عن «إعادة إعمار» تمثال القائد

 

بعد إنهاء مهمته بإخلاء حمص من أبنائها الثائرين، سواء في حمص القديمة أو الوعر أو ريف حمص الشمالي، وإعلان المدينة مع أريافها كاملة تحت سيطرة النظام، ورغم الدمار الكبير الذي حلّ بالمدينة، والذي تصل نسبته إلى ما يزيد عن 70 بالمائة، 17 حياً مدمراً كليّاً وجزئياً، يعمل محافظ حمص محمد طلال برازي ومن خلفه مجلس المدينة على تجميل حمص المدّمرة، لكن على طريقة محافظيّ حمص السابقين.

الطريقة المعتادة التي بدأها محافظ حمص مطلع الثمانينات محمد فؤاد العبسي تقوم على تزيين المدينة من خلال إعادة تأهيل الدّوارات فقط، لكن ما يميز البرازي هنا أنه ترك خلفه أحياء سُويّت بأكملها بالأرض وبدأ بالدّورات. هذا التأهيل الجديد كان برعاية بعض الشخصيات المغتربة أو المقيمة في حمص، أو شركات خاصة استثمرت في إعادة تأهيل بعض الدوارات في المدينة، باستثناء دوار الرئيس؛ الذي نفذته بلدية حمص بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، باعتباره رمزاً لا يمسّه إلا صاحب الشأن.

وما زال العمل جارياً على تأهيل بعض الدّوارات الباقية في المدينة كدوار الحيّ الشهيد، حي بابا عمرو، إضافة إلى دواريّ الغوطة والحمرا، ودوار النخلة الذي يعرف كل من يسكن قربه قسوة الحاجز الأمني الذي نُصب عنده خلال السنوات الماضية، والذي كان شاهداً على اعتقال مئات الشباب.

دوار الهولوكوست والنرجيلة

ثقافة الدّوارات التي يعرفها أبناء حمص جيداً، والتي غالباً ما يبدأ أي محافظ جديد للمدينة بإعادة تأهيلها، لم تشهد نقاشاً كبيراً خلال السنوات الطويلة الماضية لأن الأمر خارجٌ عن الإرادة المجتمعية للمدينة، إلّا في عهد محمد إياد غزال محافظ حمص بين عاميّ 2006 و2011، الذي بدأ عهده بتأهيل دوار الشبيبة أو ما يعرف رسمياً بدوار زكي الأرسوزي، وذلك في طريقه لتحقيق «حلم حمص» بالتغيير الكامل لوجه المدينة العمراني والديموغرافي، والبداية كانت عبر الدوّرات وإحداث بعض التغييرات الجذرية في شوارع المدينة.

هذا الدّوار الواقع في واحدة من أهم النقاط الحيوية، وبالقرب من ملعب حمص البلدي نهاية شارع الحمرا، آثار حفيظة الناس لأن المهندس «الغزال» قام بتحويله إلى نُصب على نمط أشهر النُصُب الموجودة في برلين ضمن منطقة السفارات لتمجيد ذكرى الهولوكست، والذي كان قد تم افتتاحه عام 2005، أي قبل عام تقريباً من إنشاء النصب الثاني للهولوكست لكن في حمص هذه المرة، وهو عبارة عن مكعبات من الخرسانة بمثابة أضرحة لليهود الذين قتلهم النازيون الألمان.

برّرَ «الغزال» فعلته بأن النُصب الموجود في برلين هو على شكل قبور، أما دوّار حمص فهو على شكل موجة مياه، قائلاً إن كل من يقارن بين الإثنين يعيق التطوير والتحديث في المحافظة التي جاء الغزال إليها لتحقيق حلم لا ينتمي لها.

أعاق محافظ حمص الحالي «البرازي» مسيرة تطوير «الغزال السابق»، وأزال دوار الهولوكست ليقيم مكانه رأس نرجيلة في خطوة رجعية كما تبدو أول الأمر، وبرعاية أحد رجال الأعمال في المدينة والمتنفذين أمنياً. هذه ليست مزحة بالتأكيد، لقد أزالوا نُصب الهولوكست لأنهم تأكدوا أخيراً أن لا علاقة لحمص بالمذبحة النازية، فوضعوا نُصباً جديداً على شكل رأس نرجيلة في الشهر الرابع من السنة الحالية 2018، وذلك تزامناً مع إخلاء الريف الشمالي من أهله، ليتناسب الأمر مع الوضع الجديد للمدينة الخالية من الإرهابيين في عرف الموالين، ويتناسب أيضاً مع وضع الشارع الذي يقع فيه الدوار، والذي يُنفَثُ فيه دخان النراجيل ليل نهار بعد أن تحول في فترة محمد إياد غزال إلى كافيهات على النمط الأوروبي ضمن مسيرة التطوير والتحديث التي قادها «الغزال» في حمص نيابة عن بشار الأسد.

دوار الرئيس

ضجت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الموالية للأسد خلال الأيام الماضية بانتهاء العمل على تأهيل دوار الرئيس، أو السيد الرئيس كما يصفه موالو النظام. هذا التمثال المنحوت على هيئة حافظ الأسد، موضوعٌ كحجر أساس في جدار لا يشبه جدار برلين في شيء، بل هو مجرد لَبِنة صُلبة وضعت في جدار هلامي اللون يفصل بين أحياء حمص، الموالية للنظام على أساس طائفي وتلك الأحياء المؤيدة للثورة، بين الشرقية والغربية بمقياس بيروت الثمانينات، أو بين الأحياء السنيّة والعلوّية بمقياس حمص الخاص، بين شطريّها المتنافرين كالسالب والموجب، سالب التأييد وموجب الثورة. جدار وضعَ النظامُ لبنته الأولى على مدى سنين حكمه، وأكملت بُنيانه الأحداث اللاحقة.

ملفتٌ لمن يدخل حمص من طريق الشام/ دمشق هو التمثال، تمثال الأسد الأب، وهو يدير ظهره لأحد شطري حمص بينما وجهه مع يديه المفتوحتان باتجاه آخر تماماً. كان قد أُشيع في بداية التسعينات أن هذا التمثال والدوار الذي يقع عليه سيكون مركز مدينة حمص بدلاً من الساعة الجديدة، التي كانت لاحقاً مسرحاً لأول اعتصام سلمي في تاريخ سوريا الحديث عام 2011، في إشارتين قد تبدوان ثانويتين، لكنهما تبرّران للطرف الأول أسباب ثورته على نظام صاحب التمثال، وللثاني دفاعه المستميت والمميت عنه.

شكّلَ وجود تمثال الأسد الأب هاجساً لأبناء حمص المؤيدين للثورة، سيما مع إسقاط تماثيل مشابهة في درعا والرقة وغيرها من المدن السورية، خصوصاً أن حمص التي لقبت بعاصمة الثورة من المفترض أن تكون خالية كلياً من رموز النظام، لذا جرت محاولات عديدة من ثوار المدينة على مدى أعوام الثورة الثلاثة الأولى لإسقاط التمثال بقصفه بالكاتيوشا أو الرمي عليه بالرصاص لاستحالة الوصول إليه عبر التظاهرات السلمية، لكن صعوبة موقعه كونه منتهى الأحياء الثائرة ومبتدأ الأحياء الموالية للنظام لم يحقق الأمل المرجو لأهل المدينة الثائرين.

من جهة ثانية، تخوّفَ مؤيدو النظام خلال السنوات المذكورة من إلحاق أي ضرر بالتمثال، فوقّعَ عددٌ منهم عريضة لمجلس مدينة حمص مطالبين بإزالته مؤقتاً على غرار ما حصل في مدينة حماة، ريثما تهدأ الأمور، إلا أن طرفاً آخر من الموالين للنظام كان أكثر تشدداً فرفض الأمر على اعتبار أنهم قادرون على حمايته. في النهاية بقي التمثال مكانه، لكنه غُطّيَ بالعلم الأحمر لإصابات طفيفة حدثت له جراء الرصاصات التي حاولت اغتياله.

منذ أيام قليلة أُعيد افتتاح الدوار بعد تأهليه وتأهيل نُصب القائد جراء رصاصات أصابت يده ورأسه ومؤخرته، جرت أعمال الترميم على مدى 45 يوماً وبكلفة بلغت 50 مليون ليرة سورية، وسط حضور جماهيري لالتقاط السيلفي مع القائد الذي أزيلت آخر رصاصات حمص من مؤخرته، ليُكشف النقاب عن التمثال كما كان قبل الثورة، عندما كان يدير ظهره لأغلبية أهل حمص، إذ لم يختلف الأمر مع التأهيل الجديد للتمثال والدوّار؛ ما زال حتى الآن يدير ظهره لحمص ومركز مدينتها، حمص التي سُويّت معظم أحيائها بالأرض، وأُفرّغت من أهلها وشبابها بفعل هولوكوست القرن الواحد والعشرين الذي نفذه ابن القائد.