عالموضة

 

بعد الهدوء القسري الذي عمّ وسط مدينة حمص منذ عام 2015، عادت الحركة إلى الأسواق بالتدريج عقب سنوات من التراجع، وافتُتحت محلات جديدة. كما بدأت الأزياء التي ترتديها السيدات تختلف بوضوح، لا سيما مع عودة بعض عادات أهل المدينة إلى سابق عهدها، المتمثلة بإقامة مناسبات الفرح (كالزواج والنجاح والولادة والتخرج أو حتى ختم القرآن) في الصالات أو المزارع المجهزة، مصحوبةً ببذخٍ فاحشٍ أحياناً لدى بعض أهالي الطبقة الثرية منهم.

ورغم أن أصحاب المحلات، كما سيرد لاحقاً، يؤكدون أنّ «السوق ميت»، إلا أن ذلك لا ينفي وجود حركة شرائية متفاوتة، تزيد غالباً بحسب الفصول، لا سيما الصيف، أو عند قدوم الشتاء، أو بحسب مواسم التنزيلات في تشرين الثاني وشباط، وفي الأعياد. لكن إذا أخذنا بالاعتبار أنّ متوسط الأجر للموظف السوري لا يتجاوز 90 ألف ليرة سورية، أي ما قيمته 25 دولاراً، وأنّ الحد الأدنى للأجور في سوريا هو 37.600 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 10 دولارات، فسنجد أن هناك شريحة واسعة مُستثناة من هذه الحركة الشرائية، إذ لو افترضنا أنّ أسرةً أرادت شراء سترات شتوية لثلاثة أطفال، سعر الواحدة منها على الأقل 30 ألف ليرة (حوالي 8 دولارات)، فستضطر هذه الأسرة إلى دفع معاشٍ شهري كامل . 

من الممكن القول إنه لولا الحوالات الخارجية التي تصل إلى السوريين في الداخل، لما استطاع كثرٌ منهم شراء قطعة ملابس. ورغم امتناع الناس عن التصريح بهذا الأمر علناً، لأسباب كثيرة معروفة، إلا أنهم ما إن ينظروا إلى ثياب بعضهم البعض الجديدة أثناء المناسبات، أو حتى في الطريق، ليبدأ الهمس عن حوالة جديدة وصلت الأسرة هذا الشهر، غير تلك التي تصل من أجل الطعام والشراب وإيجار البيت.

عالموضة

هناك تغير ملحوظ ومتواصل في الذوق العام بخصوص الملابس، وهناك ملاحقة للموضة التي تظهر بحسب ما يتم عرضه في الأسواق أو عبر الإنترنت. على سبيل المثال، كانت إحدى الموديلات المنتشرة بين الصبايا هذا الصيف هي بناطيل «بوي فريند» وفوقها كنزات قطنية فضفاضة قصيرة تصل لحدود الخصر، أو بناطلين عريضة جداً من البولستر وفوقها كنزة ضيقة أو قميص ضيق يوضع تحت البنطال، أو أثواب طويلة هفهافة تصل كعب القدم، مصنوعة من القطن والفيسكوز مع حزام عند الخصر. ما زلنا هنا نتحدث عن الملابس التي يتم ارتداؤها في الطريق، أما تلك التي يتم ارتداؤها في السهرات الاحتفالية النسائية فهي أمر آخر، وبنظرة على المحلات التي تبيع ثياب السهرة، يجد المرء أنّ سعر الثوب يبدأ من 250 ألف ليرة وصولاً لأكثر من مليون ونصف، ومصدرها معامل دمشق وحلب، ويعتمد سعرها على نوع القماش، ونوع «الشك» الموجود فيه، ويزداد سوقها كثيراً في فصل الصيف. تخبرنا سلمى، وهي فتاة عشرينية جامعية، عن كرهها لحضور المناسبات النسائية، وأنها اضطرت تماشياً مع الضغط الاجتماعي والأسري الهائل من حولها، أن تشتري ثوب سهرة بأكثر من 200 ألف ليرة، وأنها لم تستطع تأمين هذا المبلغ الكبير بالنسبة لأي فرد سوري إلا بعد أن أرسلت لها أختها «المسافرة» إلى ألمانيا حوالة مُساعِدة. 

ارتداء المانطو

من الملاحظ أن ارتداء المانطو قد تراجع إلى حد كبير، وهو الزي الذي كان منتشراً بشكل واضح قبل سبع أو ثماني سنوات، وأصبح، إلى حدّ ما، محصوراً ببعض السيدات المتزوجات اللواتي اخترنه أو فُرض عليهن. كما توجد بعض الفتيات اللواتي ما يزلن محافظات على ارتداء هذا الزي، لكن مع اختلاف بين من تتمسك بارتدائه بطولٍ يصل إلى ما فوق كعب قدمها، أو بطول يصل إلى ما دون منتصف الساق، مع قصّات تُظهر تفاصيل الخصر. 

أما المحلات التي تبيع المانطو، فهي محدودة ومعروفة، وأقمشة الصيفي منها تكون غالباً من الكتان الرقيق المبطن، أو من البوليستر المتعدد الجودات، أو «ووتر بروف». أما في الشتاء، فهي من الجوخ أو من القطن المبطن أو من قماشة «الووتر بروف» المبطنة.

وثمة عرف موجود، لا سيما قبل 2011، أنّ من ترتدي المانطو الطويل يجب أن تلتزم به، وكأنه صنو الحجاب، الأمر الذي يمكن ملاحظة أنه بدأ يتغير تدريجياً. تقول لمى، وهي فتاة في نهاية العشرينيات توقفت عن ارتداء المانطو منذ خمس سنوات، إنّ والدها كان رافضاً لذلك في البداية، لكنه مع تغير «الظروف» اقتنع، ولم يعد يعترض. وأضافت أنّ أحد أسباب توقفها عن ارتدائه هو مللها من ارتداء نفس الزي يومياً. كما أنّ الثياب التي ترتديها الآن محتشمة، ولا تظهر شيئاً من تفاصيل جسدها. وتضيف لمى بأنها ما تزال ترتدي المانطو القصير في بعض الأحيان، لا سيّما عند الذهاب لعملها في معمل الأدوية، لأنه مريح وعملي. لكنها، بالمقابل، تحبّ ارتداء قمصان الجينز والجواكيت القصيرة في مساءات الخميس، حيث تتنزه في شارع الملعب أو في شارع الحضارة مع صديقاتها.

بيجامات للطريق

خلال الصيف المنصرم، انتشر على نحو لافت ارتداء الفتيات (المحجبات غالباً) بيجامات يعتبرنها مناسِبةً «للذوق العام» وتصلح للارتداء في الشارع. يتراوح سعر البيجامة الواحدة من أربعين ألف ليرة وصولاً إلى تسعين ألفاً، بحسب المحل الذي يبيعها والماركة التي تحملها. كما تتميز تلك البيجامات باختلاف نوعية القماش ومصدره، الذي يأتي غالباً من دمشق أو حلب، وهو ما يؤكّده أبو حسن، وهو اسم مستعار لتاجر يبيع ثياباً جديدة بالإضافة للبيجامات التي تقبل على شرائها الصبايا والسيدات. 

يقول أبو حسن إن البيجامات «مريحة»، إضافةً إلى أنّ أقمشتها باردة غالباً (من البوليستر مع نسبة من الفيسكوز)، ولذلك فإن الصبايا يفضلنها في الصيف. وتختلف موديلات البيجامات بحسب رغبة الزبونة، فمنها الضيق الذي يحدد تفاصيل الخصر والوركين والساقين والفخذين؛ ومنها الواسعة التي تخفي معالم جسد الفتاة، كما يختلف طولها من موديل لآخر. لكن بمقابل الفتيات اللواتي يستطعن بذل ثمنها وارتداءها، هناك الكثيرات من اللواتي لا يستطعن ذلك، وهناك أيضا اللواتي لا يسمح لهن أزواجهن أو آباؤهن بارتدائها.

محلات «الألبسة الأوروبية»

بحلقة صغيرة معلقة في طرف أنفها، وبوشم صغير على باطن معصمها، وبقصة شعر قصيرة جداً مع سوالف طويلة تلامس خديها، تحدثت مريم مبتسمةً عن مشوارها إلى شارع العشاق ومحلات الثياب «الأوروبية» التي تزورها شهرياً وبانتظام. تقول مريم إنها نسيت شراء الثياب من محلات الألبسة العادية، وبالكاد تحفظ أسماء محلات الماركات الموجودة في المدينة، لأن شراء الثياب منها يعني دفع أضعاف معاشها الذي تتقاضاه من عملها كموظفة في شركة صغيرة. وتضيف بحسم وإصرار وهي تمسح خط الكحلة البني الرقيق الذي وضعته بين رموش عينيها العسليتين، أن أقمشة البالة أفضل بألف مرة مما يباع بالسوق، وأن «عيار» القطعة الجديدة التي تشتريها من محلات الثياب الجديدة «غسلة» واحدة، وذلك قبل أن يصغر حجمها وتظهر رداءة الأقمشة المصنوعة منها. يؤكد على رأيها مهند، وهو موظف ثلاثيني في الجامعة، حيث قال إنه اشترى سترة من الجلد الصناعي بمبلغ أربعين ألف ليرة، لكنه بعد أن ارتداها عدة مرات تمزقت واهترأت وأصبحت غير صالحة للارتداء، بينما تمكن من شراء سترة مستعملة من الجلد الطبيعي بمبلغ 30 ألف ليرة، مؤكداً على أنها أفضل من أي سترة جديدة بمرات.

وعند زيارة الشارع الرئيسي في حي كرم الشامي نجد أبو محمد، وهو اسم وهمي لرجل يملك محلاً للبالة، أو لـ«الأقمشة الأوروبية» بحسب التسمية العصرية لها اليوم في سوريا، حيث يعمد الكثير من أصحاب محلات البالة إلى تسمية محلاتهم «فلان للألبسة الأوروبية»، كصيغة مواربة ومخففة عن كلمة «بالة». يجلس أبو محمد أمام محله ويشرب الشاي الثقيل مع جاره بائع القهوة، وعند سؤاله عن وضع البالة في محله تجهم وجهه، وأمسك كنزة قطنية مهلهلة وقال إنّ سعرها 15 ألف ليرة، ورغم ذلك لا يجد لها زبائن، لأن «الناس ما معها تاكل»، و«السوق ميّت». وأردف بأن «الحكومة» صادرت له شاحنة كانت محملة ببضائع قيمتها ملايين الليرات، مشيراً إلى أن البائع المجاور له أغلق محله، والبائع الآخر (للألبسة الأوروبية طبعاً) تم حبسه لشهرين بتهمة التهريب، ودفع كل ما يملك و«انخرب بيته». كان أبو محمد، بوجهه الأسمر وعينيه المتقدتين، غير راغبٍ بالحديث أبداً، وحين سُئل لماذا محلات البالة في شارع الحضارة والنزهة والعشاق لديها بضاعة متجددة دائماً، نفث دخانه وارتفع حاجباه فوق عينيه وقال: «الحضارة؟ أنا ما بعرف وين الحضارة، أصلاً بحياتي ما زرتها!». كان ذلك نهاية الحديث مع الرجل الغاضب الممتعض، والذي لم يرغب المشاركة في الحديث عن سبب قلة قطع الثياب الباقية في محله، وعن سبب إغلاق كثيرٍ من المحلات التي كانت تبيع البالة في وسط المدينة.

وبالمقابل، نجد صاحب محل البالة الشهير جداً في حي الإنشاءات، والذي يشارك زبوناته آراءه بكل استرسال وأريحية حول إن كانت تلك القطعة مناسبة لجسد الزبونة أو لا، منتشياً بكمّ البيع الذي يحققه كل أسبوع. عُرف عن المحل أنه من أكثر المحلات شهرةً في المدينة منذ حوالي أربع سنوات، وأن بضاعته من البالة المميزة في جودتها وتنوعها، حيث تتجمع السيدات ظهيرة كل يوم سبت أمام باب المحل بانتظار أن يفتح أبوابه أمامهن ليقمن بالانقضاض على الثياب المكوية والمرتبة بأناقة في أركان المحل، العابق برائحة «إيصانص» الياسمين المركز، والتي يمكن أن يشمها المرء مختلطةً مع رائحة البالة المميزة بسهولة. يمتلك التاجر في هذا المحل حنكةً كبيرة في التعامل مع زبوناته، حيث يمكن أن تجد الكثير من سيدات حمص المشهورات بثراء أسرهن ينتظرن دورهن يوم السبت. كما يمكن أن يجد المرء زبونات قادمات من أحياء بعيدة عن المحل، مثل أحياء المحطة والوعر والحضارة والحميدية وغيرها، أي إنّ هناك سيدات من مختلف الطبقات والانتماءات يزرنه. وعن هذا المحل «الماشي» قال مالك، وهو تاجر سابق للبالة، أنه يفترض أن تكون البالات ممنوعة، وإن دخلت فهي تدخل عن طريق التهريب وتباع عن طريق الجمارك بالمزاد، وهناك محلات يتفق أصحابها بين بعضهم على إحضارها عن طريق التهريب ويبيعونها لبعضهم البعض.

أما عن المحل الموجود في الإنشاءات، فإن صاحبه، حسب رأي مالك، يشتري بضاعته من بعض تجار البالة في حيّ الحضارة، ثم يفرزها ويكويها ويعرضها، الأمر الذي أكدته بعض السيدات الغاضبات من صاحب المحل. أما سبب الغضب فهو سماح صاحب المحل لبعض السيدات اللواتي يشترين من عنده بمبالغ كبيرة وبشكل دائم أن يرين البضاعة قبل عرضها على البقية يوم السبت، ويسمح لهن بانتقاء أفضل القطع قبل أن تراها الأخريات. وتتراوح أسعار الثياب عنده بين 25 ألف ليرة للكنزة مثلاً، وصولاً إلى40 أو 50 ألف ليرة للمعطف الشتوي. ولا تعتبر الأسعار المعروضة مناسبةً لكثيرين من الناس، فبالنسبة لمداخيلهم لا تزال هذه المبالغ مرتفعة جداً، لكنّ البائع بابتسامته الودودة، وبسجادة الصلاة الممدودة دوماً في طرف المحل، وبدماثته التي تشهد لها كل الزبونات، إضافة لقطع الثياب المميزة، يدفع بعضهن للاستدانة من أجل شراء قطعة واحدة عند حلول الأعياد أو عند قدوم الشتاء أو الصيف.
وتجدر الإشارة أن «الوصمة» المتعلقة بشراء ثياب البالة قد تلاشت تقريباً بين الناس، لا سيما مع الغلاء الجنوني في أسعار الثياب الجديدة ورداءة أقمشتها، واستحالة شراء ثياب من الماركات بالنسبة لشرائح كبيرة، بالإضافة إلى أن أسعار ثياب البالة باتت مرتفعة بالنسبة لدخول معظم الناس، وهو السبب الأهم.

ثياب وأحذية الأطفال

يمسك نادر، وهو صاحب محل ألبسة وأحذية للأطفال في حي الوعر، بحذاء رياضي للأطفال، ويقول وهو يدخن السيكارة وراء الأخرى إن سعر هذا الحذاء 20.000 ليرة، أي 5 دولارات وفق سعر الصرف الحالي، بينما كان سعر الحذاء الرياضي للأطفال الذي كان يبيعه قبل عشر سنوات 500 ليرة سورية، أي 10 دولارات، وبالتالي فإن سعر البضاعة الوطنية في السوق، بما فيها الألبسة، هو فعليّاً أرخص مما كان عليه قبل عشر سنوات، ولكن مع جودة أقل من السابق. ما تغير هو  أن سعر الصرف ارتفع، بينما بقيت الدخول على حالها. يتحدث الرجل طويلاً عن تراجع البيع في محله، وكيف أنه يضطر أحياناً لكسر أسعاره لتحريك البيع، حيث اعتاد أن يعلن في كل ثلاثاء عن عروض على بضاعته كي يجذب الزبائن إليه، ورغم ذلك فإن الإقبال قليل. يضيف البائع  بأنّ الموسم الوحيد الذي يشتغل فيه هو موسم المدارس، حيث تصل قيمة ثياب المدرسة للطفل الواحد إلى أكثر من ثلاثين ألفاً، أما في بقية الشهور، فإن البيع يظل ضعيفاً. 

ورغم أن وزارة التربية السورية تصدر منذ سنوات تعميمات حول «عدم التشدد في موضوع اللباس المدرسي وقبول المناسب منه»، إلا أنّ سيدةً مثل أم أحمد، زوجها مفقود في المعتقلات، تقول إنها كانت تفعل المستحيل كي تشتري كل ما يحتاجه أطفالها في موسم المدرسة، إلا أنها اعتمدت هذا العام على ثيابهم القديمة وبعض الثياب التي جاءتها من بعض معارفها، إذ لم تستطع تأمين المال لشراء ثياب جديدة.

الماركات

يقف صاحب أحد محلات الألبسة النسائية الجديدة بانتظار دخول زبونة إلى محله دون جدوى. يصفن قليلا ثم يقول: «كذابين، هدول ما ماركات». يؤكد البائع اليائس أن الماركات الأجنبية قد سحبت تراخيصها منذ سنوات، مثل شركة أديداس التي سحبت ترخيصها من سوريا، لكنّ المصانع المحلية المصنعة للبضاعة مازالت تطبع دمغة أديداس عليها ثم تبيعها. بالمقابل، يؤكد لؤي، وهو اسم وهمي لصاحب محل ألبسة تحمل علامةً تجارية مشهورة، أنّ التراخيص لم تُسحب من جميع المخولين ببيع ماركات أجنبية، لكن كثيراً منها أغلقت خلال «الأحداث»، مثل آزارو وبون بيلو وديادورا وبينيتون، أما الوكالات الموجودة الآن، مثل تاليس وماجيلا وإل بوتيك، فمازالت تراخيصها فاعلة.

يوضح لؤي أن لكل ماركة في سوريا وكيل واحد، يتواجد غالباً في دمشق أو حلب، ويتعين على هذا الوكيل أن يدفع ملايين الليرات لتوقيع اتفاق لعدة سنوات مع الشركة الأم المالكة للعلامة التجارية، ويتضمن الاتفاق دفع مبلَغين: الأول ثمناً للبضائع، والثاني كمبلغ تأمين للشركة المتعاقد معها. 

ويضيف لؤي أنه قبل 2011، كانت الشركة المالكة للعلامة التجارية ترسل خبيراً لمعاينة الآلات والقماش في مشغل الألبسة، حيث يقارنها الخبير مع المعايير المتبعة في الشركة الأم، لكن هذا الإجراء قد توقف منذ سنوات. أما بالنسبة لتصنيع الألبسة، فإن معظمها يكون في معامل محلية وبأقمشة سورية المنشأ، لكن وفق تصاميم ترسلها الشركة الأم، مع تحديد لنوعية الأقمشة الواجب استخدامها، أو يتم استيراد البضائع جاهزةً من الصين. 

وبالنسبة لنوعيات الأقمشة الموجودة في محل الماركة الذي يملكه لؤي مثلاً، نجد أنّ كثيراً منها مصنوع من البوليستر بنسبة تصل إلى 80 بالمئة، أو من القطن. يعلق لؤي بأن البوليستر هنا يكون ذا نوعية جيدة، حيث تقوم الآلات بتنعيمه حسب القماش المراد الحصول عليه في النهاية.

نموذج عن أصحاب الوكالات في سوريا

يمتلك محل ماركة أديداس صفحةً على فيسبوك، كُتب في التعريف عنها بأنها «ألبسة رياضية بترخيص من شركة أديداس العالمية، الوكيل الحصري في سوريا ماجد ومحمد الزايد»، وبالبحث في الإنترنت نجد أن «ماجد ومحمد الزايد» هو اسم لشركة محدودة المسؤولية تأسست عام 1993، مالكها محمد ماجد الزايد، ولا يوجد معلومات وافية وحديثة عن الشركة المحدودة أو صاحبها، ولم يكن بالإمكان التأكد من صحة الأقوال التي ترددت عن سحب شركة أديداس لترخيصها من سورية.

ومن خلال الاطلاع على صفحة فيسبوك الخاصة بماركة آيس كيوب، نجد في تعريفها: «يتم إنتاج معظم بضائع آيس كيوب في شركة المستقبل التابعة لمجموعة سمحا التجارية، في حين يتم إنتاج جزء من البضائع في أهم شركات صناعة الملابس في هونغ كونغ، وذلك تحت إشراف مجموعة سمحا التجارية». وبالبحث عن مجموعة سمحا لا نجد معلومات كثيرة حولها، باستثناء إشارة عابرة في أحد التحقيقات المستقاة من وثائق بارادايز إلى أحمد سمحا باعتباره مالكاً للشركة، وبوصفه كان «يملك محلات بينيتون في سوريا، وانتقل من عباءة رامي مخلوف إلى ماهر الأسد بعد خلاف مالي مع الأول، كما أن يملك شركة أوف شور في لبنان باسم مجموعة سمحا». 

الخياط الوسيم

في شارع الحميدية الرئيسي، يقبع محلّ ناءٍ معتم، واجهته عبارة عن ستارة رقيقة تحجب الشمس والذباب. وهناك، يجلس خياط أربعيني وسيم يعرفه عددٌ لا بأس به من أهل حمص. يقول لك الرجل، ومن دون مقدمات، إنه يأخذ مئة ألف ليرة ثمناً لثوب السهرة «أجرة إيده» إذا كان القماش خالياً من «الشك»، ومئة ألف للمانطو الطويل، وخمسين ألفاً للمانطو القصير أو للقميص أو البنطال، ولا مجال للمساومة على التسعيرة. وحين دخلت إحدى الفتيات لتفصيل قميص عنده، أخبرها أنه يأخذ القياس لمرة واحدة، ثم يعطيها موعداً للاستلام. ومسألة القياس لمرة واحدة، إضافةً لخفة ظله وشكله المحبب وتعامله الصارم والمهذب مع النساء، كل ذلك جعله مقصداً لكثير من السيدات لتفصيل الثياب التي لا يستطعن شراءها من محلات الألبسة الجديدة أو محلات الماركات. وعند سؤاله عن إقبال الناس لتفصيل الألبسة عنده، أكد أن الإقبال جيد، وأنه يقدم النصائح لزبائنه حول نوعية القماش الأفضل والأوفر عند الشراء، بل إنه قد يتصل بمعارفه في محلات الأقمشة لمساعدة زبوناته في اختيار قماش «الساتان» الأنسب، من حيث الجودة والسعر، لتصميم ثوب سهرة. وعند إجراء عملية حسابية للكلفة والأتعاب، نجد أن ثوباً لائقاً من صنعه سيكلف ما يقارب 175 ألف ليرة، في حين يزيد سعره في محلات الألبسة الجاهزة على 250 ألف ليرة في الحدود الدنيا. كل ذلك أكده الخياط أثناء أخذه لقياسات إحدى السيدات التي كانت برفقة زوجها الُمراقب بدقة إلى أين تمتد أيادي الخياط، والذي بالكاد لامس «الميزورة» بأطراف أصابعه حين وصلت يداه إلى قياس الصدر.

 يمكننا أن نقول إن موسم الخياطين والخياطات يتصاعد في الصيف، حين تكثر المناسبات. وهناك بعض الخياطين المعروفين الذين يتقاضون أجراً يصل لمئات الآلاف لقاء خياطة بدلة العرس، وتختلف الأجرة تبعاً لشهرة الخياط-ة. وتُقبل بعض السيدات والفتيات على تفصيل الثياب عوضاً عن شرائها، لكن لا يمكننا القول إن هذا الأسلوب منتشر بشكل واسع، وذلك بسبب غلاء الأقمشة، إذ يصل سعر متر قماش متوسط الجودة، مناسب لخياطة قميص مثلاً، لسبعة أو ثمانية آلاف ليرة، لكنّ الأمر موجود في المدينة ويلجأ إليه بعض الراغبين بالقيام بتدبير اقتصادي يجنبهم دفع مبالغ طائلة، أو في حال رأوا «موديل» على الإنترنت ليس له مثيل في السوق.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن شراء قطعة ملابس واحدة لكل فرد من أسرة تحوي أطفالاً هو أمر شبه تعجيزي ويحدث كسراً في الميزانية الصغيرة للأسرة، وإلى أنّ أفق الشراء ينغلق تدريجياً أمام الناس الذين أصبح كثيرون منهم غير قادرين حتى على شراء الثياب المستعملة، عدا أولئك المحظوظين بـ«حناين» في الخارج يرسلون لهم مالاً إضافياً لشراء قطعة ثياب تدفئهم في الشتاء، أو تسترهم في الصيف والمناسبات. هؤلاء هم من يستطيعون تجربة ترف شراء قطعة ملابس تقيهم البرد وتعطيهم مظهراً اجتماعياً لائقاً مطلوباً بين الناس، وإلاّ عليهم انتظار من يمنّ عليهم بإعطائهم بعض الملابس القديمة، أو توارث ملابس بعضهم البعض، وارتداؤها مراراً وتكراراً حتى تهترئ.