عندما سقطت مئذنة مسجد في عفرين

 

شهد يوم الثامن من آذار (مارس) الجاري انهيار مئذنة أحد المساجد في بلدة شيخ الحديد في ريف عفرين، وذلك نتيجة أعمال حفر قام بها عناصر من أحد فصائل المعارضة، بحثاً عن قطع ولُقى أثرية محتملة. لم يحظ هذا الخبر باهتمام في أوساط جمهور الثورة والمعارضة السورية، وهو الأمر الذي يبدو مفهوماً تماماً، ذلك أن تطورات معارك إدلب ومذابح النظام فيها، وما تلاها من اتفاق روسي تركي جاء مخيباً لآمال هذا الجمهور، وكذلك الأخبار المتتالية عن انتشار وباء كورونا المستجد في العالم، لم تترك مجالاً للاهتمام بحدث جانبي كهذا.

لكن ثمة سبباً آخر أكثر أهمية وراء قلّة الاهتمام تلك، وهو أن الخبر لا يحمل جديداً تقريباً، فالتقارير المتلاحقة عن أعمال النهب المنظم التي تتعرض لها الآثار في عفرين لم تنقطع في الأشهر الأخيرة، وكذلك التقارير والأخبار التي تتحدث عن انتهاكات واسعة ترتكبها فصائل ما بات يُعرف بالجيش الوطني في عفرين. وقبل هذا، لقد نُهبت آثار سوريا خلال السنوات القليلة الماضية على يد جميع أطراف الحرب السورية دون استثناء، حتى أن مديرة منظمة اليونسكو كانت قد قالت، منذ العام 2015، إن المواقع الأثرية تُنهب في سوريا «على نطاق مذهل» بحسب تعبيرها.

لكن ما يسترعي الاهتمام فعلاً في خبر سقوط مئذنة المسجد، هو الوقاحة والعلنية التي يتم ارتكاب تلك الجريمة بها، فأعمال الحفر تجري في قلب بلدة مأهولة بالسكان، وفي مسجد ربما يكون الأقدم فيها، وهي مستمرة منذ شهرين على ما تؤكّد مصادر محليّة للجمهورية، دون أن يكلّف اللصوص أنفسهم عناء التستر بشكل جديّ، أو حتى عناء إصدار بيان تافه ينفون فيه ما حصل أو يشرحونه بعد سقوط المئذنة، على غرار بياناتهم التي تنفي بعض الأخبار التي تتحدث عن جرائم أخرى يرتكبونها.

تقع بلدة شيخ الحديد، كما هو اسمها في السجلات الرسمية للدولة، أو بلدة شيه كما يحبّ تسميتها كثيرٌ من أبنائها الأكراد، في أقصى غربي محافظة حلب، إلى جوار الحدود السورية مع لواء اسكندرون. وهي مركز ناحية تتبع لمنطقة عفرين إدارياً، كانت فصائل المعارضة التابعة لتركيا قد سيطرت عليها برفقة الجيش التركي في مطلع آذار (مارس) 2018، بعد معارك مع مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، أسفرت عن ضحايا من أبنائها وعن تهجير قسم منهم إلى خارج عفرين. والفصيل الأكثر سيطرة في شيخ الحديد ومحيطها هو لواء السلطان سليمان شاه، المعروف محلياً بـ «العمشات»، نسبة إلى قائده محمد الجاسم الشهير بـ «أبو عمشة».

إلى جانب جرائم متنوعة يرتكبها الفصيل في عفرين وغيرها، تشمل السطو والاختطاف والاحتجاز والتعذيب وفرض إتاوات، ينشط الفصيل في التنقيب عن الآثار وبيعها عبر شبكات تهريب، وكان عناصره قد بدأوا قبل نحو شهرين أعمال تنقيب شملت هدم محلات تجارية في محيط المسجد والحفر تحتها، ثم شملت الحفر في صحن المسجد نفسه، ويبدو أن الحماقة وانعدام المعرفة قد تسبّبا بإلحاق ضرر بالغ في أساسات المئذنة، ما أدى إلى سقوطها. المسجد معروف باسم «الجامع التحتاني»، والمئذنة التي سقطت عمرها أكثر من مئة سنة، إذ أنها بنيت عام 1912.

كانت إجراءات التستّر الوحيدة، التي قام بها لصوص العمشات، هي تغطية موقع الحفر داخل صحن المسجد بشوادر كبيرة. سوى ذلك، كان الأمر يتم في وضح النهار، دون أن يتمكّن أحدٌ من الاعتراض أو الاستفسار، بِدءاً من أبناء البلدة المغلوبين على أمرهم، مروراً بالمجالس المحلية الصورية التي شكلّتها سلطات الأمر الواقع، وانتهاءً بهياكل الجيش والشرطة المحلية التي رعت تركيا تأسيسها في المنطقة.

يشرح مثال سقوط المئذنة كيف أن هؤلاء يمارسون جرائمهم دون إي إحساس بالحاجة للتبرير أو التستّر؛ يتمرّغ العمشات وأشباههم في جرائمهم وارتزاقهم وتبعيتهم، دون أن يثير هذا أدنى إحساس بالحرج لديهم، وفوق هذا يتحدثون باسم الثورة السورية، ويدّعون تمثيلها بينما يرتكبون باسمها جرائم متنوعة في عفرين وغيرها. ولعلّ هذا بالضبط يكون سبباً إضافياً وراء قلّة اهتمام جمهور الثورة والمعارضة بهذا الخبر، ومئات الأخبار التي تشبهه خلال السنوات الأخيرة، ذلك أن إحساساً عميقاً بالعار يترافق معها، ويتم التعامل معه بأساليب متنوعة، تشمل التجاهل أو الإنكار، أو التقليل من شأن هذه الجرائم، أو استسهال تحميل نظام الأسد المسؤولية عنها باعتباره مسؤولاً عن الحرب أصلاً، أو جلد الذات ولومها وتحميلها المسؤولية على نحو يشلّ القدرة على الفعل والتفكير والقول.

في الذكرى التاسعة لقيام الثورة السورية المقتولة، يواصل محسوبون عليها شتى أنواع الجرائم، ومثالها الأبرز ما فعلوه ويفعلونه بحق عفرين وأهلها من استباحة وتهجير وسطو وقتل. إذا كانت ثورتنا قد فشلت في نقل البلد وأهله إلى حياة أكثر عدالة وكرامة، فإن ما نستطيعه اليوم هو الدفاع عن مبدأ طلب العدالة والكرامة للجميع، والدفاع عن حكايتنا وذكرى ثورتنا في وجه الأسدية ورُعاتها وأشباهها، وأول وجوه هذا الدفاع يكون في احتقار هذه النسخ الصغيرة المنحطة من الأسدية، التي تعتاش كالطفيليات على ذكرى ثورة خارقة في شجاعتها وصبر أهلها، وفضحها والمطالبة بمحاسبة قادتها ومجرميها تماماً كما نطالب بمحاسبة الأسدية وقادتها ومجرميها وحلفائها، دون الحاجة للبحث في أي تمايزات وترتيب مسؤوليات. لم يعد لدى ثورتنا ما تخسره سوى عدالة قضيتها وذكرى شهدائها، وهؤلاء هم ألدّ أعداء ذكراها وعدالتها.