عسكر الحب

 

إِنّي عَشِقتُ وَهَل في العِشقِ مِن باسِ
ما مَرَّ مِثلُ الهَوى شَيءٌ عَلى راسي

ما لي وَلِلناسِ كَم يلحونني سَفَهاً
ديني لِنَفسي وَدينُ الناسِ لِلناسِ

ما لِلعُداةِ إِذا ما زُرتُ مالِكَتي
كَأَنَّ أَوجُهَهُم تُطلى بِأَنقاسِ

اللَهُ يَعلَمُ ما تَركي زِيارَتَكُم
إِلّا مَخافَةَ أَعدائي وَحُرّاسي

وَلَو قَدِرنا عَلى الإِتيانِ جِئتُكُمُ
سَعياً عَلى الوَجهِ أَو مَشياً عَلى الراسِ

وَقَد قَرَأتُ كِتاباً مِن صَحائِفِكُم:
«لا يَرحَمُ اللَهُ إِلّا راحِمَ الناسِ»1

تختصر هذه القصيدة فلسفة أبي نواس وحياته وشعره: من العشق المزلزِل، إلى الدين الفردي، وصولاً إلى الخوف من الناس والثقة بالله عز وجل.

بالرغم من أن محققي ديوان أبي نواس يجزمون بنسبة القصيدة إليه، ومحققي ديوان الحلاج ينفونها عن الصوفي المصلوب ويعتبرونها مما يُنسب إليه، ما زال البعض ينسبها إلى الحلاج: كأن الفاجر النؤاسي في مرحه الهادئ اللطيف، يوازي ويعكس تجهّم الحلاج الخفيف: كلاهما يطلب من الناس أن تتركه وشأنه في إيمانه بالله وعلاقته الشخصية معه، فيخلط الناس بينهما: ليلتقي المجون الشَرود مع الحلول في الله. كلاهما، المجون والحلول، ينبعان من جذر مشترك واحد أليم: الرغبة بالهرب من العالم البشع القاسي هذا.

ولكن، ممّ يهرب طالب الرحمة النؤاسي؟

من الشعر التقليدي والكذب والنفاق، والقيم العربية الفروسية، ومن أهله.

ولد الحسن بن هانئ لأب عربي من عسكر مروان الحمار، آخر خلفاء بني أمية. استقر الجندي في البصرة بعد الهزيمة الدموية، مع زوجته الفارسية، وعاشا على الكَفاف. توفي الأب، ولم تستطع الأم تأمين لقمة العيش بكرامة. عمل الحسن في ديوان عطّار منذ طفولته المتأخرة، في عصر كان العرب ما زالوا يحتقرون فيه المهن والحِرَف. أحب الشعر، وواظب على حلقات الفقهاء والمتحدّثين والأدباء في مساجد البصرة.

ذهب إلى الكوفة مع أشهر مُجّان العصر والبة الأسدي، ثم عاد منها إلى البصرة، ثم غادر إلى بغداد، ومنها إلى مصر لفترة قصيرة، ليعود إلى بغداد ويستقر فيها إلى مماته.

في ذلك المجتمع الذي يقدّس المال والنّسب الرفيع والشجاعة الجسدية، لمع نجم أبو نواس: الفقير، الحقير النسب، الناعم الرقيق الوسيم. تحدى الشابّ كل قيم العرب الأسطورية، بدون أن يكل أو يمل، عاصياً الخلفاء والفقهاء والكتّاب والدين والله.

تكاد تكون الأطلال الموضوعة المفضّلة لسخرية أبي نواس: معظم خمرياته تدور حولها، بل حتى بعض أشهر مدائحه للرشيد والأمين، ونصف قصائده في الجواري والغلمان. وكما يفتتح الشاعر التقليدي قصيدته بالوقوف على الأطلال، يفتتح النؤاسي قصائده بالسخرية منها:

عاجَ الشَقِيُّ عَلى دارٍ يُسائِلُها
وَعُجتُ أَسأَلُ عَن خَمّارَةِ البَلَدِ

لا جفّ دمعُ من يبكي على حجرٍ
وَلا صفا قلبُ مَن يَصبو إِلى وَتَدِ

يبكي على طلل الماضين مِن أَسد
لا دَرَّ دَرُّكَ قُل لي مَن بَنو أَسَدِ

وَمَن تَميمٌ؟ وَمَن قَيسٌ وَلِفّهما؟
لَيسَ الأَعاريبُ عِندَ اللَهِ مِن أَحَدِ

والسخرية من الأطلال يتبعها السخرية من الأعراب البدو، تارةً باسم الفرس وتارةً باسم ملوك اليمن. كلاهما، الفرس واليمنيون، اصحاب حضارة عريقة مستقرة في المدن، وليسوا رُحّلاً في الصحارى. لم يعرف بالضبط نسب أبيه، وقيل له إنه مولى لليمن، والمولى هو ابن قبيلة عربية فقيرة توالي قبيلة غنية لتحميها؛ أو أحد الفرس أو النبط، ممن ينسبون إلى قبيلة عربية بعد إسلامهم (في القرنين الأول والثاني للهجرة في العراق وخراسان). 

وأبو نواس ابن حضارة إسلامية بامتياز: ابن مدينة تَمُور بالزنادقة والتجار والشُكّاك والمعتزلة والفقهاء والشيعة. فالإسلام دين المدينة: من مكة إلى يثرب، إلى البصرة والكوفة والفسطاط وبغداد، ودمشق والموصل والقيروان ومرو. استقر العرب وخالطوا الناس، الذين بدورهم كتبوا الشعر بلغة العرب. وأبو نواس واقعي: الواقع الذي يعيشه يكتب عنه؛ واقع المدينة، لا الصحراء التي أصبحت سراباً لا وجود له. ولكن الشعراء تكاذبوا بعد النؤاسي، وبقيت كذبتهم حية، لتُحوّل الشعر إلى مجموعة من الأغراض الجامدة، بدل أن يكون صورة حية عن الكون والنفس.

يشرح النؤاسي كل ذلك:

تَصِفُ الطُلولَ عَلى السَماعِ بِها
أَفَذو العِيانِ كَأَنتَ في العِلمِ؟

وَإِذا وَصَفتَ الشَيءَ مُتَّبِعاً
لَم تَخلُ مِن زَلَلٍ وَمِن وَهمِ

ونفاق الأطلال يتلازم مع النفاق في العشق: لا يُسمّي الناس من يعشقون، بل يُكنّون عنهن بأسماء متداولة، حتى يجد المرء في القصيدة أكثر من اسم: هند وسلمى ومي وليلى وغيرها. هذا ما درج عليه الجاهليون والأمويون والعباسيون بعده وقبله. والاستثناءات قليلة: جميل وكُثيّر، وبشار بن برد وأبو العتاهية. بالطبع، أبو نواس يعشق نساء من لحم ودم، ويعشق غلماناً ويصفهم بدون تردّد. أبو نواس، الأمين الصادق، لا يكذب ولا يكنّي:

فَبُحْ باسْمِ مَن تَهوَى وَدَعني من الكُنى
فلا خيرَ في اللذّاتِ مِن دُونِها سِتْرُ

وهجاء الأعراب المتكرر، أو العرب عموماً، يعني أن النؤاسي لا يلتفت إلى حماقات النسب الرفيع والشرف العفيف. فمنذ طفولته والناس يُعرّضون بأخلاق أمه. طاردته خرافات النسب والشرف من البصرة إلى بغداد. البصرة التي نشأ فيها، ولم يفكر يوماً في العودة إليها، لم يحنّ لها، لم يكتب شعراً فيها، بل هجاها وهجا أهلها كثيراً. شاعر متفرّد، بدون وطن وأصل وحنين. نشأ الشاب الناعم وهو يعي تماماً فقره الشديد ونسبه الوضيع ومغامرات الأم وسُمعتها الفاجرة. لذا يفضّل السكر مع أخواله الفرس:

وَإِذا أُنادِمُ عُصبَةً عَرَبِيَّةً
بَدَرَت إِلى ذِكرِ الفَخارِ تَميمُ

وَعَدَت إِلى قَيسٍ وَعَدَّت قَوسَها
سُبِيَت تَميمُ وَجَمعُهُم مَهزومُ

وَبَنو الأَعاجِمِ لا أُحاذِرُ مِنهُمُ
شَرّاً، فَمَنطِقُ شُربِهِم مَزمومُ

لا يَبذَخونَ عَلى النَديمِ إِذا اِنتَشَوا 
وَلَهُم إِذا العَرَبُ اِعتَدَت تَسليمُ

وَجَميعُهُم لِيَ حينَ أَقعُدُ بَينَهُم
بِتَذَلُّلٍ وَتَهَيُّبٍ مَوسومُ

يقول هادي العلوي، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، إن «الشعوبية صرخة ضمير». لم تكن شعوبية أبي نواس كارهة للعرب، ولكنها صرخة ضد كل ما تمثله أخلاق العرب من تسلط وقمع وظلم: أنساب رفيعة لا تعترف بالضعفاء واللقطاء، وأطلال لا وجود لها، وذكورية متسلطة سمجة حربية.

وأبو نواس رجل مسالم، يعشق النساء والغلمان ويلاحقهم بين المساجد والأديرة والقصور. لم تُثِر به الحروب إلا مزيداً من الرغبة في الهرب من هذا العالم الفاجر. يكاد ينفرد في هجائه للحرب، ولما تمثّله، بصراحة نادرة، في التراث العربي الذكوري الفروسي كله. 

يا بِشرُ ما لي وللسلاح وللـ
ـحَربِ، وَنَجمي لِلَّهوِ وَالطَرَبِ؟

لا تَثِقنْ بي فَإِنَّني رَجُلٌ
أَكعُّ عِندَ اللِقاءِ وَالطَلَبِ

وَإِن رَأيتُ الشُراةَ قَد طَلَعوا
أَلجَمتُ مُهري مِن جانِبِ الذَنَبِ

وَلَستُ أَدري ما الساعِدانِ وَلا الـ
ـتُرسُ وَلا بَيضَةٌ مِنَ اليلبِ

هَمّي إِذا ما حُروبُهُم غَلَبَت
أَيُّ الطَريقَينِ لي إِلى الهَرَبِ

لَو كانَ قَصفٌ وَشُربُ صافِيَةٍ
مَع كُلِّ خَودٍ تَختالُ في سُخُبِ

وَالنَومُ عِندَ الفَتاةِ أَرشُفُها
وَجَدتني ثَمَّ فارِسَ العَرَبِ

والحسن بن هانئ مُدرِك تماماً لدوره الثقافي، ولأهميته، ولموهبته العظيمة. مع ذلك، لا تكاد تجد قصيدة واحدة يفخر فيها بنفسه. كان متواضعاً لطيف المعشر محبوب الجانب، حتى من خصومه. في حين تحفل قصائد الشعر الجاهلي والأموي والعباسي بفخر وغرور لا مثيل له، ما زال يُدرَّس في مدارسنا للأسف الشديد، ويمثّله بشكله الأنصع والأبشع أبو الطيب المتنبي، يكاد النؤاسي يتلاشى فلا يظهر في قصيدته إلا مغموراً بالحب والعشق والخمر والجمال.

لا غرو أن أبو نواس لم يحظ بالمكانة التي يستحقها بعدُ. منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، انشغل العرب بالقيم ذاتها التي هجاها النؤاسي: عصبية قومية وفروسية ذكورية، تتجلى في الأناشيد الوطنية بشكل يُثير الغثيان. من هنا يحظى المتنبي بتلك المكانة الخاصة: غرور قومي فارغ، وفحولة مستفحلة، وشتائم للعجم والسود، وغياب كامل للعشق والسماحة والتواضع. كذلك تسود عادة التبسيط، حيث يُستلهَم الماضي في الأعمال الأدبية بشكل مشوَّه ليُستخدَم في معارك الحاضر، كما فعل أمل دنقل مع أبي نواس والإمام الحسين وبقية شخصياته التاريخية، أو كما في «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، وغيرهما الكثير. تتقزّم الشخصيات الدرامية المتعددة الأبعاد والمزايا والخطايا إلى مجرّد أبطال تحرُّريين قوميين بدون أبعاد.

هناك استثناءات، محاولات طه حسين وفوزي كريم وعلي الوردي وهادي العلوي وأدونيس، وغيرهم، لإلقاء الضوء على تراث غني ومتنوع ومُربِك وإنساني: ولكنها محاولات فاشلة. فقد كُتِب النجاح للأساطير القومية.

وأبو نواس ابن العامة: ابن الفقر والتواضع والبساطة. مثّل الطبقات الدينا ومَلَلَها ويأسها من الخاصة والحكام. اشتُهر بتهرُّبه من مجالس الرؤساء وسخريته منها. فقد هجا شاعرنا الخليفة الأمين والبرامكة والفضل بن الربيع، وهم يشغلون أرفع المناصب في الامبراطورية المترامية الأطراف. وهجا المال وأصحاب النفوذ. يصوّر عُصبة المجان والفسق كيوتوبيا يحلم بها كل من يكره النفاق والعلاقات العامة. بدلاً من حلقات النُّسك والزُّهد التي ستتحول لاحقاً إلى الطرق الصوفية، والتي بدأت بالانتشار حوله، احتفى بحلقات الفسق، حيث يعيش الناس بوئام وسعادة، متساوين تماماً، متحابّين، ينكحون من يريدون، ويشربون ما يحبون، ويحتفلون بالحياة.

وَمُستَعبِدٍ إِخوانَهُ بِثَرائِهِ
لَبِستُ لَهُ كِبراً أَبَرَّ عَلى الكِبرِ

إِذا ضَمَّني يَوماً وَإِيّاهُ مَحفِلٌ
رَأى جانِبي وَعراً يَزيدُ عَلى الوَعرِ

أُخالِفُهُ في شَكلِهِ وَأجرُّهُ
عَلى المَنطِقِ المَنزورِ وَالنَظَرِ الشَزرِ

وقَد زادَني تيهاً عَلى الناسِ أَنَّني
أَرانِيَ أَغناهُم وَإِن كُنتُ ذا فَقرِ

فَوَاللَهِ لا يندى لِساني بحاجَةٍ
إِلى أَحَدٍ حَتى أُغَيَّبَ في قَبرِي

فَلا تَطمَعَن في ذاكَ مِنِّيَ سُوقَةٌ
وَلا مَلِكُ الدُنيا المُحَجَّبُ في القَصرِ

فَلَو لَم أَرِث فَخراً لَكانَت صِيانَتي
فَمي عَن سُؤالِ الناسِ حَسبي مِنَ الفَخرِ

عندما كان جرير وأبو تمام والبحتري والمتنبي وغيرهم يتذللون للمال ويطالبون به، بما يجرح كل مشاعر النفس البشرية ويخنقها، كان أبو نواس يعيش بزهد. صورة الشاعر العربي السائدة المعروفة، ذلك الذليل المتكسّب على أبواب السلطان، تنطبق على بعض الشعراء فقط، ولا تنطبق على أنبل شعرائنا: عمر بن أبي ربيعة والعباس بن الأحنف وديك الجن الحمصي والفرزدق وجميل بثينة وبشار بن برد وأبي نواس، وبالطبع، إمامنا المعرّي، بدرجات مختلفة. 

على أن زهد أبي نواس لم يكن زهد الناسك الصوفي الرباني التارك لملذات الدنيا: كان زهد الماجن الفاجر العفيف. ولم يكن فريداً في رفض الدنيا، ورفض الماورائيات أيضاً التي خبلت الصوفية. شاركه في ذلك أبو العتاهية والمعرّي. أي أنهم لم ينسحبوا من الدنيا، ولم يسعَوا إلى الحُلول أو الفناء او الاتصال بالله، ولكنهم زَهِدوا في السلطان والنفوذ والمال. كانوا أخبث بكثير من أن يطمئنوا إلى التواصل مع الماورائيات!

مع ذلك، وبالرغم من نفوره الفطري من البطولة والحرب والصراع، أصبح أبو نواس أشهر الشعراء الذين تورطوا في السياسة. ربما، لأن لا مهرب من السياسة. وكيف يهرب منها ذلك الذي يناجي إبليس ويهجو العرب ويثير عليه أهل الكلام ويحتفي بحلقات المجون؟

تدريجياً، أصبح شاعرنا زعيم عصابة المُجّان، ليس بسبب مبالغته في الفسق، بل لأن شعره طبّق الآفاق، واعترف به النقاد والخلفاء والفقهاء والمتكلمون. مع الشهرة، يأتي كل ما يخشاه المرء: حاسدون وحاقدون ومعجبون، ومتابِعون لكل ما يقوله الشاعر وما يفعله وما يُعلنه وما يُخفيه.

حبسه الرشيد مراراً. بتهمة الزندقة مرةً، بعد أن هتف في إحدى قصائده «قُم لِنَعصِ جبّارَ السَّماوات»، ومرةً لأنه هجا العدنانيين وقريشاً، مدافعاً عن القحطانيين واليمنيين. وقد أثار هجاؤه لقريش وسخريته من غرورها العباسيين والخليفة، فطال سجنه كثيراً. أرسل عشرات القصائد يتذلّل فيها، أو يتذمر، يهجو أو يمدح. ولم يُطلَق سراحه إلا مع موت الرشيد. 

مع وصول صديقه ونديمه الأمين إلى الخلافة، ارتاح الشاعر وتفاءل. لكن الأمين عاود سَجنه، بنفس التُّهم. هكذا دخل السجن وخرج منه عدة مرات، قبل أن تحلّ الكارثة عليه. على منابر خراسان، تحول أبو نواس إلى نموذج الكفر والزندقة، واستخدمه دُعاة المأمون كي يشهّروا بسياسات الأمين وخلاعته، ويبالغوا بتشويه سمعة الخليفة والشاعر، فحبسه الأمين حبساً طويلاً جداً، ولم يخرج إلا بشرطين: ألا يقرب الخمر، وألا يسخر من الأطلال!

وهو ما فعله: ذلك الذي لم يطلب يوماً من الحياة الدنيا إلا وجهاً حسناً وخمراً معتّقاً، تحول إلى سجين خارج السجن، إلى أُلعوبة بيد الأمين والمأمون، هو الذي لم يلتفت إلى السياسة ولم يتورّط فيها ولم يحفَل على الإطلاق بالخلفاء والولاة والقادة. كتب قصائد يتغزّل فيها بالخمر، قائلاً إنه لن يشربها لأن الأمين طلب منه ذلك، ولكنه يحيا على أمل أن يعود إليها يوماً ما. وهذا حصل سريعاً. 

حوصرت بغداد، وخاض الأخَوَان حرباً طويلة. لم تكن حرباً بين العرب والفرس، كما يحب بعض القوميين العرب تصويرها. فقد انقسم الفرس بين الأمين والمأمون، كما انقسم العرب. ضربت المجاعة العاصمة المحاصَرة، وانفلت الناس. أبو نواس، من جهته، عاد إلى مُجونه - وقد تجاوز الخمسين - عاصياً الخليفة المحاصَر، وساخراً من الأمين والمأمون، يشرب الخمر ويتهتك ويضحك مِلءَ شِدقَيه.

كان يلاحق النساء والغلمان في زمن الجوع: ويُحكى الكثير عن أبي نواس والمثلية الجنسية، وعن التشبيب بالغلمان في الشعر العربي، الذي بدأ قبل أبي نواس، ولكنه اتخذ شكله المعروف على يدي الرجل. في بعض أغرب قصائد الخلاعة، يُحاوِر قضيبه طويلاً، قبل ألبرتو مورافيا بقرون، متسائلاً عن هذا القدر الذي جعل القضيب يتحكم به وبمصيره. وقد اعتقد البعض أن المثلية الجنسية كانت مقبولة بسبب انتشارها في الشعر. هذا خاطئ تماماً. تحفل أشعار النؤاسي، وغيره بالاعتقاد بأن اللواطة حرام، وبأنهم يخشون الله ويخشون الناس. كان المُجّان يعرفون أنهم خارجون عن الأعراف والقانون، ولم توجد حركة تحررية جنسية شاملة عميقة قط. كانت صرخة تحدٍّ، هامشية، حصلت على حيز صغير من القبول الاجتماعي، فقط لا غير. 

مرتين، كسر أبو نواس حتى أعراف المجون! اعتاد الشعراء التغزل بالغلمان صغار العمر، وقال النؤاسي إنه يشتهي الرجال أيضاً، وهو أمر لم يكن مقبولاً حتى بين المُجّان. كما أنه، في واحدة من لمحاته العجيبة، طالب بتحرر جنسي صادق، كأنه ابن ثورة الطلاب في ستينيات القرن العشرين:

إن كان أسعف ذا هذا بحاجته
طوعاً، فهل قطرتِ السماء دما؟

اتُّهم أبو نواس في دينه، بسبب خلاعته ومجونه التي لم تعرف حدوداً. ولكن، بالتأكيد، كان الرجل مؤمناً بعمق بعفو الله: انتقد المعتزلة - وخصوصاً معاصره الشهير النَّظّام - لإصرارهم على أن الله لن يعفو عن مرتكبي الكبائر. اعتقد المعتزلة أن عدالة الله ستتزعزع لو عفا عن المجرمين، وأنه يجب أن يفي بوعده ووعيده. وهذه وجهة نظر منطقية معقولة ومتماسكة، ولكن متشددة جداً، لم تُقنع الشاعر المارق الخليع المتهتّك الحساس، الذي اتفق مع خصومه القُساة في هذه النقطة، علماء السنّة، على فتح باب العفو على مصراعيه.

في واحدة من أشهر الابتهالات في الإسلام، يُلخّص أبو نواس حكمة الفقه السني، وحكمة الخليع الذي لا يستطيع مقاومة الخلاعة، وأمل الفرد المتروك في وحدة شاملة مريعة:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ؟

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعاً
فَإِذا رَدَدتَ يَدي، فَمَن ذا يَرحَمُ؟

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا
وَجَميلُ عَفوِكَ، ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

نُسجت حول القصيدة أسطورة شهيرة، تقول إنها آخر ما كتبه الرجل، وُجدت في ثيابه عندما غسّلوه بعد الوفاة. كان الإمام الشافعي قد رفض الصلاة عليه، ولكنه بكى حتى اخضلّت لحيته عندما قرأ القصيدة، ثم صلى عليه ودعا له ولكل المسلمين بالغفران.

لقرون طويلة، ترنّم بالقصيدة الناس، من كل الأطياف، في البيوت والمساجد والحفلات الموسيقية وحلقات المجون والذكر: في عصرنا ناظم الغزالي، وصباح فخري، والشيخ سيد النقشبندي، وغيرهم الكثير. بين يدي كل منهم تتجلّى القصيدة وتتعالى، وتتلوّن بميراث محلي أصيل: ابتهال واحد، وآلاف الطرق إلى الله! 

اختزل الخيال العربي الشعبي أبا نواس في صورة سخيفة لا تُشبهه أبداً: المهرج، كما نراه في ألف ليلة وليلة. كما أصبح أسطورة في سواحل أفريقيا جنوب زنجبار، وله مكانة خاصة في القصص الشعبية المروية بالسواحلية. ولكن، في الحقيقة، يُختزَل أبو نواس في صفة واحدة فقط: الصدق. في مقدمة اللزوميات، يكرر المعرّي مقولة «أجمل الشعر أكذبه»، ويَخشى أن يكون كتابه العجيب قليل القيمة، لأنه صادق. أخطأ المعري تماماً، فاللزوميات، وأشعار النؤاسي، أجمل الشعر العربي لأنها أصدقه: انتقد النؤاسي الأطلال بشراسة ومرح لأنها تكاذُب فارغ؛ شبّب بالغلمان وبالجواري والقِيان لأنه يشتهيهم جميعاً؛ تحاشى الرؤساء والخاصة وعلية القوم لأنه ابن العامة الفقير المخذول الخفور. 

يقرض شاعرنا الشعر بيُسر وسهولة، في الهجاء وفي المديح، وفي المجونيات، وفي الخمريات، وفي الوصف، وفي الطرديات، بل حتى في الزهديات: يخاطب الناس برقّة ومحبة: القيان والغلمان والفرس والعرب والخليفة والوزراء وأصاغر الناس، بل حتى مع الخالق الغفور، كأنه يناجي صديقاً. كانت اللغة السهلة قد طبعت المذهب العراقي، ولم تكن مما ابتدعه النؤاسي، ولكنه طوّرها وأغناها ووصل بها إلى الذروة. 

عاش أبو نواس للحب وحده، واعتزل كل من يعذله أو يعاتبه أو يلومه، وكل ما يُلهيه عنه أو يزاحمه فيه أو يسيء إليه. في قصيدة تُصوّر حياة النؤاسي الفرِحة السعيدة، ومعاركه المستمرة النظيفة مع خصمه الوحيد، نقرأ عن حصار لا مفر منه:

وَعَسكَرُ الحُبِّ حَولي
بِخَيلِهِ وَجُنودِهْ

فَإِن عَدَلتُ يَميناً
خَشيتُ وَقعَ وُعودِه

وَإِن شَمالاً فَمَوتٌ
لا بُدَّ لي مِن وُرودِه

وَإِن رَجعتُ وَرائي
رهبتُ زَأرَ أُسودِه

وَنُصبَ عَينَيَ طَودٌ
فَكَيفَ لي بِصُعودِه؟

وَتَحتَ رِجلِيَ بَحرٌ
يَجري الهَوى بِمُدودِه

وَفَوقَ رَأسِيَ كَمِيُّ
مُقَنَّعٌ في حَديدِه

مُجَرِّدٌ لِيَ سَيفاً
وَيلاهُ مِن تَجريدِه

فَلَستُ أَرفَعُ طَرفي
حِذارَ ماضي جليده

وَلي خُشوعُ المُصَلّي
في دَيرِهِ يَومَ عيدِه

كَأَنَّني مُستَهامٌ
ضَلَّ الطَريقَ بِبيدِه

لَو لاحَ لي مِنهُ نَهجٌ
رَكِبتُ نَهجَ صَعيدِه

فَالوَيلُ لي كَيفَ أَنجو
مِن حُمرِ مَوتٍ وَسودِه؟

هكذا حوصر فارس الشعر العربي الأشجع والأصدق: حاصره الحب، ثم هزمه شرّ هزيمة!

في قصائده الأخيرة، يرثي الأمين - الذي حبسه - بمحبة وحنين، كما رثا الرشيدَ والبرامكةَ. كان مخلصاً وفياً، ولم يخش الحكام الجدد وانتقامهم.

مات أبو نواس في بغداد، تتناهبها فِرَق الفرس والعرب على تنوُّعها، ويأكلها الجوع، في السنوات الفاصلة بين مقتل الأمين ووصول المأمون من مرو عاصمة خراسان: فقد تباطأ الخليفة المنتصر كثيراً قبل دخوله العاصمة. مضت سنوات تمور بأغرب القصص: صديق الشاعر ونديمه إبراهيم بن المهدي، عم القاتل والمقتول، يدّعي الخلافة ثم يَفِرّ من عسكر المأمون؛ المأمون يُبايع إمام الشيعة علي الرضا لولاية العهد، ثم يدسّ له السم؛ كما يقتل أستاذه ومعلمه وقائد قواته الشهير الفضل بن سهل؛ والنظّام المعتزلي من بغداد يتفكر في دولة بدون إمام يحكمها، على طريقة الفوضويين وبالاتفاق مع بعض الخوارج الإباضية، بما أن أهل العاصمة وفقهاءها وقُضاتها حكموا بدون خليفة؛ والإمام الشافعي يكتب رسالته، ليؤسِّس علم أصول الفقه المتفق عليه بين عموم السنة. سنوات جوع وفوضى وغدر وأمل، لم يلتفت فيها أبو نواس مرةً إلى السياسة والحروب، ليموت مريضاً منكسراً جائعاً، يبحث عن الخمر والخبز، ضاحكاً مَرِحاً كعادته، مردِّداً جملته الأشهر: «لا يرحم اللهُ إلا راحمَ الناسِ».

  • 1. الأبيات الواردة في هذا المقال من ديوان أبي نواس، تحقيق إيفالد فاغنر، الطبعة الثانية 2001، بيروت.