتح بمنظمة أيلول الأسود.

الجالس على اليسار: خبَّرني القصة، بعد ما حدا قلو بالقعدة «الحامي الله»، اطّلع فيني مع أنو ما دخلني، وقال «كنا ماشيين بالليل باتجاه الكوع، بصراحة كنا فعلاً عم نرصد للجيش الحر لحتى نكسب ثقتن وننضملن، رصدنا الحاجز وفتنا بحارة سوق الصاغة، الشبّ يلي معي طلّع سيجارة وبدو يشغلها، قلتلو هلأ بيشوفونا ضبّها، اطلّع فيني وقلي الحامي الله يا زلمة شباك، هو شغّلها وصارت الروسيات فوق روسنا». سكت، وأنا سكتت، ويلي قال الحامي الله طلع برا الغرفة.

المال والبنون! لا أبداً، هي من التسعينات مو من السبعينات، تل الزعتر من السبعينات.

الجالس على اليمين: نكسة حزيران جزء أساسي وجوهري من تعريفهم لذاتهم، لكنها ليست نكسة حزيران كما جرت فعلاً، برأيي الشخصي حافظ الأسد كان يمتلك تأثيراً مشابها على الجيل الذي أتى بعدهم مباشرة.

الجالس على اليسار: عندما قبض الأمن المصري على العناصر الذين اغتالوا وصفي التل، اتصلوا بالسادات، ردّت زوجتُهُ جيهان السادات وأعطتهم تعليمات مشددة بأن لا يتم ضربهم بانتظار عودة أنور للقاهرة.

الجالس على اليمين: كان يوجد فرع أو قسم لدى الأمن السياسي مهمته إصدار الشائعات والنكت على حافظ الأسد، مين بيقدر ينسى نكتة «ما في خشب».