طوبى للناجين من أوامر الإعدام

 


«بعد الفيلم ، نظرتُ إلى مقعده ووجدتُهُ فارغاً، ثم نظرتُ إلى مقاعد الآخرين ووجدته جالساً على جميع المقاعد في السينما. محمد كان معنا البارحة، وهو معنا الآن». بهذه الكلمات تسلمت ابنة المخرج الإيراني محمد رسولوف جائزة الدب الذهبي، من بين 18 فيلماً مشاركاً في مسابقة مهرجان برلين السينمائي في عامه السبعين. تسلمت الابنة باران رسولوف الجائزة نيابةً عن والدها، الذي لم يستطع الحضور إلى برلين بسبب منع السفر الذي فرضته السلطات الإيرانية عليه، لأسباب متعلقة بنشاطه السياسي وأفلامه السينمائية السابقة التي تنتقد سياسات النظام الإيراني. 

يبدأ الفيلم بمشاهد يومية عادية من حياة الزوج حشمت مع زوجته وابنته؛ تفاصيل عن حياة أب مُحبّ لعائلته، يرعى والدته الكبيرة بالسن، ويهتم بابنته وزوجته ويحرص على راحتهما. لا يخطر في بال المشاهد أن هناك حقيقة أخرى خلف تلك التفاصيل، إذ يتصرف حشمت بشكل طبيعي ما خلا بضع لحظات من الصمت، لا نعرف سببها في بدايات الفيلم. يُعدّ حشمت قهوته وطعامه في مكان عمله، يراقب من وراء نافذة زجاجية صغيرة، وينتظر الإشارة حتى يضغط بعدها على الزر المخصص. تلى تلك اللحظات شهقة واحدة جماعية من الجمهور في السينما إثر الصدمة، لأن أحداً لم يتوقع مهنة حشمت وطبيعة عمله، فكيف يمكن لهذا الرجل الطيب المحب أن يكون هو ذاته المسؤول عن تنفيذ أحكام الإعدام  بمجموعة من المساجين مرة واحدة، بكبسة زر واحدة ينفّذها بهدوء وبرود خالصين.

There Is No Evil - Official Trailer

يطرح الفيلم الإيراني لا يوجد شر إشكالية قانونية وأخلاقية، ليس في إيران فحسب بل في غالبية دول العالم، عن شرعية  حكم الإعدام، لكن طرح هذه المسألة في إيران له وقع خاص، لا سيما وأن عدد الأشخاص الذين أعدموا في إيران بين أكتوبر 2018 وأكتوبر 2019 يتجاوز 273 شخصاً. تُطرح هذه الإشكالية في الفيلم من وجهة نظر منفذي أحكام الإعدام، سواء ضمن إطار المهنة كما في حالة حشمت، أو ضمن إطار الأمر الإجباري كما في حالة مجندين في الخدمة العسكرية لدى شخصيات أخرى في الفيلم، وذلك من خلال أربع حكايا يجمع بينها العبء الإنساني والسؤال الحقوقي المشترك حول جريمة الإعدام التي يُبيحها القانون، وحول خيارات شخصيات الحكايات الأربعة تجاهها. وربما لا تكون مفردة «خيارات» في هذا الموقع هي المفردة الدقيقة فعلاً، لأن الأشخاص لا يختارون في الظروف الطبيعية أن يصبحوا منفذي أحكام إعدام، بل يُجبَرون على ذلك مرة ومرتين وثلاثاً، حتى يصبح ذلك أمراً اعتيادياً وروتيناً في مهنة يتقاضون عليها أجراً. 

تبدأ مُساءلة شرعية حكم الإعدام من الأشخاص أنفسهم، والتي ربما تعبّر عنها لحظات الصمت الطويلة  لدى حمشت، الذي يحتفظ رغم ذلك باتّزانه وهدوئه، لكن التماسك الشخصي يصبح أكثر اختلالاً في قصص المجندين الشباب، وتحديداً في قصة واحد منهم، يمنعه الخوف من تخيّل نفسه في موقع القاتل، لتمتد هذه المساءلة إلى عائلات وأحبة هؤلاء المجندين، الذين تمنعهم أخلاقياتهم من قبول منفذ حكم الإعدام بينهم وفي بيتهم، كما في الحكايتين الثالثة والرابعة، اللتين لا تتناولان حياة الأشخاص المسؤولين عن تنفيذ حكم الاعدام فحسب، بل أيضاً حياة الأشخاص من حولهم، وكيف تتأثر علاقاتهم الإنسانية بعائلاتهم وأحبتهم. يمكن للمشاهد أن يدرك الفرق بين القيمة المعنوية التي تكتسبها كلمة «لا» التي تقولها بعض شخصيات الفيلم في وجه منظومة كاملة دفاعاً عن الحد الأدنى من الكرامة، وبين قبول شخصيات أخرى بحمل هذا العبء، حتى ينتهي الأمر بأحدها إلى تنفيذ حكم الإعدام بحق أحد الناشطين السياسيين المقربين من عائلة حبيبته. 

لا يركز الفيلم على الفرق بين المحكومين بالإعدام لجرائم جنائية أو تهم سياسية، بل يوجه نقداً صريحاً لحكم الإعدام وتوظيف أشخاص لتنفيذه أياً كانت أسباب الحكم، الذي هو في حدّ ذاته نظام لتوريط الآخرين بحيث يصبحون جميعاً مُدانين، وكأنه من غير الممكن لأحد أن يكون بريئاً. يحاول الفيلم أن ينتصر للشجعان الذي يرفضون هذه المهمة ويتحملون عواقب قراراتهم، ولكن على الضفة الأخرى يوجد أفراد تطحنهم أوامر النظام القمعي، ولا يرغبون باتخاذ قرارات تغير مصير حياتهم، وتحرمهم من أدنى حقوقهم المدنية وجوازات سفرهم وشهاداتهم الجامعية وغيرها من الأوراق الضرورية.

تنتقل أمكنة تصوير الحكايا المختلفة من حيّز المدينة إلى السجن، وبعدها إلى أطراف إيران وإلى جبالها، وكأن هذا الانتقال إلى أماكن بعيدة عن أعين النظام يعبر جغرافياً عن خيارات الأشخاص الذين رفضوا أو تمردوا على أوامر تنفيذ أحكام الإعدام، فصاروا منفيين إلى أطراف البلاد وهاربين من النظام الذي يدينهم بسبب عدم أداء واجبهم الوطني والقانوني. لقد عبَّرَ الفيلم سينمائياً عن رسالته الإنسانية والسياسية من خلال القصص المتمحورة حول الشخصية الرئيسية، لكن هذه القصص، وبالرغم من جمالية صنعتها السينمائية على مستوى الصورة والسينماتوغراف، تضمنت حوارات لا تخلو من بعض العبارات المدرسية في مشاهد معينة من الفيلم، أو حتى في استخدام أغنية «بيلا تشاو» في الحكاية الثانية من الفيلم، والتي جاءت تعبيراً لا يخلو من الاستسهال عن الرغبة بالتحرر من قمع النظام الفاشي.

كانت أهداف مهرجان برلينالي واضحة لهذا العام، وتم التصريح عنها في قائمة من 17 هدفاً، من أهمها الدفاع عن قضايا النساء والحريات الجنسية، وتُرجم ذلك بشكل واضح في برنامج المهرجان، وخيارات الأفلام التي كانت لقضايا النساء حصة كبيرة منها، سواء على مستوى المواضيع المطروحة في الأفلام، أو على المستوى الإنتاجي من حيث وجود عدد أكبر من المخرجات المشاركات. وأن يحصد الفيلم الإيراني جائزة الدب الذهبي، فذلك لا ينفصل عن أهداف المهرجان، ليس لدعمه الحرية الإبداعية والعدالة الإنسانية فيما يتعلق بموضوع حكم الإعدام فحسب، بل أيضاً لتعبيره عن الذكورة المهددة في الخدمة العسكرية، التي يُجبَر فيها الرجال على القبول بتنفيذ الإعدام، الذي يأتي بمثابة اختبار لمعايير الرجولة والشجاعة في دولة تُعَدُّ فيها المثلية الجنسية جريمة تستحق الإعدام.