عام دراسي جديد في الشمال السوري

 

بدأ العام الدراسي الجديد في أرياف حلب الشمالية والشرقية في تواريخ مختلفة، بين الثلاثين من شهر آب والخامس والثاني عشر من أيلول الماضي، والثامن عشر من أيلول في المدارس التابعة لحكومة الإنقاذ في مديريات التربية التابعة لها، وسط احتياجات كبيرة وزيادة في أعداد الطلاب، ونقص هائل في الرواتب والوسائل التعليمية والخدمات الصحية مع ارتفاع أعداد الإصابات بفيروس كورونا، وغياب لكثير منها. كما ترافق ذلك مع ارتفاع في أسعار القرطاسية وتسرب أعداد كبيرة من الطلبة. وقد دفعت زيادة انتشار فيروس كورونا حكومة الإنقاذ إلى إعادة إغلاق المدارس بعد ثلاثة أيام فقط من بداية العام الدراسي.

استقبلت الأسر والكوادر التدريسية أيلول المدارس بالكثير من الرهاب، في ظل عدم الاستقرار الذي فرضه غياب خطة تعليمية واضحة، وتوقف الدعم عن قطاع واسع من المدارس، خاصةً الإعدادية والثانوية، إضافة للتكلفة الكبيرة، والأهم من ذلك غياب الجدوى في ظل تراجع المستوى التعليمي وأزمة الاعتراف بالشهادات الصادرة عن مديريات التربية والحكومات التي تتبع لها.

ولتحقيق مسح أوسع عن التعليم في إدلب وأرياف حلب، في المناطق التي تتبع إدارياً لحكومتي الإنقاذ والمؤقتة، كان علينا الوقوف على أهم المواضيع المتعلقة بالتعليم في هذه المناطق، بالاعتماد على تقريرين صدرا في نيسان الماضي، أصدرتهما وحدة تنسيق الدعم، تحت عنواني: «المدارس في سوريا» و«المدارس في مخيمات الشمال السوري»، فضلاً عن دراسة لمركز حرمون بعنوان «التعليم في مناطق الشمال السوري»، وبالعودة لموقعي وزارتي التربية والتعليم (المؤقتة والإنقاذ)، وصفحات مديريات التربية في المصادر المتاحة، ومصادر خاصة من مديرية تربية إدلب والمجمعات التربوية في حلب، ومدراء ومدرسون في هذه المدارس وأهالي الطلبة.

نظرة عامة

تضم وزارة التربية في حكومة الإنقاذ أربع مديريات تربية تتبع لها (إدلب، حلب، الساحل، حماة)، بينما تضم منطقة عفرين 5 مديريات تربية (عفرين، راجو، جنديرس، شران، بلبل)، تتبع جميعها لمديرية التربية في أنطاكيا التركية، ويضم ريفا حلب الشمالي والشرقي 10 مديريات تربية، 4 منها تتبع لمديرية التربية في غازي عنتاب التركية، وهي (الباب، قباسين، بزاعة، جرابلس)، و6 منها تتبع لمديرية التربية في كيليس التركية، وهي (إعزاز، مارع، صوران، أخترين، الراعي، مديرية تربية المخيمات).

كما تضم عفرين وأرياف حلب 7 ثانويات شرعية تتبع لوقف المعارف التركية، في كل من (إعزاز، قباسين، تركمان بارح، مارع، جرابلس، الباب، عفرين). وسواء في الثانويات الشرعية أو مديريات التربية، تعين الحكومة التركية مندوبين عنها لتنسيق عمل المدارس في هذه المناطق.

تسعة أعشار مخيمات الشمال بدون مدارس

من أصل 1302 مخيماً في الشمال السوري (إدلب وشمال حلب)، تتوزع المدارس في 175 مخيماً، وتضم 189 مدرسة، 97 بالمئة منها مسجلة لدى جهات رسمية. وتغيب المدارس عن أزيد من 1100 مخيم، منها مخيمات عشوائية ونظامية، ويتكبد الطلبة فيها مشقة الذهاب إلى مخيمات أخرى للتعلم أو إلى القرى والمدن القريبة من أماكن وجود المخيمات. وكذلك تغيب الروضات، إذ لا يوجد سوى 4 منها في كامل المخيمات.

يقول خمسة أشخاص تحدثنا معهم، يقطنون في مخيمات مختلفة، إن أبناءهم يضطرون للسير لأزيد من 2 كيلومتر يومياً لاستكمال دراستهم، تزيد هذه المسافة وتنقص في مخيمات أخرى، بينما يلجأ آخرون إلى التعلم لدى أشخاص متطوعين أو في حلقات التعلّم في المساجد. آخرون لم ينالوا أي تعليم، أو ابتعدوا عنه نتيجة بعد المسافة والظروف المناخية القاسية وغياب وسائل التنقل العامة.

تخبرنا السيدة أم مصطفى، وهي أرملة تعيش في مخيم عشوائي بالقرب من دير حسان، أن أطفالها الثلاثة تخلوا عن التعليم بعد نزوحها من ريف إدلب الجنوبي منذ سنتين. تقول إنهم «نسوا القراءة والكتابة أيضاً، وكل ما كانوا قد تعلموه سابقاً». وتبعد أقرب مدرسة عن مكان وجود أم مصطفى نحو 3 كيلو مترات، على حد قولها، وهي مسافة لا يمكن قطعها سيراً على الأقدام.

ليست المدارس الموجودة في المخيمات مدارس نموذجية، إذ أن 30 بالمئة منها عبارة عن خيمة أو أكثر، و19 بالمئة منها على شكل كرفانات، و14 بالمئة غرفاً إسمنتية، و8 بالمئة صيوانات، و6 بالمئة غرفاً اسمنتية مسقوفة بألواح التوتياء، ومدرسة طابقية وحيدة، إضافة لـ 1 بالمئة مدارس طينية، فقط 10 بالمئة تأخذ شكل البناء المدرسي.

لا يوجد مياه للشرب والاستعمال المدرسي في 21 بالمئة من هذه المدارس، بينما تعتمد باقي المدارس على الصهاريج والشبكات العامة ومياه الآبار. 13 بالمئة من هذه المدارس أيضاً لا تحتوي على صنابير مياه، والتي تستخدم من أعداد كبيرة، إن توافرت، إذ أن 54 بالمئة من الصنابير تخدم أكثر من مئة طالب. وكذلك تغيب دورات المياه عن 32 بالمئة من المدارس، وتصرف المياه العادمة الناتجة عن دورات المياه، بنسبة 60 بالمئة، في جور فنية غير نظامية، و7 بالمئة منها تصرف في العراء.

بخصوص الأثاث المدرسي، فإن 92 بالمئة من المدارس تحوي مقاعد، قسم منها يحتاج للإصلاح أو التبديل، و62 بالمئة تحتاج إلى مدافئ، و60 بالمئة منها تحتاج إلى سبورات و81 بالمئة منها تحتاج إلى طابعات و68 بالمئة تحتاج إلى حواسيب.

يبلغ عدد الطلاب في المخيمات أزيد من 64 ألف طالب، 52 بالمئة من الإناث، وتتوزع المدارس على المراحل الدراسية بنسبة: 21 بالمئة للحلقة الأولى من الصف الأول إلى الرابع، 76 بالمئة للحلقة الأولى والثانية حتى الصف التاسع، و2 بالمئة تُدرّس كافة المراحل حتى نهاية المرحلة الثانوية. ويشكل الطلاب بين عمر 13-15 عاماً، نحو 8 بالمئة من عدد الطلاب، ما يدل على التسرب الدراسي في الحلقة الثانية، وهي مرحلة تدخل ضمن التعليم الإلزامي.

تعاني المدارس من نقص في الكتب المدرسية، والتي يتم الحصول عليها من وزارات التربية والمنظمات المحلية، إضافةً للكتب المستعملة ومساعدات المنظمات الدولية ووقف المعارف التركية، كذلك جهات أخرى كطباعة كتب على نفقة المدرسة أو إدارة المخيمات. وتعاني هذه المدارس من زيادة في أعداد الطلبة، إذ أن 33 بالمئة منها تصنف تحت بند «مكتظة جداً»، و47 بالمئة تحت بند «مكتظة».

في هذه المدارس 661 طالباً وطالبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بينهم إعاقات حركية وذهنية، إضافةً لفاقدي السمع والبصر والنطق، وليس هناك أي وسائل مساعدة لتعينهم في تحصيلهم العلمي، ولا يوجد مدرسون مختصون بشكلٍ يتوافق مع احتياجاتهم. ويزيد عدد المدرسين في المخيمات عن 2300 مدرس، 80 بالمئة منهم يتقاضون رواتباً من مصادر متعددة (منظمات محلية 54 بالمئة، تربية حرة 18 بالمئة، منظمات دولية 17 بالمئة، وقف المعارف التركية 12 بالمئة).

88 بالمئة من المدرسين تخرجوا من كليات ومعاهد تؤهلهم لممارسة مهنة التعليم، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين خريجي جامعات غير مختصة بالتدريس والطلاب غير الخريجين، والحاصلين على الشهادة الثانوية أو ما دونها. ويبلغ متوسط رواتب المدرسين في المخيمات 154 دولار في المنظمات المحلية، و135 دولار في المنظمات الدولية، و107 دولارات في التربية الحرة، و96 دولار في وقف الديانة التركي.

في إدلب ما يزال واقع التعليم على حاله

لا تختلف الأرقام والتحديات التي تواجه التعليم في إدلب عنها في تقريرنا السابق لعام 2019، خاصةً مع تراجع الدعم المُقدم من المنظمات الدولية والمحلية، سواءً للمدرسين والكلفة التشغيلية أو المدارس وبنيتها التحتية ووسائلها التعليمية. يقول محمد عتيق، وهو معاون مدير تربية إدلب، إن العام الدراسي سيبدأ في الثامن عشر من أيلول الجاري (تأجل لاحقاً نتيجة ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس كورونا)، مقدراً عدد الطلاب الذين يتوقع دخولهم إلى المدارس بـ 352 ألف طالب، سيتوزعون في 1018 مدرسة، منها 508 مدرسة تتلقى الدعم. ويقدر عتيق عدد الكوادر التعليمية بـ 16650، منهم 10900 يتلقون رواتب لقاء عملهم.

تقدر دراسة وحدة تنسيق الدعم عدد المدارس في محافظة إدلب بـ 902 مدرسة، منها 785 مدرسة عاملة، 46 بالمئة منها كتل اسمنتية و37 بالمئة كرفانات و11 بالمئة منزلاً ريفياً و3 بالمئة بناءً طابقياً، و2 بالمئة سكناً مهجوراً لأحد المؤسسات الحكومية، و1 بالمئة خيام و1 بالمئة مسجداً. ثلاثة أرباع هذه المدارس مجهزة بشكل جيد، و98 بالمئة منها مخدمة بالمياه بطرق متنوعة، كالصهاريج والآبار وشبكة المياه العامة، إضافة لـ 4 بالمئة من المدارس لا تحوي على دورات مياه، وتضم 77 بالمئة من المدارس مقاعداً صالحة للاستخدام.

إلى ذلك، تفتقر 79 بالمئة من المدارس للمختبرات، والنسبة الباقية تتوزع بين مختبرات موجودة وغير فعالة أو مجهزة بشكل جزئي. فقط 1 بالمئة من المدارس تملك مختبرات عاملة، وتغيب المكتبات عن 65 بالمئة من المدارس، وقاعات الحاسوب عن 90 بالمئة منها. وتحتاج 36 بالمئة من مدارس إدلب لمدافئ، إضافة لحاجة المدارس إلى أزيد من 3 آلاف سبورة، و767 طابعة.

وتعتمد المدارس في إدلب بنسبة 100 بالمئة على المنهاج السوري المعدل، وتعاني من نقص كبير في نسخ المنهاج، يزيد عن 58 بالمئة من حاجتها، وفي الصفوف كافة، والتي تحصل عليها من التربية الحرة والكتب المستعادة والمنظمات المحلية والدولية، إضافةً لتربية النظام. ويقول عتيق إن الكتب «ستتأخر إلى الفصل الدراسي الثاني، ليتم طباعتها لدى منظمة قطر الخيرية».

نحو ثلاثة أرباع المدارس يتناسب فيها حجم المدرسة مع أعداد الطلبة، فيما تعاني 12 بالمئة من المدارس من اكتظاظ كبير و15 بالمئة من اكتظاظ متوسط، ويبلغ متوسط التسرب الدراسي في إدلب نحو 68 بالمئة من الطلاب بين أعمار 6-18 سنة. ولا يتلقى 36 بالمئة من مدرسي إدلب أي دعم مالي أو رواتب نظير عملهم، ولا تتناسب الرواتب المقدمة (متوسط الرواتب نحو 100 دولار) مع حياة المعلمين في المنطقة وتأمين احتياجاتهم اللازمة.

وتضم نصف مدارس إدلب طلاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة، تتوزع بين الإعاقة الحركية والذهنية، وفاقدي السمع والبصر والنطق، ويبلغ عددهم نحو 2148 طالباً وطالبة، يتلقون التعليم في مدارس تخلو من أي تجهيزات تخصهم أو مختصين بتعليمهم.

إلى عفرين

تقدر عدد المدارس العاملة في مديريات التربية الخمس في عفرين بـ 199 مدرسة، أي بنسبة 90 بالمئة من مدارس المنطقة، تتوزع على 165 قرية وبلدة ومدينة.

يقول مدرسون في عفرين للجمهورية.نت إن الاكتظاظ هو عنوان العام الحالي، إذ تشهد المدن زيادةً كبيرة في عدد الطلاب، ويضربون مثالاً عن مدرسة خالد بن الوليد في جنديرس، والتي تضم أزيد من 20 غرفة صفية، يقولون إن 8 صفوف للصف الأول الابتدائي تم تجهيزها في العام الحالي، وفي كل غرفة صفية يزيد عدد الطلاب عن خمسين طالباً، ويوجد في ساحات المدارس أكثر من 1500 طالب، ما يزيد العبء على المدرسين وقدرتهم على ضبط الطلاب وتقديم المنهاج لهم بشكل سليم.

ويتحدث المدرسون عن تبعية المدارس للحكومة التركية، ومنعهم من الإدلاء بشهاداتهم أو التعبير عن امتعاضهم أو انتقادهم لأي قضية تخص التعليم، في المنطقة الذي يزيد عدد مدرسيها عن 1350 مدرّساً ومدرّسة، يتقاضون رواتب محدودة، على حد قولهم، إذ يتقاضى مدير المدرسة 850 ليرة تركية، ومعاونه 800 ليرة تركية، بينما يتقاضى المدرس المتزوج 750 ليرة والأعزب 700 ليرة تركية.

يخبرنا معلمون في عفرين أن أكبر ما يعيشونه من تحديات هو عدم التوازن بين الراتب الذي يتقاضونه وتكاليف الحياة، خاصة في ظل قوانين تمنع ممارستهم لأي عمل إضافي، كذلك غياب الوسائل التعليمية بالكامل، ويؤكدون على جاهزية البنى التحتية في المدارس وترميمها باستمرار.

ويشتكي المدرسون من غياب مواد تعليمية أساسية، مثل العلوم الاجتماعية والفنية في الحلقة الأولى، وعلم الأحياء من الصف الرابع حتى السادس، وتخصيص أربعة حصص أسبوعياً في المراحل كافة للغة التركية، متساوية بذلك مع اللغة العربية، وخمسة حصص تتعلق بالديانة والقرآن والسيرة النبوية على حساب المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء.

يخبرنا المدرسون أن هذه المناهج غير متناسبة مع الطلبة، خاصة في ظل نقص الكتب المدرسية والمدرسين المختصين باللغة التركية. يقول مدرس منهم إنه من أصل 25 طالباً في الصف السادس الذي يقوم بتدريسه 19 طالباً لا يجيد القراءة مطلقاً أو يعتمد على التهجئة!

ويضيف إن قراراً غير رسمي ينفذ في المدارس لنقل الطلاب في المراحل التعليمية دون اختبارات حقيقية أو اشتراط نجاحهم في الامتحانات، إذ يمنع ترسيب أي طالب دخل إلى المدرسة ولو ليوم واحد في العام الدراسي كاملاً!

وتقسم مدارس إلى عفرين إلى 43 بالمئة من المدارس النظامية و55 بالمئة مدرسة ريفية و3 بالمئة مؤقتة، تحقق 35 منها معايير الأمان من سياح وساحات، 93 بالمئة من غرفها الصفية مجهزة بشكل جيد و100 بالمئة منها مزودة بمياه الشرب، إضافة لتوفر دورات المياه والمقاعد في 94 بالمئة من المدارس. لا وجود للمختبرات في 93 بالمئة من مدارس عفرين، كذلك بالنسبة قاعات الحاسوب في 95 بالمئة منها، والمكتبات في 90 بالمئة، وتحتاج 134 مدرسة لسبورات، إضافة لـ 156 طابعة.

تبلغ نسبة التسرب في مدارس عفرين نحو 65 بالمئة من الطلاب في عمر الدراسة بين (6-18 سنة)، ويتلقى 91 بالمئة من مدرسيها رواتبهم من وقف المعارف التركية، بينما يتقاضى 9 بالمئة منهم الرواتب من منظمات محلية ودولية، وتعتمد على المنهاج السوري المعدل، وتقدم هذه الكتب من قبل التربية الحرة والجهة المسيطرة والكتب التي يعاد استخدامها، وتصدر شهاداتها عن المكتب التعليمي في المجالس المحلية، ولا تتجاوز رياض الأطفال في المدارس نسبة 1 بالمئة، وتضم 23 بالمئة من مدارس عفرين طلاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة دون تجهيزات أو مدرسين مختصين.

شمال حلب وشرقها

تسع مديريات تربية تتوزع في هذه المنطقة، إضافة لمديرية تربية المخيمات، تقدر عدد المدارس فيها بـ 297 مدرسة، منها 285 عاملة، تتوزع في 192 مدينة وقرية وبلدة.

تضم هذه المدارس نحو 3500 مدرساً ومدرسة، يتقاضى 76 بالمئة منهم رواتبهم من وقف المعارف التركية، بالترتيب ذاته في عفرين، و24 بالمئة منهم يتقاضى راتبه من مديرية التربية الحرة، ويبلغ متوسط الراتب فيها نحو 116 دولار.

التعليم مجاني في معظم مدارس هذه المنطقة، ولا يدفع الطلاب أي رسوم سوى في 8 بالمئة من هذه المدارس، ولا تزيد نسبة الاكتظاظ في المدارس عن 8 بالمئة.

تدرس هذه المدارس المنهاج السوري المعدل، وتحصل عليه من التربية الحرة والجهة المسيطرة إضافة للكتب المستعادة، وتمنح شهاداتها من قبل المكتب التعليمي في المجالس المحلية.

لا تتناسب أعمار 42 بالمئة من الطلاب في المنطقة مع تحصيلهم العلمي، ويبلغ عدد الطلاب نحو 250 ألف طالب في حلب وريفها إضافة لمنطقة عفرين، وتزيد نسبة التسرب الدراسي فيها عن 67 بالمئة.

ثلث مدارس ريف حلب الشمالي والشرقي تضم رياض أطفال، إضافة إلى أن 97 بالمئة منها تحوي مقاعد صالحة للاستخدام، وتقسم مدارسها إلى 79 بالمئة مدرسة نظامية، و15 بالمئة ريفية و6 بالمئة مؤقتة، معظمها بغرف صفية جاهزة و59 بالمئة تحقق معايير الأمان، و97 بالمئة تحصل على المياه وتمتلك دورات مياه. وتفتقر مدارس الريف الشمالي للمختبرات بنسبة 86 بالمئة من المدارس، والمكتبات 87 بالمئة، وقاعات الحاسوب 88 بالمئة.

كورونا والإجراءات الغائبة

لا تمتلك 98 بالمئة من مدارس عفرين ميزان حرارة، كذلك 91 بالمئة من مدارس ريف حلب الشمالي، و85 بالمئة من مدارس إدلب و80 بالمئة من مدارس المخيمات، ولا يتم تطبيق التباعد الاجتماعي بمعدل نصف هذه المدارس على الأقل، ولا يحوي القسم الأكبر منها على معدات التنظيف والصابون، ولا تعقم أكثرها بشكل دوري، ولا يرتدي قسم كبير من الكوادر التعليمية والطلاب الكمامات، ولا توزع في المدارس إلا بنسب قليلة، وبكميات قليلة تجبر المدرسين على استخدامها لأيام متتالية أو شرائها على نفقتهم الخاصة.

وكانت مديريات التربية قد فرضت على المدرسين تلقي جرعتي اللقاح، لكن هذا الأمر لم يطبق لدى جميع المدرسين حتى اللحظة. يقول مدرس في عفرين إنه لم يتلق اللقاح حتى الآن، وإن معظم الطلبة والكوادر لا يضعون الكمامات لارتفاع سعرها، ويتحدث عن صعوبة التحدث بها وشرح الدرس، أيضاً تكلفهم لمبالغ إضافية في ظل غرف صفية تضم خمسين طالباً، فما نفع الكمامة إذن! على حد تعبيره.

يقول والد أحد الطلبة أن أكثر من مئتي طالب يستخدمون صنبور المياه نفسه والحمام ذاته ومقبض الباب دون وجود لأدوات التعقيم، فلماذا عليه أن يدفع ثمن كمامة لن تقِ من الفايروس، خاصةً وأن طفله يجلس بجانب ثلاثة أطفال في مقعد واحد.

يلتزم مثلاً شعبياً «الضحك على اللحى»، وهو يخبرنا أن قوانين التباعد الاجتماعي أولى من الكمامة، وأن المديريات والمدارس عاجزة عن تحقيق أبسط أشكال هذا التباعد في ظل ضيق المساحات وقلة الأدوات.

لن نشتري قرطاسية

بجولة في أسواق إدلب وعفرين وريف حلب الشمالي، وبسؤال عدد من أصحاب المحلات والأهالي، قدر ثمن قرطاسية من النوع المتوسط، تضم لباساً وحقيبة وخمسة دفاتر، وأقلام وألوان وأدوات هندسية ومقلمة، بنحو 75 دولار على الأقل. يقولون إنهم يختارون أقل الأنواع جودةً في السوق، ودون إضافة ثمن حذاء، لباس رياضي، ثياب أخرى، معطف للشتاء، عندها يزيد المبلغ عن 150 دولار.

ويبلغ متوسط أجر عامل مياومة في هذه المناطق نحو ٢٠ ليرة تركية، أي نحو ٨٠ دولار، حاله كحال المدرس الذي يتقاضى نحو ٩٠ دولار، وهو ما يعنى أن يتخلى المدرس والعامل عن راتبه لستة أشهر لشراء قرطاسية لأولاده.

ولم توزع المنظمات الإنسانية، بحسب من تحدثنا عنهم، قرطاسية أو حقائب مدرسية إلا على نطاق ضيق، ولأعداد قليلة، وهو ما دفع الأهالي لعدم شراء هذه الأدوات أو تسريب أطفالهم من المدارس بحجة الكلفة الزائدة، والتي تضيف عبئاً جديداً على حياتهم الصعبة.

المدرسون وحيدون

مع التهجير والنزوح الذي شهدته المنطقة ترك معظم المدرسين مناطقهم والتحقوا بمديرياتهم في المناطق التي نزحوا إليها. ويفصّل لنا مدرس في إعزاز راتبه الشهري بالقول: «أتقاضى 750 ليرة تركية، أدفع 400 منها أجرة للمنزل، و150 ليرة ثمن بنزين لدراجتي النارية للوصول إلى المدرسة، و95 ليرة ثمناً لأسطوانة غاز، وأعيش بالباقي مع أطفالي، وهي 55 ليرة لا تكفي ثمناً لربطة خبز كل يوم!

يعمل المدرسون في مهن أخرى دون إخبار مدارسهم خوفاً من فصلهم، لتأمين معيشتهم، كما يقول المدرس. ويضيف: «لا يوجد من لا يعمل عملين أو ثلاثة أعمال. المدرسون متوزعون في مهن الموبايلات وتصليحها، سائقون، عمال مياومة، مزارعون في القطاف، وينقلون هذا اليأس لطلابهم الذين يعيشون في الأصل عدم استقرار في ظل عدم الاعتراف بشهاداتهم وضعف التحصيل العلمي والمناهج، والجدوى من التعلم!

«تجدد عقودنا دورياً ونخاف في كل سنة من الاستغناء عنا أو توقف الدعم، ما الذي يمنع؟» يقول المدرس إن أكثر من 10 آلاف مدرس في تركيا استُغني عن عقودهم في العام الحالي، ونحن مثلهم، من الممكن أن يتوقف الدعم عنا في أي لحظة، وليست إدلب بمثال بعيد عنا، إذ لا يتقاضى نصف المدرسين رواتبهم منذ ما يزيد عن عامين، ما دفعهم لهجر المدارس وترك الطلاب لقدرهم.

يخبرنا عبد الناصر، مدرس ومشرف في مدرسة الأتارب الشمالية، وبشار عطار مدير المدرسة ورئيس المجلس المحلي فيها، أن الدعم «يصل فقط لمدرسي الحلقة الأولى، بينما يعمل المدرسون الآخرون كمتطوعين، ولا يوجد دعم للمدارس والوسائل التعليمية، ولسنا مجهزين لمواجهة فايروس كورونا. لا يوجد مستقبل للتعليم هنا».

ويقول محمود عرب، رئيس مجلس دارة عزة، إن «رواتب المعلمين هي العقبة الأكبر أمام سير العملية التعليمية واستمرارها، أضف إلى ذلك تزايد أعداد الطلاب والمعلمين نتيجة النزوح الأخير وما ترتب علية من تزايد في الحاجة إلى الكتل المدرسية التي نعاني من نقص فيها بالأساس، ناهيك عن التعليم في المخيمات وعدم توفر بيئة تعليمية صحيحة ضمنها، وفقدانها لأهم عناصر ومقومات التعليم. هناك أيضاً مشكلة نقص الأثاث المدرسي الذي تعاني منه معظم المدارس من مقاعد مدرسية وطاولات وخزانات ولوازم أخرى».

يحلم الأطفال في أيلول بمدارسهم، ومن ضمن أمنياتهم أقلام ودفاتر ملونة، حذاء رياضي، وحقيبة عليها أحد أبطالهم المفضلين. أما في مدارسنا، فلا وقت للأحلام في انتظار تأمين ميزان حرارة أو كتاب قديم للتعلم، أو راتب لمدرس تكسر خشونة يديه من عمل المياومة ألواح الطباشير، عله يحظى ببعض الاستقرار الذي لم يعشه منذ أكثر من خمسين عاماً.