علبة الكبريت كهامش

 

أذكر حين قررت السكن متفردة، نائيةً بنفسي قليلاً عن عائلتي. لطالما تمنيتُ أن أحظى يوماً بذاك السكون الذي سيحيط بأرجاء غرفتي، وبطقوسي التي قلّما أعجبت أهلي حين تبدأ مساءً ولا تنتهي باندماس الليل وانجلاء الصباح، فتُدني الشمس خيوطها وتلقي بدفئها علي جسدي، وأنا أتأمل في اليوم الجديد حياة جديدة وأقربَ لما أشاء. اخترتُ بيروت لأنها المكان الملون المثير للحواس جميعها، والذي يراعي شغفي وحبي للحياة، ويتيح لي مجاراة أحلامي والتقاط فرص لا تزال مبهمة. بعد رحلات عديدة، عبرت – ولا أبالغ – من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ثم رسوت على شواطئ بيروت، أراقب شوارعها المزدحمة المكتظة بالسيارات والأجناس والجنسيات، وأنظر إليها كغريقة تعلقت آمالُها بقشّة.

لم تكن رحلاتي تماماً بغرض السياحة، بل كنت أجوب الشوارع بحثاً عن ملجأ أعيش فيه، بلا نظرات ازدراء وعلامات تعجب حيال كوني أعيش لوحدي، أنا الفتاة. علماً أن سكن العازبات خيار قديم ومعروف، كما في الجامعات على سبيل المثال، حيث تُضطر الفتيات للسفر بعيداً عن أهاليهن من أجل فرص تعليمية أفضل، أو لإطلاق العنان لطموحاتهنّ المهدورة في بيئة مغلقة لا تكفّ عن إحصاء أنفاسهن عليهن؛ وهجرة إلى حيث تتوفّر جودةُ وكثرةُ الوظائف.

في بيروت، يبدو العالم أوسع وأجمل وأكثر ديناميكية، أكثر انفتاحاً وتقبلاً لوجودنا كخارجات عن المألوف، ولحقّنا في اختيار نسق حياتنا كعازبات، بعيداً عن حياة «الكنف» الأسري والعائلي.

هواجسنا كعازبات في الغربة

يؤرقنا جميعاً أننا عالقون في وضع اقتصادي متردٍ، في مواجهة موجات غضب عارمة تقض مضاجعنا جميعاً كسوريين، نساءً ورجالاً، عائلاتٍ وأطفالاً، خاصةً في الأشهر الستة الماضية منذ بداية 2019. فلم تغب يوماً عن الأخبار التضييقات الشديدة على السوريين المتواجدين في لبنان، وملاحقة من يعملون بلا إذنِ عمل وإدانتهم وأرباب عملهم. لا استثناءات ولا تمايزات لنا كنساء، بل مزيدٌ من التوتر والأراق والخوف الذي يصبغ الجو العام.

ومع جولات البحث عن عمل، يزداد الوضع تعقيداً وصعوبة، خاصةً بعد القوانين الجديدة التي أنهكت اللاجئين وأفشلت جميع محاولاتي للحصول على وظيفة تليق بتطلعاتي.

قرأت مرةً على واجهة أحد المكاتب المعروفة بتسيير المعاملات والترجمة ما يشي برغبة صاحب المكتب بموظفة لَبِقة الحديث والمظهر. ورغم افتقاري لإحدى هاتين الصفتين دخلتُ وسألت، وسُررت بقبولهم المبدئي، ولكنه ألح علي الحصول على رقمي لإخباري بتفاصيل أخرى. وفي اليوم الثاني باغتني برسالته التي تسألني بداية عن حالي، ثم تستمزج ما إذا كنت أُجيد «المساج». بالكاد أسعفتني حجة عدم الخروج من المنزل وتظاهري باللؤم والصرامة، ولإن نجوت فلا أستبعد أن تقع غيري فريسة لذلك الدنيء.

الخيار الأنسب، مادياً في تلك المدينة غالية الإيجارات، واجتماعياً من أجل الأُلفة والراحة، هو السكن المشترك، ما يعرف بال«فْوَيّيه»، حيث تقسَّم الشقة إلى عدة غرف، وللفتاة حرية اختيار أي منها، سواءً بمشاركتها مع فتاة أخرى أو حيازتها لغرفة مستقلة. ومن ثم تتشارك الفتيات جميع المصاريف بالتساوي. ولكن مع اختلاف الجنسيات والطبائع والظروف الحياتية لكل من شريكات سكني، لم أستطع المكوث فترة طويلة. وثمة أسباب أخرى أيضاً، فالشروط التي تُفرَض في أغلب مساكن البنات تجعلها أقرب لثكنات عسكرية مخصصة للنساء فقط، وهو ما لا ينطبق على مساكن الشباب، حيث يُسمح بزيارات الجنس الآخر ولا تُقفل البوابات باكراً، ولا بأس بالعودة المتأخرة ولا يُمنع الدخول صباح اليوم التالي في حال التأخر ذات ليلة.

لم تكن هذه المبالغات في حمايتنا من شرور العالم الخارجي كافية، ولم تؤثر في تحسين نظرة المجتمع لنا، ولا حتى بين جيران غاضبين من ثلة فتيات يصارعنَ الأقدار بالقرب منهم بحثاً عن حياة أفضل.

تحكي لي صديقتي هبة العامري (اسم مستعار)، التي تشاركتُ معها غرفة لبضعة أيام، عن تجربتها في الاستقلال عن عائلتها:

«قد لا أكون صادقة تماماً إن أخبرتك عن السعادة التي ألقاها في هذه المدينة. أشعر بقسوتها كثيراً، ولكن مقارنةً بما قد ألاقيه في مدينتي إدلب، ليس الأمر بذلك السوء. الاختناق والكبت الذي عايشته هناك كان فوق طاقتي، فقد مُنعت من اللباس على طبيعتي، وحتى الجامعات التي لا أنكر محاولاتها الدائمة للصمود رغم كل شيء، لم يكن لي مكان بين طلابها، ولطالما شعرت أنها مخصصة للذكور فقط، وأن الأرض تلفظني بعيداً. أشعرني كل ذلك برغبة في الهروب ومغادرة العالم كله، ووجدت نفسي في بيروت، أرقّع كل يوم حلماً ممزقاً».

في مجتمع منغلق كمجتمع هبة، لم ولن يُقبل خروجها وسفرها واستقلالها بعيداً عن مؤسسة الأسرة، اللبنة الأساسية للنظام الأبوي. لا تزال هبة تتلقى التهديدات والتوعدات بـ«المحاسبة» من قبل بعض أفراد أسرتها، والذين يشعرون بالوصاية عليها. هذا الخوف المجتمعي من كسر الأدوار النمطية، ومن تقديمنا لأنفسنا كمستقلات، كفيل بهز عرش الوصاية والسطوة الذكوريتين. هذه النقطة تقف عندها هبة كثيراً، فتسأل نفسها عن آلية ممكنة لتأكيد قدرتها على حماية نفسها كأمرأة، بلا لحية وصوت ثخين مرعب. نحن في الوقت ذاته نُمنع من التجربة، فكيف يلوموننا على ضعفنا ويظلون يحاولون ترويضنا بشتى الطرق كأطفال يتعلمون المشي؟ وإلى متى سنبقى في الزنزانة الأسرية المحاطة بالتقديس والتهليل، دون أن تتاح لنا خطوة واحدة للأمام؟

اخترتُ غرفة مستقلة في إحدى ضواحي بيروت «الراقية»، وكنتُ أعتقد أن المناطق كلما ازدادت رفاهية تلاشت فيها الآراء الناقدة والحاقدة.

كان نصيبي أن أحظى بغرفة في أحد المشاريع، غرفة E تشبه علبة الكبريت بضيق مساحتها.

أذكر أول مرة ذهبت فيها إلى السوبرماركت، الذي يبعد أمتاراً قليلاً عن بيتي، حيث استقبلني صاحبها بالقول: «إنتي صاحبة الغرفة E مش هيك؟». ثم كرّت مسبحة الأسئلة: معك حدا أو لحالك؟ مزوّجة؟ مطلّقة؟ أرملة؟ شو بتعملي؟ شو بتدرسي؟ ليش مانك بالشام؟ الأوضاع منيحة! ولمين علبة البيبسي التانية؟ عندك ضيوف؟

كنت مضطرة للإجابة عن التحقيق بدقة وحذر، لأنه إن لم يكن ثم داعٍ الخوف، فإنه لا بد من إبعاد الشبهات وقطع ألسنة النميمة.

بعد يومين، التقيتُ أحد الشباب في الغرفة المجاورة لغرفتي. ألقى علي التحية باستغراب ودعاني لطلب المساعدة فوراً في حال احتجت شيئاً. كدت أعتبر ذلك من كرم أخلاقه وشيمه، ولكن ذلك الاعتبار كان نبلاً مني أنا، فنظراته اللاحقة كانت كافية لبث الذعر في قلبي. وقبل دخوله لغرفته، سألني عن سبب تأخري في العودة للغرفة الليلة الماضية، رغم حرصي على الهدوء الشديد وفتح الباب برقة وإغلاقه بانساب. ومنذ ذلك صرت أقفل الباب ثلاثاً، وادّعيت أن أهلي عازمون على زيارتي قريباً.

روت لي أمل العطار (مستعار) قصة قد تشجع ضحايا الابتزاز الصامتات. «اعتقدت بداية أن أبواب العمل جميعها ستُفتح على مصراعيها لي، فأنا خريجة جامعية وأتحدث لغتين ولدي فرص كبيرة. وبعد جولات مطولة من البحث وجدت عملي المثالي في أحد المكاتب ذائعة الصيت. ولكن مسؤول العمل، الذي بدا لطيفاً وودوداً في البداية، سرعان ما كشف عن وجهه الآخر. فبدأ يطلب مواعدتي، ثم تطور إلى إجباري بإقامة علاقة جنسية وإلا فسيسحب كفالته الشخصية ويطردني من العمل. كنت بحاجة شديدة للعمل وكنت أغامر بإقامتي وعملي، لكن كرامتي لم تكن للبيع. اعتقدت أنني ضعيفة وهشة، وغير مستعدة لتحمل أذيته ودفع ضريبة رفضي له، ولم يقصّر هو في تأكيد رغبته في حمايتي لأنني وحيدة في منفى ولا أستطيع العودة لبلدي ولا أقارب لي هنا. كان يشدّ ذراعي الموجوعة التي كم تمنيت بترها يومذاك. لكن المهم أنني بأفضل حالاتي الآن، فقد هددته بالفضيحة، وكرجل ذي نفوذ لم يكن ثمة ما يخشاه أكثر من الوصم الاجتماعي».

«تبخر»، تختم ضاحكة.

آليات دفاعنا

وأنا أكتب هذه الفقرة، وبعد أن عنونتها «آليات دفاعنا»، انتابني شعور غريب. خططت العنوان بلا وعي وبلا إدراك. نحن فعلاً بحاجة لأن ندافع عن أنفسنا. لا أعلم مِن ماذا، وحتى لماذا، لكن علينا الدفاع عن أنفسنا؛ من أنفسنا قبل المجتمع. فالنساء يشكينَ من قلة في الحيلة أحياناً، ولا يمكنني الجزم بقدرتهنَّ جميعاً على المواجهة كما فعلت أمل مثلاً، أو بصلابتهن في ساحات المعارك الصغرى وخوض حرب الوجود وإثبات الذات وتحمّل المسؤوليات. قد أناقض نفسي بالاستدراك هنا بأنني لا ألومهن، لكني أرغب لهن فعلاً بكسر حواجز الخوف. فنحن حين نتعرض لتشويه السمعة والألفاظ النابية التي نوصف بها (مثل «شراميط» و«فلتانات» وغيرها)، نقابل ذلك في كثير من الأحيان بالصمت، والكتمان، ومحاولات التناسي؛ وحين نحاول عكس صورتنا المشوهة، نبالغ في حماية أنفسنا والسير بخط ثابت، كأن نرتدي ملابس لا تشبهنا ولا تعبر عنا، ولكنها تناسب أفكار جيراننا، لتبقينا في دائرة الأمان تفادياً لنصائحهم أو لنظراتهم التي ترمقنا من جبهتنا وحتى أقدامنا. نتظاهر أيضاً بالتعاسة والحزن كي لا نُسأل عن سبب فرحنا وأملنا الذي نحاول إحياءه في نفوسنا يومياً، والذي قد لا يكون -برأيهم- إلا مؤشراً على علاقة عاطفية أو جنسية أقمناها في السر, فلا نُسأل إن كان السبب هو مؤشر نجاحنا في أحد الأعمال أو ترقية وظيفية أو تقدم دراسيّ. 

القارئ الذي يظن بأني أبالغ، لن ألومه. فنحن نحاول حماية أنفسنا أيضاً حتى حين نكتب وحين نعبر عن ذواتنا. لكن كيف يمكننا الرد والصراخ والتعبير عن غضبنا العميق؟ هل نصرخ بسذاجة «يا لعقولكم المريضة»؟ «تباً لشراهتكم الجنسية»؟ هل ندافع عن أنفسنا ونبرئ ذواتنا من تهم العهر والتمرد على قيم المجتمع، أم نحمل سيوفاً في حقائبنا ونجزّ أعناق كل من يمس كرامتنا؟

تفادياً للرجم الاجتماعي والتحرش والوصاية الرمزية، التي تبدأ من ناطور المبنى وحتى رئيس العمل، ثمة فتيات تعرفت إليهن رضين بالتقوقع في غرفهن كحلزونات الشتاء: من غرفهن إلى العمل وبالعكس، يمشين في الشوارع ناكساتِ الرؤوس، عابسات الوجوه، حانيات الظهور، يتلفّتنَ حَذِراتٍ من كلمات متربصّة دائماً، قد تخترق أجسادهن وأرواحهن قبل آذانهن.

يبدو الأمر مرهقاً جداً. نحن ندفع ثمناً باهظاً دفاعاً عن استقلاليتنا في مجتمع يحارب وجودنا. وما إن نحاول الانسلال عبر ثقوب هذا العالم وإثبات أنفسنا، وما إن نقرر العيش لا البقاء قيد الحياة فحسب، وما إن نَتَحَدى النماذج المفروضة والأقدار المرسومة لنا، حتى نُرشق بسُمعتنا وشرفنا. وحين اخترنا الاعتماد على أنفسنا، وحين حاولنا جاهداتٍ حفر طرقاتنا الوعرة بأظافرنا، تحولنا لخطر حقيقي يهدد بقاء المجتمع ببُنيته السليمة، وكأننا اقتلعنا جذوره الضاربة في أعماق الأرض. وحين أقمنا في منازل عازبات، صرنا استفزازاً لقيم المجتمع وإن لم نقصد ذلك. وفي الطرقات، وفي أماكن العمل، لسنا سوى غزالات شاردات في هذه الغابة، ننتظر المفترس كما تنتظر الغنائم السهلة صاحبها الأخير، لتبوء جميع آليات دفاعنا عن أنفسنا بالفشل.

كتبتُ هذا النص، لا دفاعاً عني ولا عن علبة الكبريت التي أعيش فيها، ولا دفاعاً عن سكن العازبات سيء السمعة، ولا عن صديقاتي القويات فقط، بل دفاعاً أيضاً عن استقلاليتنا نحن النساء. دفاعاً عن حقنا.