علامات إنذار الجينوسايد

هنا ترجمةٌ لفقرة ثانية من كتاب آدم جونز: الجينوسايد، مقدمة شاملة / Genocide: A Comprehensive Introduction (ص 389-392)، تتناول الإشارات المقلقة التي قد تُنذِرُ بأن عمليةَ إبادةٍ وشيكةُ الوقوع. ومثل سابقتها عن الإبادة والإنكار، الغرضُ من ترجمة هذه الفقرة هو أنها تلقي بعضَ ضوءٍ على قضيتنا السورية، وربما تساعد في إدراجها في سياق أوسع.

أنوه إلى أني أهملتُ في ترجمة الفقرتين إحالات المؤلف التوثيقية، ومنها إحالات إلى مواقع سابقة في الكتاب نفسه.

*****

ما هي المؤشرات الأكثر موثوقية لاحتمال وقوع وشيك لجينوسايد؟ رغم أنه ليس هناك جوهرٌ جامعٌ للجينوسايد، عابرٌ للزمان والمكان، فإن بعض خصائصه وظواهره وشروط إمكانه قد تفيد كإشارات حمراء مُنذِرَة.

تاريخٌ سابقٌ من الجينوسياد والنزاع بين الجماعات: ذَكَّرَتنا عالمة السياسة باربرا هارف بأن «مرتكبي الجينوسايد هم غالباً مُعتدون مُعاوِدون، فقوات النخبة والقوى الأمنية قد تعتاد على القتل الجماعي كاستراتيجية للرد على ما يواجه أمن الدولة من تحديات». يعتمد الجينوسايد لذلك بصورة متكررة على الوجود المسبق لأنماط من سلوك الدولة وعلاقات الدولة-المجتمع. وبصورة مماثلة يشير عالم النفس إرفين ستاوب إلى أن «إيديولوجيات العداء» بين الجماعات في مجتمع ما هي «حصيلة تاريخ طويل من العداوة والعنف المتبادل».

أزمة اقتصادية حادة: قليلةٌ هي العوامل التي تبدو فاعلة في العنف الإبادي بقدر ما هي فاعلة الاضطرابات والكوارث الاقتصادية. حين تغدو القاعدة المادية لحياة الشعب موضعَ تساؤل، فإن أعضاءه ينزعون للأسف إلى البحث عن أكباش فداء ضمن الأقليات (أو الأكثريات)، وإلى إيلاء دعاوى سياسية متطرفة اهتمامهم، وإلى أن تغويهم فُرَصُ النهب والسلب. قد تقوّضُ الأزمة الاقتصادية شرعية سلطة الدولة أو قدراتها الإدارية، وهي (الدولة) قد تردُّ بالإبادة كوسيلة للحفاظ على السلطة. تُشجّعُ أزماتٌ كهذه أيضاً الحركات التمردية والثورية والانفصالية. وقد تلهب هذا الحركات بارانويا [جنون المؤامرة في هذا السياق] السلطات الحاكمة، كما قد تحتوي هي ذاتها [الحركات] على زخمٍ إباديٍّ يخصّها.

استنفار [تعبئة] الجماعات وفق خطوط الفصل الأهلية بينها: من الطبيعي للناس من دين أو لغة أو تاريخ بعينه، هذه الوسائم المميزة للهوية «الإثنية»، أن يتجمّعوا مع من يشاركونهم هذه الخصائص. وليس متأصلاً في الاستنفار الاجتماعي والسياسي وفقاً لهذه الخطوط أن يكون سيئاً أو مثيراً للعنف، بل إنه إذا ما أُديرَ بنجاح قد يساعد في اجتناب تفجرات العنف. لا أحد يتوقع تفجرات إبادية في بلجيكا أو سويسرا رغم أن نظاميهما السياسيين متبنينان حول الانقسامات أهلية.

إلا أن من شأن مجتمع معافى وغير إبادي أن يستوعب، بدلاً من أشكال التعبئة الأهلية أو إلى جانبها، تدرجاً من منتديات وحركات وآليات اجتماعية عابرة للجماعات الأهلية، تُشجِّعُ الناس على تجاوز التماهيات المحدودة نحو رؤية أكثر كوسموبولتية للمجتمع. هذه العلاقات تساعد في تفادي التفكير القائم على مقابلة نحن/هم، على ما كتب إرفين ستاوب: «من أجل تطوير استحسانٍ للتشابه وشعورٍ بالترابط، يتعين على أعضاء الجماعات الفرعية أن يعيشوا معاً، يعملوا معاً ويلعبوا معاً، ويجب أن يذهب أطفالهم إلى المدرسة معاً. وعلى المنسوبين إلى أمم مختلفة أن يعملوا ويلعبوا معاً... تقليل الأحكام المسبقة يقتضي تواصلاً إيجابياً».

ويقع على الحكومات الوطنية، والفدرالية بخاصة، مسؤولية مركزية لتأمين تدبير ناجح للهويات الأهلية، والتمثيل العادل لجمهورها في ردهات السلطة السياسية والاقتصادية. يرى عالم السياسة كال هولستي أن «المتغير الأهم هو الاستيعاب». يقول: «يجب أن تكون هناك سياسة مُتعمَّدَة من قبل الحكومات باتجاه عدم استبعاد أي مجموعات من المشاركة في النظام السياسي. فإذا أنتَ نظرتَ إلى رواندا أو بوروندي أو ليبيريا وأماكن أخرى، فسترى أن المُشتَرَك بينها هو قيام جماعة معينة، أقلية أو أكثرية، باستبعاد جماعات أخرى نسقياً، من المشاركة السياسية، من السخاء الحكومي، من البرامج الحكومية. في بعض الحالات يجري تهجير الجماعات المُستَبعَدَة خارج البلد، وفي حالات أخرى تتعرض للقتل في جينوسايدات أو إبادات سياسية، وهناك حالات أخرى يجري فيها ببساطة حرمان الجماعات من التصويت، أو ممارسة أشكال أخرى من التمييز ضدها. في البلدان التي حققت نجاحاً كان هناك جهدٌ من أجل الاستيعاب السياسي... ليس ثمة وصفة واحدة وحيدة [للنجاح]، لكن الخاصية المشتركة هنا هي نظامٌ سياسيٌ استيعابيٌ وأحزابٌ سياسيةٌ تتجاوز الاختلافات اللغوية والإثنية بين الجماعات، وتُركِّزُ بدلاً منها على الاختلافات السياسية.

دعاية مُحرِّضة على الكراهية: السمة القياسية للتعبئة [أو الاستنفار] الجينوسايدية هي الدعاية للكراهية، بما في ذلك في وسائل الإعلام العامة، في الكلام السياسي العام، في المواقع الإلكترونية الشخصية والغرافيتي. يمكن غالباً تمييز تكاثر المنابر الإعلامية ومؤسسات أخرى مُتكرِّسَة للكلام الكاره، لكن قد يصعب قياس زيادة تواتر و/أو شدة البلاغة الإبادية. فإذا أمكن قياسها فإنها يمكن أن تُعرِّفَ الجينوسايديين، وأهدافهم. كلام الكراهية يشكل ركيزة لـ «الإيديولوجيات الاستبعادية التي تُعرِّفُ الجماعات المُستَبعَدَة بوصفها جماعات يمكن التخلص منها».

كيف السبيل إلى مجابهة الدعاية للكراهية؟ تواجه المجتمعات التعددية بعض الأسئلة المزعجة المتصلة بذلك، كما في حالة إنكار الجينوسايد، ومنها بخاصة: هل من المشروع قمع الكلام الانشقاقي في هذا الشأن؟ وفي حين أن نزعة الإنكار يمكن مجابهتها بالتفنيد المنطقي والتجريبي، وقد تشتمل على مساحة رمادية من نقاش وجدال مشروعين، فإن دعاية الكراهية تُحرِّضُ مباشرة على العنف. بيد أن من شأن كبت الكلام الانشقاقي هنا أن ينشط الكراهية التي تبطنه، ويعود على الدعائيين بالشهرة. ولذلك فإنه تبقى مُفضَّلَةً عموماً إجراءات مضادة بناءة، مثل دعم المشاريع الإعلامية والمبادرات السياسية التعددية، والاستخدام الفعّال للنظام التربوي. لكن بينما يمكن تقديم هذا الحجاج وتطويره في غرف مداولة ديموقراطية، فإن له تضمينات مغايرة في مجتمعات تنذر مؤشرات التاريخ فيها، والراهن، بجينوسايد. كان من شأن قمع الدعاية المحرضة على الكراهية في رواندا مثلاً أن تناقض المبادئ الليبرالية المرعية، لكني ما كنتُ لأعترضَ عليها شخصياً.

التشريعات التمييزية غير العادلة وإجراءات متصلة بها: الواقع أنه يمكن لبعض التشريعات التمييزية أن تساعد في قمع جينوسايد مُحتَمَل. مثلاً انتُهِجَت سياسة للفعل التأكيدي (Bumiputra أو «أبناء الأرض») في ماليزيا بعد حوادث شغب إثني بين الملاوي والصينيين. وقد ثبت أنها مقبولة من المجموعتين، إذ حسَّنَت من وضع الملاوي في مناطق كان تمثيلهم فيها متدنياً، هذا بينما صانت حقوق الأقلية الصينية وأوقفت العنف ضدها. لكن القاعدة العامة تبقى أن التمييز المُجَّسَد في القوانين (وفي نظم «عدالة» غير مساواتيّة على نحو مُتَعَمَّد) يخدم في تهميش وعزل الجماعات المستهدفة، بما قد يكون فاتحةً للجينوسايد.

وهناك شكلٌ آخر من التشريعات التمييزية يستحق الاهتمام: التشريع الخاص بتقييد حيازة الأسلحة النارية. تَجنَحُ بي تعاطفاتي الليبرالية إلى أن ضبطاً فعالاً للبنادق هو إجراءٌ مميزٌ للمجتمع المتحضر، بيدَ أن الحُجّةَ التي ساقها جاي سمكين وآخرون، وهم أعضاء في مجموعة غريبة المظهر من اليهود المنحازين إلى حماية حيازة الأسلحة النارية، تبدو صحيحة. فهم يرون أنه سَبَقَ معظمَ أمثلة القتل الجماعي حملةٌ نسقيةٌ لنزع أسلحةٍ ممن يُنتَوَى أن يكونوا هدفاً للجينوسايد. لكن أرضية توافق معقول في هذا الشأن يمكن أن تتمثَّلَ في الترويج لتقييد ملكية السلاح الناري في المجتمعات التعددية، مع الاعتراف بأن حملةً لقمع التملك الخاص للبنادق في مجتمعات قمعية وغير ليبرالية، قد تهدف إلى حرمان أقلية ما من وسائل مقاومة جينوسايد.

القمع القاسي والنسقي من قبل الدولة: القمع وإرهاب الدولة الصريح هي مؤشرات فعالة على أنه يجري تدبير حملة جينوسايد، وبصرف النظر عما إذا كان الجينوسايد سيعقبها فعلاً، فإن تعديات كهذه ينبغي أن تُدَانَ وتُقمَع. إن فرض إجراءات استثنائية أو تقييد الحريات المدنية أو حظر الأحزاب والمنظمات المعارضة أو مضايقتها أو التوقيف الاعتباطي أو الاحتجاز الجماعي للمدنيين أو الاستخدام المتزايد للتعذيب كسياسة دولة أو تدفقات كبيرة من اللاجئين والنازحين داخلياً، هذه كلها يجب أن تكون مثار قلق عميق وقد تنبئ بانفجارٍ إباديّ.

هذه الأفعال تُفرَضُ أساساً في مجتمعات تسلطية أو أدنى تطوراً، لكن مواطني البلدان الديموقراطية مطالبون بالاعتراف بأنهم غير محصنين من قمعٍ مجتمعيٍ زاحف. وعليهم أن يكونوا متنبهين إلى انتهاكاتِ الديموقراطية وحقوق الإنسان في بلدانهم وخارجها، وإلى استغلالِ الحريات العريضة في الديموقراطية الليبرالية في ارتكاب هذه الانتهاكات.

من الجماعات التي يُرجَّحُ استهدافها بالقمع الأقليات الإثنية والعرقية والدينية، والجماعات «الوسيطة»، بخاصة تلك التي تشغل موقعاً محسوداً في الاقتصاد، وكذلك المنشقون السياسيون والمتهمون بأنهم «أعداء الشعب»، بخاصة المنخرطين في حركات قومية أو انفصالية أو تمردات طبقية، وأخيراً الجماعات المنعوتة بـ «المنبوذة» أو «اللا-اجتماعية» أو جماعات «المترحلين والكسالى»، أو الذين يُوصَفون بأنهم خارج عالم الالتزامات.

مساهمتي الشخصية في آليات الإنذار المبكر من الجينوسايد تدور حول انكشاف الذكور البالغين، وبقدر لافت من هم في «عمر المعركة». هذه المجموعة التي تُوصَفُ بأنها الأقل انكشافاً هي في الواقع الأشد انكشافاً وتعرضاً للجينوسايد، وللقمع الذي يسبقه عادة، هذا إن كنا نعني بـ «الأشد انكشافاً» المُعرَضين للاستهداف بالقتل الجمعي والفظائع العنيفة الأخرى. الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، الحكومية منها وغير الحكومية، مدعوة إلى نقلة باراديغمية في تفكيرها في قضايا الجندر والعنف والتدخل الإنساني، نقلة تسمح بتوجيه انتباه خاص (وإن ليس حصرياً) إلى الرجال بالغين ومراهقين. وعلى سبيل المثال، يمكن التساؤل عن كيف كان من شأن حساسية أكبر حيال انكشاف من هم في «عمر المعركة» من الذكور في سربرنيتشا [قتل 7000 مسلم بوسني، ذكور في أكثريتهم الساحقة، النساء اغتُصِبنَ نسقياً] أن يُساهِمَ في اجتناب الجندريسايد [إبادة تمييزية لأحد الجنسين، الذكور في سياقنا هذا] في تموز 1995.