عن إدارة داعش للقطاع الصحي في دير الزور

 

في أواخر حزيران 2014 أعلن «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام/داعش»، قيام ما أسماه «الخلافة الإسلامية»، واختيار أبي بكر البغدادي «خليفةً للمسلمين»، ولم تكن داعش تملك من مقومات الدولة سوى القوة العسكرية، لذلك حاول قادتُها بناء بعض الأجهزة والمؤسسات التي توحي بوجود دولة.

كان الجهاز المسؤول عن القطاع الصحي واحداً من تلك الأجهزة التي بدأ التنظيم ببنائها على مراحل، ولمحاولة فهم كيفية عمل التنظيم في هذا القطاع، تمَّ جمعُ العديد من الشهادات لأطباء وممرضين عاصروا حكم التنظيم في الفترة الممتدة من منتصف العام 2014 حتى نهاية العام 2015، حين بدأ التنظيم بفرض إجراءات صارمة بحق الكوادر الرافضة للعمل معه، لكنهم لم يقبلوا الانضمام له رغم الضغوط، ثم هربوا من مناطق سيطرته خوفاً على حياتهم. وهذه الشهادات كانت من «ولايتي الخير والفرات» وفق تسميات التنظيم، واللتين تشملان محافظة دير الزور وريفها.

قَسَمَ التنظيم محافظة دير الزور إلى ولايتين، لكل منهما دواوينها وقوانينها المستقلة في بعض المجلات؛ «ولاية الخير» التي شملت معظم مناطق المحافظة، باستثناء البوكمال وريفها والقسم الغربي من الريف الشمالي باتجاه محافظة الحسكة، و«ولاية الفرات» التي شملت مناطق محافظة دير الزور التي لم تشملها «ولاية الخير» ومنطقة الأنبار العراقية.

*****

قبيل دخول داعش، كانت معظم المؤسسات التابعة لنظام الأسد في محافظة دير الزور قد خرجت عن الخدمة، ما استدعى من ناشطي القطاع الصحي العمل على إنشاء مشافٍ وتنظيم كوادر صحية بديلة تشبه إدارات طبية، حتى أصبح هناك عملٌ شبه منظم، من خلال تأسيس مشافٍ ميدانية جديدة، أو إعادة تأهيل مشافٍ حكومية سابقة.

في مدينة دير الزور كان هناك مشفى فارمكس، وهو مشفىً ميداني؛ ومشفى النور، وهو مشفىً خاص تم تحويله إلى مشفىً ميداني؛ ومشفى التقوى الميداني على المدخل الشمالي لمدينة دير الزور. وفي بقية مناطق محافظة دير الزور، كان هناك مشافي الصبحة وهجين والخريطة في الريف الغربي على الضفة الشمالية لنهر الفرات (الجزيرة)، وعلى الضفة الأخرى كان هناك مشفى موحسن الميداني، ومشافي البوليل والقورية والعشارة، وجميعها مشافٍ ميدانية أُحدِثَت في فترة سيطرة الجيش الحر ما بين منتصف العام 2012 وحتى دخول داعش. أما في الميادين، التي أصبحت مركزَ ولاية الخير ومقرَّ الإدارة الطبية التي أنشأتها داعش فيما بعد، كان هناك مشفى الطب الحديث، والمشفى الوطني (نسائية وتوليد)، كما تم تحويل شعبة الحزب سابقاً إلى مشفىً للأطفال، بالإضافة لعدد من المشافي الخاصة كالسعيد والسلام وغيرها. وفي منطقة البوكمال، التي أصبحت ضمن ولاية الفرات لاحقاً، فقد كان هناك، قبيل دخول داعش، المشفى الوطني ومشفى عائشة الخيري وعدد من المشافي الخاصة كالزبير والهناء والتوفيق، بالإضافة إلى بعض العيادات التخصصية والمراكز الصحية الثورية والخاصة.

وَضَعَ تنظيم الدولة يده بشكل مباشر على جميع المراكز الصحية والمشافي الميدانية والحكومية بعد سيطرته على المحافظة، وذلك عبر مجموعة من الخطوات، التي كانت تدريجية بسبب عدم وجود كوادر صحية كافية لديه. أما المشافي الخاصة، فقد تعامل التنظيم مع كل حالة بشكل منفرد، وعلى العموم كان يقوم بتعيين مشرفين على عملها، وبالاستيلاء على المشافي التي كان أصحابها يغادرون مناطق سيطرته.

قام التنظيم بإدخال عناصره كعاملين ومشرفين أمنيين على المشافي، ومن ثم بدأ بإدخالهم كإداريين، وبدأ بإنشاء كوادر خاصة به من المبايعين له، وإقصاء من رفض العمل معه أو مبايعته. بعدها وضع يده على معظمها بشكل كامل ومباشر، وقام بنقل كثيرٍ من الأدوية والمعدات الطبية إلى مراكز ومستودعات خاصة به، وبإنشاء مراكز طبية خاصة لمقاتليه في الميادين، كمشفى «الصناعة» التي نقل إليها معظم معدات المشافي الميدانية والخاصة، كما نقل عدداً من تلك المعدات إلى مشافيه في العراق.

الإدارة الطبية في «ولاية الخير»

بعد دخول التنظيم الى دير الزور، قام بتعيين أبي عثمان مسؤولاً طبياً، أي بمثابة مديرٍ للصحة في «ولاية الخير» بتاريخ 15 تموز/يوليو 2014، وهو المنصب الذي بات يُعرَف بـ «أمير الطبيّة». وأبو عثمان هو ممرضٌ من اللاذقية، من منطقة سلمى، اتخذَ من مشفى الطب الحديث في الميادين مقراً لإدارته رغم التحذيرات من كادر المشفى بأن النظام قد يدمرها، ونُصحِهم له بالابتعاد عنها دون فائدة، فسيطر على المشفى بشكل كامل، لكنه أبقى على كل المشافي التي كانت تُدعَمُ من المنظمات الدولية، واكتفى بطلب تقارير كاملة عن عمل تلك المشافي وخاصة الدعم المالي.

كان أبو عثمان يأمر بتطبيق قوانين التنظيم داخل المشافي، من اللباس الشرعي للنساء إلى عدم الاختلاط، واستمرَّ هذا إلى أن صدرَ القرارُ بتحريم العمل مع المنظمات، ومصادرة كافة المشافي والمراكز الطبية التابعة لها بتاريخ 25 شباط/فبراير 2015.

تم إغلاق بعض تلك المشافي، والإبقاء على بعضها الآخر بدعمٍ وإشرافٍ من التنظيم حصراً، وكان هذا القرار صادماً لكل الناس، لأن هذه المشافي كانت تقدِّمٌ كل شيء للمرضى. كان أبو عثمان من المعارضين لهذا القرار، لأنه يعلم أن التنظيم لا يستطيع أن يغطي متطلبات القطاع الصحي، ولم يَرُق ذلك لديوان الصحة في الرقة، وهو بمثابة وزارة الصحة في «الدولة الإسلامية»، فتم نقله إلى القطاع العسكري، وقُتِلَ بعدها خلال إحدى المعارك.

بعدها تم تعيين الدكتور أبو عبيدة الغزاوي بديلاً لأبي عثمان، وهو طبيب (أخصائي باطنية) من فلسطين، ولكنه جاء من بريطانيا وهو خريج جامعاتها. بدأ أبو عبيدة بتنظيم العمل الطبي، وقام بتعيين أشخاص جدد في مواقع إدارية.

قام بتعيين أبي عبد الرحمن الجنوبي، وهو طبيب أسنان من مصر، نائباً له ومسؤولاً عن القطاع الجنوبي، وأبي آدم المصري، طبيب أسنان من مصر أيضاً، مسؤولاً طبياً في قاطع المدينة المحررة، إذ تم تقسيم «الولاية» الى قطاعات، شمالي وجنوبي وشرقي وغربي وقاطع المدينة. كذلك عيَّنَ نائباً إدارياً ومحاسباً، وموظف إدخال بيانات، وموظفي استقبال ودعم لوجستي ومستخدمين. كذلك قام بإنشاء مشفى الميادين العام «مشفى الصناعة»، بديلاً عن مشفى الطب الحديث الذي أصبح خارج الخدمة بسبب القصف الشديد.

أنشأ أبو عبيدة ما سُمّي مكتب السفر، إذ أصدرَ التنظيم قراراً بمنع الناس من السفر إلى خارج أراضيه «ديار الكفر» إلّا في حالات استثنائية، وكانت مهمة هذا المكتب إعطاء موافقات سفر للمرضى المصابين بأمراض لا يمكن علاجها ضمن مناطق سيطرة التنظيم في العراق وسوريا (السرطان والقصور الكلوي والقثطرة القلبية وجراحة القلب، وغيرها). ترأسَ المكتبَ أبو عبد الله المهاجر من إدلب، وكان المرضى يعانون معاناة شديدة حتى تتم الموافقة التي يتطلب صدورها وقتاً طويلاً، حتى أن بعض المرضى فقدوا حياتهم خلال انتظارها.

تم تعيين أبي طارق التميمي الحلبي مسؤولاً عن المستودعات الطبية وإمداد المشافي بما تحتاجه في «ولاية الخير»، وتم الإبقاء على بعض المشافي الميدانية المتقدمة في مناطق الجبهات، مثل مشفى موحسن الميداني من الجهة الشرقية لمطار دير الزور، ومشفى الخريطة الميداني من الجهة الغربية، بالإضافة الى بعض النقاط الطبية، وتم إلزام كافة الأطباء من غير المبايعين للتنظيم بالدوام في مشافي التنظيم والعيادات الخارجية وفق نظام دوام أسبوعي، وتتم معاقبة كل طبيب يتخلف عن الدوام بالسجن. مثلاً تم سجن د. عماد أكثر من شهر، ود. شادي لمدة شهر تقريباً، ولهذا السبب وأسباب أخرى هاجر أغلب الأطباء.

من أسباب رحيل الأطباء الأخرى، تعدي عناصر التنظيم على الأطباء وضربهم، وهو ما حصل مع د. محمد (داخلية قلبية)، الذي قام بضربه أبو عائشة الطاجيكي حتى كاد أن يتسبب بوفاته، لأنه قام بمعاينة زوجته ومراقبة الإيكو بنفسه.

أيضاً تم منعُ أطباء النسائية الذكور من ممارسة عملهم بشكل نهائي، وكانت الحسبة (شرطة الآداب التابعة للتنظيم) تقوم بمعاقبة الأطباء عند وجود أي مخالفة داخل العيادة، مثل رؤية إحدى المريضات والممرضات كاشفةً وجهها، أو وجود مريضة بدون مُحرَم، أو التدخين.

من أسباب خروج الأطباء أيضاً إلزامهم بدورات شرعية في المساجد، وبسبب الهجرة المتزايدة للأطباء، أصدرَ «ديوان الصحة» قانوناً ينصّ على مصادرة أملاك كل طبيب أو صيدلاني يسافر خارج أراضي التنظيم، ومنعهم من بيع أملاكهم، وهذا للحدّ من هجرتهم أو هربهم.

بعدها كثرت الشكاوى على الإدارة الطبية في «ولاية الخير»، فجاءت لجنة من «ديوان الصحة» وعينت مسؤولاً جديداً بتاريخ 1 آب/أغسطس 2015، وهو الصيدلاني المصري أبو عبد الله الغريب، فقام بنقل الغزاوي إلى قاطع المدينة ليكون مسؤولاً هناك، وقام بنقل أبي عبد الرحمن الجنوبي ليصير مسؤولاً طبياً في «ولاية البركة» (محافظة الحسكة)، فاتخذ الأخير من مشفى الشدادي العام مقراً له، وبعد تراجع التنظيم هناك وسيطرة الوحدات الكردية على الشدادي، تمّ ضمّ ما تبقى من «ولاية البركة» إلى «ولاية الخير»، وأصبحت الإدارة الطبية في الأولى تابعة للإدارة الطبية في الثانية. وكان من أهم ما قام به أبو عبد الرحمن، التوصل إلى اتفاق مع المنظمات بشأن إعادة حملات اللقاح (شلل الأطفال والحصبة).

قام أبو عبد الله الغريب أيضاً بإنشاء مكتب الرقابة الطبية في «ولاية الخير»، وترأسه أبو معاوية، وهو ممرضٌ من موحسن. كانت مهمة المكتب تنظيم عمل الصيدليات، إذ قام بإغلاق كل الصيدليات المخالفة، حتى أصبح من المستحيل أن توجدَ صيدلية في مدينة الميادين لا يوجد فيها خريجُ صيدلة. أما في باقي المناطق، فإنه لم يُسمح لغير الصيادلة بفتح الصيدليات إلا إذا لم يكن هناك خريجو صيدلة، فعندها يُسمَح لفنيي الصيدلة والممرضين بفتح صيدليات، وتقوم الرقابة بجولات دورية على الصيدليات، ومعاقبة أصحابها في حال وجود مخالفات بالإغلاق لمدة أسبوع وغرامة مالية تتراوح مبين 5000 و100000 ليرة سورية، ومن المخالفات: بيع أدوية منتهية الصلاحية، بيع الأدوية النفسية من دون وصفة، وجود شعار الأفعى على لافتة الصيدلية لأنه «كفر»، وجود أي صور لنساء على الأدوية والمستحضرات التجميلية، عدم تواجد الصيدلاني في الصيدلية، القيام بأعمال التطبيب أو التمريض داخل الصيدلية.

بعد إنشاء مكتب الرقابة الطبية، تمّ إعطاء شهادات للأطباء والصيادلة في «ولاية الخير» تحمل ختم «ديوان الصحة»، وذلك بعد التأكد من صحة شهاداتهم الأصلية، كما تمَّ افتتاح صيدليات تابعة للتنظيم في كل مناطق سيطرته، سُمِّيَت صيدليات الخير، وكانت تقوم ببيع الدواء بسعر التكلفة لكل الأهالي.

قامت الإدارة الطبية في «ولاية الخير» بمصادرة كثير من المشافي الخاصة لأن أصحابها في «ديار الكفر»، ومنها مشفى نوري السعيد بالميادين وهو من أكبر المشافي في المنطقة، ومشفى الحماد ومشفى الشرق، بالإضافة إلى مشفى الحكمة في العشارة، وأصبحت هذه المشافي تدار من قبل التنظيم مباشرةً، بعد تعيين مدير لها من عناصره.

سمحت الإدارة الطبية لبعض الأطباء والصيادلة بتغيير اختصاصاتهم بالتدريب والإقامة داخل المشافي التابعة مباشرةً للتنظيم، وكان منهم الصيدلاني البريطاني أبو عبيدة، وهو من أصول بنغالية، إذ أخذَ يتمرن على الجراحة العامة وقام بعدة عمليات. كان التدريب يتمّ بأجساد المرضى من الأهالي، ويمنع التدريب على المرضى والمصابين من عناصر التنظيم.

في مطلع العام 2016، أنشأ التنظيمُ الإدارةَ الطبيةَ العسكرية في «ولاية الخير»، وترأسها أبو دهام، وهو ممرضٌ من تدمر. وكانت هذه الإدارة تتولى متابعة عناصر التنظيم طبياً، كإعطائهم إجازات أو إحالات إلى الرقة أو الموصل أو حلب في حال كان لا يمكن علاجهم في دير الزور، وتولَّت هذه الإدارة أيضاً تقييم المنتسبين طبياً وإصدار القرار بقبولهم في صفوف التنظيم أو رفضهم، وتسريح من يرغب إذا كانت حالته الصحية لا تساعده على القيام بالمهام الموكلة إليه، وكذلك نقل العناصر المصابة بأمراض مزمنة من جبهات القتال الى أماكن مريحة.

كذلك تم تأسيس المكتب الأمني الطبي في «ولاية الخير» مطلع 2016، ومهمته مراقبة العمل الطبي وتقييم العاملين فيه أمنياً، وكان المسؤول عنه ممرضٌ من موحسن يدعى أبو سيف.

تم تعيين أبي البراء الأردني «أميرَ طبيّة» في الولاية خلفاً لأبي عبد الله الغريب، وهو صيدلانيٌ أردني. وتم تعيين أبي معاوية، مسؤولُ مكتبِ الرقابة الطبية، نائباً له. لم تتغير أشياء كثيرة في عهده، لكنه ألغى إدارة الرقابة الطبية واستبدلها بمسمى جديد هو مجلس الصيادلة، أشرفَ عليه صيدلانيٌ من دير الزور يدعى عبد الرحمن العلي.

المراكز الطبية الرئيسية في «ولاية الخير»

كان المشفى الرئيسي في الولاية خلال الأشهر الأولى من حكم التنظيم هو مشفى الطب الحديث في الميادين، وكان يضمّ أقساماً متعددة أهمها: الإسعاف - جناح الداخلية – جناح العظمية – قسم العمليات، الذي ضمَّ ثلاث قاعات: العمليات / الإنعاش /الأشعة. كان المشفى يقدِّمُ خدمات تصوير الأشعة البسيطة والطبقي المحوري والإيكو والمخبر، وعيّنَ التنظيم الممرض يوسف أبو خالد من موحسن مسؤولاً عنه.

بعدها تعرَّضَ المشفى لقصفٍ عنيفٍ أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منه، فقام التنظيم بنقل المعدات التي لم تخرج عن الخدمة منه إلى مبنى الثانوية الصناعية، بالإضافة إلى معدات من مشافي ومراكز صحية أخرى، ليتم افتتاح مشفى «الصناعة» الذي أصبح المشفى الرئيسي للتنظيم في الولاية، وتم تخصيصه لعلاج المرضى والمصابين من مقاتلي التنظيم ومبايعيه، ولم يكن مسموحاً للمدنيين، أو «العوام» وفق تسميات التنظيم، التداوي فيه. أما مشفى الطب الحديث، فبقي فيه قسم صغير للإسعاف في الجزء غير المُدمّر منه، وبقي تحت إشراف الممرض يوسف أبو خالد نفسه، والجدير بالذكر أن الأخير قُتِلَ منذ فترة قريبة في قصف لطيران التحالف على قرية البحرة بريف ديرالزور الشرقي.

في الميادين أيضاً كان هناك مشفى الأطفال، الذي تم إنشاؤه في العام 2013 في مبنى شعبة الحزب، وغيَّرَ التنظيم اسمه إلى مشفى زينب بعد أن حوّله إلى مشفى توليد ونسائية، وألزمَ الطبيبات بالدوام فيه. كانت في المشفى الأقسام التالية: الحواضن، وتحوي 14 حاضنة - الإسعاف - المخبر – الداخلية – العمليات – العناية المشددة.

في الميادين أيضاً كان مشفى نوري السعيد، أو الأندلس كما أسماه التنظيم، ويحوي أقسام: عمليات - عناية مركزة – مخبر. ومشفى الحماد: ويحوي أقسام: عمليات - داخلية – مخبر، وكان مسؤولها مقدام التركي أبو محمد من موحسن. والمشفى الوطني، أو كما أصبح يُسمّى: مشفى فاطمة الزهراء أو مشفى النسائية، ويحوي قسم توليد وعمليات قيصرية فقط، ومسؤولها أيضاً مقدام التركي نفسه. ذلك بالإضافة إلى مركز إخلاء جرحى مسؤوله أبو صادق الشامي.

المشافي الرئيسية في الولاية إذن كانت في الميادين، أما خارجها فكان هناك مشفى بقرص الميداني، ومشفى موحسن، الذي يضمّ: قسم عمليات وإسعاف وقسم أشعة، وكان مسؤوله هشام أبو عبد الملك، الذي كان في إحدى المراحل يشغل أيضاً منصب المسؤول الطبي لولاية البركة. وفي مدينة دير الزور استمرَّ مشفى فارمكس في العمل تحت إدارة التنظيم، وتم إنشاء مشفىً جديد شاملٍ في حي العمال. وسوى ذلك كان هناك عيادات ومراكز استشفاء ونقاط طبية متفرقة ضعيفة الإمكانيات في أنحاء الولاية.

كان العلاج في أقسام الإسعاف مجانياً في جميع المشافي التي يشرف عليها التنظيم، أم علاج «الحالات الباردة» فإنه لم يكن مجانياً للمدنيين، وكانت رسوم دخول المشافي والعلاج فيها مختلفةً بين مشفىً وآخر، إذ لم يكن هناك سياسة موحدة بهذا الخصوص.

عن الإدارة الطبية في البوكمال

في البوكمال التي أتبَعَها التنظيم لـ «ولاية الفرات» كما قلنا، اتَّبَعَ التنظيم الخطوات التنظيمية ذاتها تقريباً، لكنه قام فضلاً عن الإجراءات العامة المماثلة، بنقل معظم معدات مشفى البوكمال الوطني إلى العراق، وعلى وجه الخصوص إلى مشفى القائم. حتى الأبواب والنوافذ ووحدات توليد الأكسجين وجهاز غسيل الكلية وحراقات التدفئة تم نقلها، وتعرض المشفى بعدها لقصف أدى لتدميره بشكل شبه كامل، ما جعل التنظيم ينقل عناصره العاملين فيه إلى العيادات الشاملة ليتابعوا عملهم فيها، وهي مركز طبي كان قد أُنشئ أيام سيطرة نظام الأسد ليكون عيادات خارجية يراجعها المرضى الذين لا يحتاجون إلى مشفى.

عيّنَ التنظيم الدكتور فؤاد مصلوخ من البوكمال أميراً للطبية يساعده الدكتور محمد البرغش لمدة 8 أشهر تقريباً، ثم تمت إقالتهم وتعيين شخص عراقي اسمه أبو مازن، ما جعلهم يتركون العمل الطبي ويجلسون في بيوتهم لاحقاً. كما قام التنظيم بإنشاء وتجهيز مشفىً في منطقة السوق في العام 2015 في أحد الأقبية، لكنه لم يستخدمها لأسباب مجهولة.

كان مشفى عائشة هو الأكثر استخداماً في عهد التنظيم في البوكمال، إذ أن العمليات الكبرى كانت تجرى فيها، وقد سيطر عليها التنظيم بشكل شبه كامل وخصصها لعناصره، فيما بقي جزء منها يقدم خدمات للمدنيين، لكن وفق قوانين التنظيم وشروطه.

كان مدير مشفى عائشة طبيباً من السودان اسمه أبو براء، كما كان مدير المشفى الوطني شخصاً من حلب، خريج معهد تقويم أسنان، اسمه أبو صهيب. كذلك تم افتتاح مركزٍ للمعاينات الخارجية فقط بإدارة أبي صهيب أيضاً، أما في مشفى القائم، وهي المدينة العراقية المحاذية للبوكمال، والتابعة مثلها لـ «ولاية الفرات»، فقد كان هناك طبيب عيون بريطاني، وآخر سوداني مختص جلدية وطبيب مصري وآخرون.

*****

القوانين التي أصدرها التنظيم، والإجراءات التي اتخذها، لم تكن لتجعل من العمل الطبي ناجحاً لأسباب عدة، أهمها أن أغلب الطواقم التي استلمت الإدارات الطبية لم تكن مؤهلة، ومعظمهم ممرضون وموظفو صحة، وذلك بسبب اعتماد التنظيم على الولاء المطلق له في اختيار الإداريين، بغض النظر عن الخبرة والتعليم.

ومن الأمثلة على هذا، فضلاً عمّا ذُكِرَ أعلاه، أبو عبد الله الليبي الذي تدرَّجَ من سائق سيارة إسعاف إلى مشرفٍ على الآليات في مشفى موحسن الميداني، إلى مديرٍ طبّيٍ في الميادين. وأبو جمال الساحلي، الذي تطورَ من مرافق مرضى إلى أمين مستودع، ومن ثم مدير إحدى الإدارات الطبية في «ولاية الخير»، وبعدها إلى أمير مدينة دير الزور أو المسؤول العام عنها. حتى أن التنظيم منح بعض الممرضين والعمّال الصحيين شهادات أطباء، وسَمَحَ لهم بمزاولة مهنة الطب، كما في حالة المدعو عبد الناصر أبو سلام الذي تحول من عامل صحي لا يحمل الشهادة الإعدادية، إلى طبيب عظمية، بالاعتماد على خبرته كممرض في عيادة أحد أطباء العظمية.

تراجع الواقع الصحي بشكل كبير لهذا السبب بالدرجة الأولى، وطبعاً يضاف إليه مغادرة معظم الأطباء من جهة، وتوقف المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة التنظيم من جهة أخرى، وكذلك التخبط في القرارات الطبية وتدخل الفتوى في العمل الطبي، وعدم نجاح حملات اللقاح، ما تسبب في عودة الأمراض السارية والمعدية، وضعف الخدمات الموازية مثل حملات النظافة وتعقيم المياه وغيرها، وهو ما جعل الوضع الصحي كارثياً، حتى وصل الأمر إلى حدّ أن قرى بأكملها في محافظة دير الزور، لم يكن فيها حتى طبيبٌ واحد.