طُرُق الرب

جزء من رواية قيد الكتابة

طيب خليني ابتدي من الأول خالص، ومعلش يا أبونا استحملني شوية، جعفر هو جد أمي، ومنه تبدأ هذه الحكاية.

ليس جعفر اسماً مناسباً لقبطي بالطبع، لكنّه وكما جرت العادة في عائلة أمي، لم يكن الاسم الوحيد، فجعفر له اسمٌ آخر هو حنّا. للوهلة الأولى، تبدو الأسماء المزدوجة لأبناء العائلة موجودةً بغرض التخفي، فاسمٌ قبطيٌ واضح، كاسمِ أمي، مادلين، كان يلزمه اسم آخر محايد هو مايسة، كنتُ قد عرفتُ بالصدفة قبل عامين فقط، أنّها كانت تُنادى به في طفولتها. أصغر أخوالي، يعرفه الناس في العزبة باسم هاني، بينما يعرفه زبائنه في «الصاغة» باسم جورجي. الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو عليه، ولا يتعلق بالتقية غالباً. حاشا أن يكون الغرض هو إنكار المسيح أمام العالم، أحد أبناء عمومة أمي مثلاً له اسمان، لا يضمن أيهما أي تخفٍ مفترض: مايكل وتادرس. أما الخال الأوسط ففي البطاقة، اسمه أديب، فيما يناديه الجميع، بلا سبب واضح بمسعود. في حالتين فقط أعرفهما، يتعلق الأمر بالمهنة، فجورجي يبدو اسماً مناسباً لضمان ثقة عددٍ كافٍ من الزبائن مسلمين وأقباط عندما يتعلق الأمر بتجارة الذهب. وفي الحالة الثانية، فإنّ قريبنا الذي يمتلك ورشة صغيرة للدوكو، يفضل استخدام اسم وليد في عمله، وهو حسب ما يظن اسمٌ جيدٌ لورشته، وأفضل كثيراً من هنري، اسمه في شهادة الميلاد وفي البيت. لكن وبالرغم من أنني قد عجزت عن إيجاد منطق واحد لتفسير جميع حالات الازدواج في اسماء العائلة، ومعه تعدد أسماء شارعنا «الفريد»، فإنّ اسم جعفر على الأقل كان له تفسير واضح، ومجمعٌ عليه.

قاطعني أبونا مصححاً اسم الشارع: «ألفريد مش الفريد، اسمه كده من أول يوم جينا هنا، وأيام لما كانت العزبة مسيحيين بس، قبل مترو الأنفاق ما يدخل، والناس دي كلها تيجي وتبقى عايزة تغير أسماء الشوارع عشان مش على مزاجها». هززتُ رأسي، متظاهراً بالموافقة على كلامه، ووجدتُ الفرصة سانحة لارتشاف الرشفة الأخيرة من الكوكاكولا، قبل أن أعود لحكاياتي:

الأمر أنّ أصول العائلة تعود إلى الصعيد الجواني، ومن قنا تحديداً. حتى زمن غير بعيد، كان شيوخ القبائل العرب ينعمون بحمايتهم على بيوتات الأقباط في القرى والنجوع، فكان من نصيب عائلتنا أن تكون في حماية الجعافرة وخدمتهم. كان الأمر لا يتطلب الكثير من الخدمة، فكل ما كان على رجال عائلتنا أن يقوموا به هو أن يسيروا مترجلين في مواكب الموالد والأعياد، خلف خيول الأشراف. لم يكن الأمر مُهيناً كما يبدو للوهلة الأولى، فالغرض من سيرهم في ركاب الشيخ هو مباهاته بأهل الذمة الواقعين في زمام عطفه وحمايته، ومفاخرته بعددهم وحسن أحوالهم. بل أنّ جدتي كانت تقول إنّ رجال عائلتنا، ولأنّهم مقرّبون من الأشراف، كانوا يركبون على سرج مزيّن في العيد الكبير، جنباً إلى جنب مع أكابر المسلمين، وهذا كان «عجبة» لم يسمع بمثلها أحد حينها من قنا إلى أسوان.

بفضل تلك الحظوة التي نالها رجال العائلة، ممن عمل معظمهم في صياغة الذهب، فلم يكن لديهم ما يخشونه وهم ينتقلون من قرية إلى أخرى لبيع مصوغاتهم طالما تمتعوا بحماية الجعافرة، مقابل هبة موسمية، يأتي ميعادها مرتين في العام. تذهب الحكاية التي سمعتها مراراً، إلى أن جعفرنا قد نال اسمه تيمناً بالقبيلة، وأن ذلك الاسم كان لعنة أصابت صاحبه، وإن كان والده قد أدرك الجرم الذي ارتكبه لاحقاً، ومنح الولد اسم آخر عند عمادته، هو «حنّا». لم يُرضي اسم جعفر لا الله ولا الناس، فالمولود، كان أسود البشرة، «أسود عبد، مش أسمر» كما كانت تكرر جدتي، كلما أعادت القصة على مسامعي. استاء الجعافرة قليلاً من الأمر، فليس من المشرّف أن يحمل اسمهم عبدٌ، وربما ابن حرام أيضاً، فمن أين أتت تلك الخلقة السوداء، في عائلة كان معظم رجالها ونساءها بيضاً وشقراً، كالخواجات كما كان يطلق على عائلتنا وعلى غيرهم من الأقباط حينها.

كان أبونا قد تململ في جلسته، قبل أن يقاطعني بلطف: «يا ابني الساعة أربعة دلوقتي، حكاية جدك دي إيه علاقتها بمرواحك الكنيسة من عدمه؟»، طمأنته بأنني سأختصر قدر الممكن، وبأن لتلك الحكاية أن تفسّر الكثير من الأشياء، قبل أن أسترسل مرة أخرى: كان جعفر، فتى عنيداً، ومثيراً للمشاكل، ومعتاداً على العراك في القرية لأتفه الأسباب، تبدأ المشاجرات عادة حين يتعمد الفتيان الآخرون إغاظته، ومناداته «يا عبد»، وفي حادثة تلقى بسببها ضرباً مبرحاً من والده، كان قد بطح رجلاً مسناً، بعد أن سأله متهكماً: «عامل إيه يا خواجة جعفر؟».

كان لجعفر أن يرضى بأن يكون إما عبداً أو خواجة، لكن أن يكون الاثنين معاً، فهذا أمرٌ لا طاقة لأحد به. في عركة أخيرة، فقد جعفر ما تبقى له من صواب، واستلَّ منجله، مسدداً نصله إلى عنق غريمه الذي كان قد سبه بـ «ابن الحرام». تقول جدتي، أن الرأس قد أنفصل تماماً عن الجسد، وهذا تفصيل لطالما تشككت في صحته.

«يعني أنت عايز تفهمني أنكوا قتّالين قُتَلَة، ما بنخافش على فكرة، ربنا معانا»، كانت قفشة أبونا كافية لطمأنتي بأنه كان بالفعل منصتاً، وأنه لم ينعس بالرغم من عينيه المغلقتين في النصف ساعة الأخيرة، والأهم والمدهش أنّه فهم مغزى النصف الثاني من القصة، قبل أن أبدأ فيها حتى.

عاد جعفر بعد خمس عشرة سنة كاملة، قضى بعضها في سخرة مناجم الجير الحيّ، والذي «لَحَسَ بصره»، على قول جدتي، والبعض الآخر في السجن العمومي. وبعد عودته القصيرة، وزاوجه من ابنة عمة له في هدوء، أرسلته العائلة مع عروسه إلى الدلتا، تحاشياً للمشاكل، مُشيّعاً ببعض المال من ميراث والده، والذي كان كافياً لشراء قطعة من الأرض يعيش على إيجارها. رُزِقَ جعفر، بأربعة صبيان كان أصغرهم جدي لأمي وديع، ونال لبعض الوقت لقب الـ «معلم»، بسبب عماه، وإن لم يكن معلماً حقيقياً ممن ينشدون ألحان الكنيسة في القداديس، ويعلمونها لمن بعدهم. فعلاقه المعلم جعفر بكنيسة بلدته الجديدة في الشرقية لم تكن على ما يرام، لأسباب يمكن تخيلها. فالرجل الذي زادت من غلظته سنين السجن، والعمى، وغربته عن أهله، كان كثير الشجار مع رعية الكنيسة، وبالأخص كاهنها، الذي كان معروفاً بعجرفته هو الآخر.

في الليلة التي تغير كل شيء بعدها، حمل جعفر وليدته الجديدة، فراولة، مهرولاً إلي بيت الكاهن. الساعة كانت الثانية صباحاً، لكن معمودية البنت لم تحتمل تأجيلاً، ففراولة قد نزلت نصف حية فقط، لا يتحرك أيّ من أعضائها وليس لها من علامات الحياة سوى أنفاسها الخافتة وغير المنتظمة. يمكن أن تتصور بسهولة كيف تحول الأمر إلى مشادة، بين جعفر الذي كان ينتفض من فرط الغضب والقلق، وبين الكاهن الجلف الذي أصابته الخبطات الشرسة على بابه بالفزع. يقال إن جعفر بدأ بتدوير عصاه في بيت الكاهن محطماً أثاثه، بعد أن أصرَّ الأخير على تأجيل الأمر بضع ساعات حتى يكون جاهزاً: «الصباح رباح يا معلم». ماتت فراولة قبل أن تشهد هذا الصباح الموعود، ستنام البنت إلى الأبد، فغير البالغين ممن لم ينالوا سرّ المعمودية، لا يدخلون إلى ملكوت السماوات، ولا يُحاسبون، يظلّون معلّقين في مكان بين السماء والجحيم، هائمين إلى الأبد.

في الأيام الأربعة التالية، والتي حبس فيها جعفر نفسه في الغرفة، ما كان يمزق قلبه لم يكن الموت، ولا ضربات القدر الإلهي، التي اعتادها، بل العجز أمام البشر. فإذا كان الرب قد اختار أن يحرمه من ابنة شيبته، لحكمة يعلمها أو عقاباً له على ذنوبه، فكيف لهذا الجلف، الذي يحمل مفاتيح السماء على الأرض، أن يحرمه من رؤيتها بعد الموت، فقط من باب العناد، والنكاية به، لأنه أقلق نومه؟

تنحنح أبونا أنطونيوس، وبدى على وجهة قليلٌ من عدم الارتياح: «يعني أنت ما بتجيش الكنيسة عشان الحكاية دي؟ أنت زعلان مننا ولا من ربنا؟». لم أُعِر مقاطعته هذه المرة، أي اهتمام، واسترسلتُ في بقية القصة. كان الرجل الضرير قد بدأ بالهذي بأمور هي خليط من الكفر والجنون، فمرة يعلن عن عزمه إحراق الكنيسة، ومرة أخرى وجدوه في المقابر ينبش في تربة البنت، حتى يستخرج جثمانها ويقوم بتعميدها بنفسه، ومرات كثيرة ادعى أن فراولة قديسة وتظهر له في المنام، وأشياء أخرى من هذا القبيل. لكن الرجل العنيد، لم يحتج سوى أسابيع قبل أن يستعيد رباطة جأشه، بل والأدهى أنه في أربعين البنت، ذهب إلى الكنيسة لحضور القداس، وتناول الخبز والكأس من يد الكاهن الجلف، وقبلها بعدها بكل إخلاص. كان الجميع يعرف أن الشيطان الذي يسكن رأسه، يخطط لشيء خطير.

تصرُّ جدتي أن الأمر كان معجزة، ففي الصباح التالي للأربعين، خرج الرجل الضرير من البيت وحده، دون أن يصطحب واحداً من صبيان العائلة كعادته، في المساء لم يعد جعفر. لكن غيبته لم تطل، فقد عاد إلي البلدة بعد ليلة واحدة قضاها في جهة غير معلومة، وبعدها بدأ في البحث عن شارٍ لأرضه الزراعية، ومصدر رزقه الوحيد. تقول الجدة إن الأرض بيعت في نصف نهار، واشترى جعفر بثمنها قطعة أرض بجوار البيت في النصف الآخر من النهار. لم يفهم أحدٌ سبب العجلة التي دفعته إلى البيع بالخسارة، والشراء بالخسارة أيضاً. احتفظ جعفر بالسرّ لنفسه، على مدى أربعة أعوام، كان يخرج وحده من البيت، وتحت إبطه ظرف كبير مثقل بالأوراق، لم يسمح لأحد من أهل بيته بالاقتراب منه. كان يغيب بالأسابيع عن البلدة، البعض ادعى أنه قد رآه مرةً في مركز المحافظة، ومرةً أخرى في قِنا، ومرات عدة في القاهرة والإسكندرية، يقولون إنه كان يبيت في الشوارع، وآخرون رأوه بصحبه أفندية كان يتصحفون أوراق الظرف باهتمام، وفي بضع مرات رأوه بصحبه خواجات، ومع رجالٍ يرتدون أزياء غريبة، ويربطون حبالاً على وسطهم.

«المهم يا أبونا، أقولك الموضوع خلص إزاي باختصار»، كنتُ قد اكتفيتُ من تلويع الرجل المسن، بعد أن أثبتُّ له ولنفسي، أن الدفة في يدي، وأن أوراق لعبة الاعتراف ليست بالضرورة حكراً عليه. كان جعفر قد ذهب في نهار الأربعين بحثاً عن الانتقام، فقد سمع بأن للكاثوليك مطرانية في المنوفية، وكان قد ضل الطريق قليلاً وقضى ليلته الأولى على رصيف محطة القطار في شبين الكوم، قبل أن يدله أبناء الحلال على طريقها في الصباح التالي. كان لقاء جعفر بالمطران، معجزة إلهية، بالنسبة للثاني بالتأكيد. فالرجل الضرير جاء عارضاً أن تتحول أسرته كلها إلى الكاثوليكية، وأن يبني كنيسة للطائفة في بلدته، يتكفل هو ببنائها وتأسيسها وثمن الأرض التي ستقام عليها. كل ما طلبه جعفر في المقابل، هو كاهن من الطائفة، يقبل بالانتقال إلى البلدة، ولا يزعجه أن تكون رعيته مكونه من ستة أفراد فقط، وكذلك يحبذ أن يكون صبوراً ليتحمل طباعه الخشنة. استلزم استصدار القرار الكنسي ذاته من روما بضعه أسابيع فقط، لكن الأمر برمته استغرق أربعة أعوام، من الإجراءات والشكاوى والتظلمات في الدواوين الأميرية، حتى صدر تصريح بالبناء من الحكومة، وهذه معجزة أخرى بحسب جدتي. لم يتوقف جعفر عن إثارة المشاكل بالطبع، فقد طرد القس الكاثوليكي بعد شهرين فقط، بحجه أنه يتكلم العربية بصعوبة. والراهب صغير السن الذي أرسلته المطرانية بعده، يقال إن جعفر قد أغلق باب الكنيسة في وجهه ورفض أن يسمح له بإقامة القداس لمدة شهر لأنه ضبطه يشرب النبيذ ويدخن في حديقة الكنيسة. تخبرني جدتي بأن جعفر كان قد أصيب بلوثة من الكفر في أيامه الأخيرة، فكان يهذي على سرير الموت: «دي كنيستي، بتاعتي أنا، مفيش حدّ ليه عندي حاجة، وهورثها كمان»، قبل أن يتم دفنه بجوار فراولة، بحسب وصيته.

لم أرَ على وجه أبونا أنطونيوس، مثل تلك الدهشة منذ أن بدأ لقائنا، بل لم أظنه حتى قادراً على الاندهاش بالأساس، كان الرجل قد بدى متردداً في شأني، فهل عليه حقاً أن يأخذ تلك القصة على محمل الجد، كإجابة على سؤاله، أم أنني قضيت ساعتين في سردٍ بُغيتُه الوحيدة هي السخرية منه وإهانته. ربما افترض الرجل أنني أعاني بعض الاختلال بسبب الظرف الذي أعانيه وأرغمني على مقابلته، ولذا قرر إنهاء لقائنا دون أسئلة. كان صوت أبونا مرهقاً، وهو يصافحني مودعاً: «شكراً يا بشمهندس على وقتك، الرب يباركك، وأشوفك الأسبوع الجاي في نفس الميعاد».