عشر ساعات

بدأتُ العمل في إحدى الجمعيات التي تُعنى بشؤون اللاجئين في مخيمات لبنان قبل خمس سنوات، وكان مجال عملي في الدعم النفسي الاجتماعي الموجه للنساء والأطفال، وذلك عبر جلسات أسبوعية أحد أهم أهدافها المساعدة على إيجاد مساحة آمنة للنساء في المجتمع المضيف، ومن خلالها تتشارك اللاجئات خبراتهنّ، السيء منها والجيد على حد سواء. 

كانت فاطمة إحدى المشاركات في هذه الجلسات، واللافت أن قصتها تشبه قصص كثيراتٍ وتختزلها؛ قصص لاجئاتٍ يَسعينَ للبحث عن مخرجٍ يُنقذهنّ وأطفالهنّ من قسوة المخيمات. فيما يلي تفاصيلُ من قصة فاطمة، كما روتها ووافقت على نشرها.

*****

إنها الخامسة صباحاً. تسند فاطمة رأسها إلى الجدار، وتغمض عينيها لإسكات الأصوات في رأسها ونيل إغفاءةٍ قصيرةٍ بعد فشل محاولتها في النوم الليلة الفائتة، لكنّ أصوات الخربشات الصغيرة الآتية من الأعلى بدت قريبةً وأكثر وضوحاً من ذي قبل.

تفتح عينيها وتطيل النظر إلى قطعة النايلون الكبيرة، التي غلّفت بها السقف منذ سنة كي تمنع الفئران الساكنة معهم من التساقط أثناء تنقلها فوق أطفالها النائمين، وكي تتمكن من مطاردتها بعصاها الخشبية.

تبتسم فاطمة، فلم يزعجها الصوت اليوم، ولم تشعر بالقرف الذي كانت تشعر به سابقاً من حركة الفئران فوق رأسها. بل على العكس، ازدادت ابتسامتها لتُخبر تلك الفئران الصغيرة بأنها ستشتاق لخربشاتها وحركاتها تلك في صباحاتها القادمة في بلادها الجديدة.

تجول ببصرها في جدران الغرفة كمن يُلقي نظرة الوداع ويحاول جمع أكبر عدد من التفاصيل في رأسه.

بقي لها عشر ساعات.

لون الجدار الذي تحوَّلَ إلى الأخضر بفعل الرطوبة، ومياه الأمطار المتسربة من الشقوق بين الجدار والسقف، والمسامير المنتشرة بشكلٍ عشوائيٍّ لتعليق أكوام الثياب، وأحياناً لربط حبل غسيلٍ يقسمُ الغرفة إلى نصفين، وبنطال زوجها المُعلَّق منفرداً في مسمارٍ كبيرٍ خلف الباب. رأت أنه يستحق مسماراً لوحده، فهو البنطال الذي حماها طيلة أيام غربتها هنا. لقد تركت فاطمة البنطال معلقاً منذ قرار زوجها مغادرة المنزل إلى غير رجعة قبل عدة أشهر. في كل مرةٍ كانت تُعيد غسله ونشره مع ثياب أطفالها؛ كانت توهم جيرانها بأن زوجها يعود ليلاً ويخرج في الصباح الباكر.

تتابع عيناها التجوّل في الغرفة لتصل إلى كومة الحقائب نصف الممتلئة، والتي ما زالت مفتوحةً بانتظار أغراضٍ إضافيةٍ ليصبح الوزن عشرين كيلو لكل حقيبة، كما أخبرتْها موظفةُ قسم الهجرة في اللقاء التحضيري للسفر: حقيبة بوزن عشرين كيلو لكل شخص. 

تفكر فاطمة قليلاً وتقول: «سأجد أغراضاً. لابد أن أجدها وأصل إلى الوزن المطلوب، فلن يمنعني شئٌ عن حلمي. لقد وصلت. عشر ساعاتٍ فقط. عشر ساعاتٍ تفصلني عن الخلاص».

تقفز من فراشها وكأنها وجدت ضالّتها التي ستحقق الوزن المطلوب، تتجه مباشرة إلى مرآتها التي علقتها قرب النافذة، والتي حرصت على تثبيتها هناك للحصول على القدر الأكبر من الضوء أثناء وضعها لزينتها عند انقطاع الكهرباء في المخيم.

تقف وتنظر في مرآتها طويلاً. تتلمس خطوط التقدم في العمر حول عينيها، والخطين العميقين حول فمها. حاولتْ كثيراً التخلص منها أو التخفيف من حدتها، وفقاً لنصائح جارتها باستخدام خلطاتها العشبية لتقشير بشرة الوجه والحصول على النضارة والشباب الدائمين، وقليلٍ من بياض البشرة لنيل إعجاب زوجها، إذ كان يفضل البشرة البيضاء، ويمكن بذلك إقناعه بالبقاء معها ومع أطفالها.

زوجها الذي اعتادت انسحابَه من حياتهم كلما اشتدّت الظروف المعيشية.

تمر سنوات زواجها الخمس عشرة أمامها، ويزداد عبوسها أكثر فأكثر، وتزداد خطوط وجهها قساوةً ووضوحاً حين تذكر لحظة رحيله الأخير وصراخه بأنه ضاق ذرعاً من طلباتها، بعد أن طلبت منه الخروج مع الأطفال إلى شاطئ الرملة البيضاء. الأطفال لم يروا البحر منذ قدومهم إلى بيروت، وقد أخبرها الطبيب أن الهواء النقي مفيدٌ لحالة مروة الصحية.

مروة الصغيرة، ذات السنوات الست، تعاني من الربو ومن مشاكل في الأعصاب سبّبت لها تراجعاً في مهاراتها الحركية، وأصبحت بحاجة للمساعدة أثناء التنقل، وإلى إجراء جراحة سريعة. جراحة «غير موجودة في لبنان»، حسب ما قاله الأطباء لفاطمة. 

تبدأ فاطمة رحلتها بين الجمعيات العاملة في المجال الإنساني حاملةً تقارير ابنتها الطبية، بحثاً عن أملٍ في الحصول على فرصة سفرٍ إلى أي مكانٍ تتمكّن فيه مروة من إجراء الجراحة والمشي مجدداً. سنتان متواصلتان من المحاولات قبل رحيل زوجها، تخرج فيها منذ الصباح بتقاريرها إلى الجمعيات والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وتعود عند الرابعة عصراً مع انتهاء دوام الموظفين، لكن دون نتيجة. إلا أنها لم تفقد الأمل.

في كل مرةٍ تعود فيها إلى المنزل، تجد زوجها جالساً على فراشه كما تركته صباحاً، يلفّ سجائره ويدخّن، ويبادرها بسؤاله المعتاد: «ألم تفقدي الأمل؟ لن يُفلح سعيك، فليس هناك مَن يهتم».

اعتادت الصمت أمام سؤاله هذا. وفي المرة الوحيدة التي اعترضت فيها على سؤاله وطالبته بالسعي معها بدل الجلوس، أفرغ غضبه فيها وتسبّب بكسر ساعدها.

تتنبّه من شرودها، وتتحسّس ساعدها لتلمس الاعوجاج الذي خلّفه الخطأ الطبي أثناء تثبيت الجبيرة في ذلك اليوم. تعاود النظر إلى وجهها وعينيها الجميلتين هذه المرة في محاولةٍ منها لطرد الأفكار السلبية، وتتمتم: «هانت.. هانت. ساعات قليلة تفصلني عن حلمي». تُخرِجُ قلم كحلتها الأسود الصغير من جيبها وتبدأ برسم عينيها وتبتسم هازّةً رأسها، فعيناها تحتفظان ببريقهما. كانت أمها تهمس لها دائماً: «طالما بريق عينيك في أوجه، فكل ما يجري حولك ليس مهماً».

تهم بإنزال مرآتها لتضعها في الحقيبة، فيتغيّر اتجاه زاوية المرآة لتعكس صورة أبنائها الخمسة نائمين خلفها، يتوسطهم فراش زوجها الفارغ، والذي تحرص على تجهيزه كل ليلة مع فراش أطفالها، أملاً منها بعودته.

في كل مرةٍ تبدأ بتجهيز الفراش مساءً، تجدُ نفسها مضطرةً لسرد الأعذار لأطفالها عن غياب والدهم، كما لو أنها حكاية ما قبل النوم. تبدأ بظروف عمله الصعبة التي تستوجب هذا الغياب الطويل عن المنزل والعائلة، ولكنها حين تلمح التساؤلات في عيون أطفالها تدرك عدم اقتناعهم بأعذارها تلك. كيف تقنعهم إذا كانت هي غير مقتنعة بما تقوله؟ كانت تبحث عن الثبات في حياتها اليومية، ولم تمنحها إياه مدينة مثل بيروت، وحالها في ذلك حال جميع السوريين الذين عاشوا ظروف الحرب واللجوء في المخيمات.

تتذكّر أن عليها النظر إلى هاتفها المحمول للتأكد من قراءة زوجها لرسائلها التي تستعجله فيها للعودة؛ الرسائل التي دأبت على إرسالها يومياً منذ قبول الملف للسفر وإعادة التوطين. لكن للأسف، من الواضح أنه لم يقرأها بعد. تجلس جانباً، وكمن يبحث عن أملٍ تبدأ بتقليب تلك الرسائل وقراءتها واحدةً تلو الأخرى من جديد.

الرسالة الأولى: «لم أخبر أحداً أنك غادرت المنزل. إرجع». 

الرسالة الثانية: «اليوم اتصلت الجمعية وأخبروني بقبول ملف مروة للسفر، وقريباً جداً يتحدّد موعد سفرنا. أرجوك إرجع». 

الرسالة الثالثة: «اقتربنا من حلمنا وسنعالج مروة ونجد بيتاً أوسع من هذه الغرفة. وحتماً ستجد فضاءً أوسع تتأمل فيه في كل مساء، دون أن تخشى جاراً يهاجمك أو يتهمك باختراق خصوصيته والنظر إلى نسائه».

الرسالة الرابعة: «لن أضطر لإخفاء حقيقة غيابك عن أطفالنا، لأني متأكدة أنك لن تغيب ثانيةً هناك في موطننا الجديد. أرجوك إرجع».

الرسالة الخامسة: «أصدروا وثائق سفر جديدة لنا، بدل تلك التي ضاعت في حلب. ألم أطلب منك تصديق حدسي بأن مشاكلنا سوف تُحل؟!».

الرسالة السادسة: «اليوم أخبرت صاحب المنزل أننا سنخلي المنزل ليتمكن من البحث وإيجاد مستأجر بديل. أرجوك إرجع».

الرسالة السابعة: «اليوم جاء صاحب المنزل ومعه المستأجر الجديد. عرضتُ عليهم بيع بعض أثاث منزلنا، لكني تراجعت عن بعض الأشياء والثياب وقررت التبرع بها للجمعية القريبة في حيّنا، رغم قلّتها. لا بد أنها ستحدث فرقاً لدى أناسٍ بحاجتها أكثر مني. أنا لم أعد بحاجةٍ إلى شيء، فقد اقتربتُ من حلمي. ستمشي مروة، وليس مهماً إن مشت حافيةً أو بحذاء. أرجوك إرجع».

الرسالة الثامنة: «تَحدَّدَ موعد الطيران. الخميس القادم في الخامسة مساءً. أرجوك إرجع. لن يكون هناك من يلاحقك في آخر كل شهر ويطالبك بإيجار المنزل. ولن تُضطر إلى تغيير خط سيرك إلى شارعٍ خلفي هرباً من صاحب البقالة، فلن تحتاج إلى الاقتراض في بلادنا الجديدة».

تتابع فاطمة تقليب آخر رسالةٍ بحثاً عن إجابة، لكن لا شيء على الإطلاق. تضع هاتفها جانباً. تنظر إلى الساعة قبل إغلاقه، وتبدأ بإيقاظ أطفالها وتخبرهم أنها التاسعة صباحاً، وأن عليها الذهاب لوداع جيرانها قبل وصول السيارة التي ستقلّهم إلى المطار عند الساعة الواحدة ظهراً. تخشى أن تنسى أحداً. تنادي على ابنتها لمرافقتها، فتتململ رافضةً. تحاول فاطمة إقناعها بأن هذا هو اليوم الأخير في هذه المدينة.

تسألها فاطمة إن كانت مهتمةً بوداع مدرستها وأصدقائها، فتجيبها بأنها لا تمتلك الكثير من الأصدقاء. تصرّ فاطمة أكثر وتطالبها بالتذكر، فمن غير المعقول ألا يكون هناك من يستحق الوداع. تجيبها الصغيرة أن هذا ليس مهماً، وأنهم لن يلاحظوا غيابها. تقترب من والدتها هامسة كمن يشي بسرّ: «من الأفضل لي أن أبقى إلى جانبك في المنزل، علّني أكتسبُ بعض المهارات المنزلية، فلم أفلح بالمهارات المدرسية».

تصمتُ فاطمة آسفةً أمام معاناة صغيرتها الكبيرة. تأسفُ لأنها لم تكن عوناً لها بسبب انشغالها عنها وعن بقية إخوتها بمرض صغيرتها مروة. تربتُ على كتفها بلطف وتكرر جملتها المعتادة: «هانت... هانت. ساعات قليلة وسينتهي كل هذا».

تخرجان وكلٌّ منهما شاردةٌ في عالمها. وللمرة الأولى تختفي مشاعر الضيق التي كان يسببها التنقل داخل المخيم لدى فاطمة، لتحلّ محلها ألفةٌ وحميميةٌ غير مُفسَّرة. شوارع المخيم دافئة، وتفاصيله جميلة! تبحث عن سببٍ مقنعٍ لذلك فلا تجد. تقرر أنها لن تشغل بالها بذلك، وأنها ستلقي نظرة الوداع على كل شيء.

من بعيد تلمح صاحب المنزل قادماً نحوها. تتذكر مشاكلها معه ومشاكل اشتراك الكهرباء ومرارة ما حصل عندما هاجمها مع ثلاثة رجالٍ من خارج الحي وقاموا بقطع سلك الاشتراك عنها لتبقى دون كهرباء مع أطفالها مدة ثلاثة أيام. تبتسم وتضحك من أن هذه الحادثة وغيرها من يومياتها المريرة في المخيم سوف تصبح ذكرى بعد ساعات قليلة. ضحكتها تلك أثارت فضول صاحب المنزل، فاقترب ليسألها عن السبب. استمرت في الضحك، وناولته كيس شمع من حقيبتها كانت قد حملته معها قبل خروجها من المنزل، فتَسَاءَل عن حاجته؟

تجيبه أنه هديتها للمستأجر الجديد، وأن الشمع سيُساعده في حال تعثّرت أحواله ولم يسدد اشتراك الكهرباء مثلها. يسألها أبو مالك: «وما أدراك أنت بأحواله؟»، فتردّ قائلةً إن كل السوريين معتّرين، وإن الحال يكون أسوأ إذا كانت سيدة بمفردها مع أطفالها. ثم تطلب منه أن يتمنى لها التوفيق، فلم يبق سوى ساعتين للانطلاق إلى المطار. يبتسم ويدعو لها بالتوفيق، وينهي كلامه ممازحاً قائلاً: «لا تنسِ المخيم وناسه، لأنهم لن يتكرروا».

تمشي بخطواتٍ سريعة باتجاه بقية الجيران، وتنظر أثناء ذلك في هاتفها المحمول لتجد أن رسالتها التاسعة، التي أرسلتها صباحاً وأكدت فيها موعد الطيران، لم تُرسل بعد. تبدأ بشتم الإرسال وضعفه في المخيم، رغم إدراكها عدم اهتمام زوجها بقراءة الرسائل، فهو لم يقرأ الرسائل التي سبقتها. يرن هاتفها في هذه الاثناء. إنه رقم المنظمة!

كانت الساعة الحادية عشرة، وموعدهم مع السائق في الواحدة ظهراً، فتوترت قليلاً. أسرعت بخطواتها مغيرةً اتجاهها وعائدةً إلى منزلها. وحين وصلت إلى الباب أجابت على الهاتف، ليأتيها صوت موظف الهجرة الذي كان مسؤولاً عن ملف ابنتها منذ أشهر. أخبرها بأسفه لأنه يحمل خبراً سيئاً، ودون أن يعطيها فرصة وضع احتمالات درجات السوء، أخبرها أن السفارة الإيطالية لم تمنحها وعائلتها تأشيرة الدخول إلى أراضيها، وأنه ليس مسؤولاً عن ذلك وسيحاول من جديد.

فاطمة، التي لم تعد تسمع شيئاً من تبريرات الموظف، لم يعد حولها سوى الصمت الذي اخترقته صرختها باسم مروة، مع سيلٍ من الأسئلة حول وضعها وعن كفاية التقارير الطبية التي أرسلتها. لم تفلح كل محاولات الموظف للتبرير في إقناع فاطمة. فأخبرها أنه سينهي المكالمة وسيتصل بها لاحقاً.

أغلقت الخط. بكت بصوتٍ مرتفع، وهي التي اعتادت البكاء بصمت. وقبل أن تضع هاتفها المحمول جانباً، تذكرت شيئاً يجب أن تفعله؛ فتحت قسم الرسائل لتكتب رسالتها العاشرة والأخيرة لزوجها: 

«لم أفقد بريق عينيّ هذه المرة

بل انطفأ الضوء فيهما

ابقَ حيث أنت».