عن استراتيجيات النظام إزاء ملف المعتقلين

لم تكن البلاغات الأخيرة عن تسلّم أهالي معتقلين وثائق تفيد باستشهاد أبنائهم وضعاً جديداً بالنسبة لاستراتيجيات الاعتقال والقتل التي يتبعها النظام السوري، إلا أن تزايد هذه الحالات حتى وصلت إلى أرقام مخيفة خلال الأشهر الماضية، وتحديداً منذ شباط 2018، يدفع للنظر بدقة في توسّع هذه الاستراتيجية بالتوازي مع الانتصارات العسكرية التي يحققها النظام وحلفاؤه على الأرض، في مقابل محاولاتهم المستمرة لتغيير الطابع القانوني والحقوقي لهذا الملف الخطير.

«إن نشر الآلاف من وثائق الوفاة يبدو وكأنه الفعل التأسيسي لمنظومة قمع ستكون أشرس من منظومة ما قبل الثورة، ولكن هذه المرة برعاية روسية»، بهذه العبارة يصف حبيب نصّار تصوّره لما يمكن أن تخفيه خطة النظام بالنسبة لملف المعتقلين والمختفين قسراً. ونصّار هو حقوقي لبناني، ينشط في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، يعمل الآن كمدير للسياسات والبحوث في منظمة Impunity Watch في هولندا، وله مساهمات عديدة في بحث الأوضاع الحقوقية والقانونية المتعلقة بمحاربة التهرب من العدالة وتطبيق العدالة الانتقالية في العالم، بالإضافة إلى متابعته الدائمة للملف الحقوقي في سوريا وتقديمه لاستشارات عديدة في هذا المجال.

أجرت الجمهورية الحوار التالي مع السيد نصّار، لمحاولة فهم الجوانب القانونية والحقوقية المترتبة على المجزرة المستمرة بحق المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا على يد أجهزة وقوات نظام الأسد وحلفائه.

*****

منذ شهر شباط الماضي، رصدت المراكز الحقوقية ووسائل الإعلام إرسال النظام السوري لأعداد متزايدة من أسماء معتقلين قام بتصفيتهم في معتقلاته، سواء كان بأحكام إعدام بعد محاكمات لم يحضرها أحد؛ أو لأسباب مرضية مثل «أزمة قلبية». ويتم إبلاغ الأهالي غالباً بطرق غير مباشرة، كإرسال وثيقة وفاة إلى النفوس أو استدعاء الأهل إلى مشافٍ عسكرية عبر مختار الحي. وعلى الرغم من أن هذه السياسة كانت متبعة سابقاً ومنذ العام الأول للثورة، فإن العدد الكبير والمتزايد من الأسماء التي يتم إرسالها مؤخراً لمعتقلين قضوا في سجون النظام، يشير إلى وجود إجراء واسع لإنهاء ملف المعتقلين. هل تعتقد أن هذا الإجراء قد يسمح للنظام وروسيا بإنهاء ملف المعتقلين أو حتى تقزيمه وتحويل الأعداد الضخمة للمعتقلين (المختفين قسرياً) إلى أعداد صغيرة، ومحاولة الالتفاف على الملف؟

بالطبع لن يؤدي هذا الإجراء البيروقراطي إلى إنهاء ملف المعتقلين والمختفين قسراً، لأن هذا الملف لا يُحلّ إلا ضمن معايير وشروط معينة يحددها بوضوح القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. حلّ الملف يقتضي أولاً الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، وتحديد مصير المختفين قسراً منهم. والجدير بالذكر هنا أن الاختفاء القسري قد طال عدداً هائلاً من المعتقلين في سوريا، بسبب انقطاع أخبارهم أو عدم معرفة عائلاتهم لأماكن اعتقالهم أو الجهاز المسؤول عن الاعتقال أو ظروف هذا الاعتقال. من الواضح أن وثائق الوفاة التي يصدرها النظام لا تُعدُّ تحديداً لمصير المختفين وفق مفهوم القانون الدولي، ولا حتى وفق مفهوم القانون السوري نفسه على حدّ ما أعلم. إصدار وثائق الوفاة أو تبديل قيود الأحوال الشخصية هي مجرد إجراءات إدارية تُؤخذ فقط إذا ثبتت وفاة الشخص المختفي، ولكن إثبات وفاة الشخص المختفي قسراً يتطلب تحديد مكان وجود رفاته، وإعلام عائلته بهذا المكان، ومن ثم إعادة الرُفات إليها.

لكن حلّ الموضوع لا يتوقف هنا، خصوصاً أن النطاق الواسع والممنهج لاستخدام الاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب من قبل النظام يجعل من هذه الجرائم جرائم ضد الإنسانية، ولهذا فإن حلَّ الملف وإنصاف الضحايا يمرّ عبر 1) تحقيق مستقل يحدد الظروف التي أدت إلى ارتكاب هذه الجرائم والجهات والاشخاص المسؤولين عنها والظروف التي رافقتها، 2) ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم، 3) جبر الأضرار التي لحقت بضحايا الاعتقال والاختفاء القسري وعائلاتهم، 4) اتخاذ الإجراءات القانونية والقيام بالإصلاحات اللازمة للأجهزة الأمنية والقضاء، بما يحول دون تكرار هذه الانتهاكات. هذه هي المعايير والشروط التي تسمح بحلّ ملف الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا، أما الإجراءات البيروقراطية التي اتخذها النظام حتى الآن، فلا يمكن وصفها قانوناً إلا كمجرد محاولة لإخفاء الجرائم التي ارتكبها وإخفاء معالمها، لا أكثر ولا أقلّ.

في الظروف الحالية، ومن دون انتقال ديموقراطي في سوريا، أرى أنه سيكون من المستحيل إجراء أي تقدم جدي على الصعيد الداخلي في معالجة ملف المعتقلين والمختفين قسراً. ويتطلب ذلك إنشاء آلية دولية محايدة خاصة بموضوع المعتقلين والاختفاء القسري في سوريا، تُناط بها مسؤولية معالجة هذه القضية.

كما فعل النظام بالنسبة للتهجير وقانون الملكية رقم 10، فإنه يحاول هنا أن يخلق أمراً واقعاً إدارياً أو قانونياً يحقق من خلاله مكاسب سياسية أو حتى مادية على أجساد الضحايا وممتلكاتهم. مع الصمت الدولي وغياب أي ضغوط دولية حقيقية على النظام أو الروس لحلّ ملف المعتقلين والمختفين قسراً، يبدو أنهما، بدلاً من اعتماد حلٍّ للملف، اختارا استراتيجيةً تسمح لهما بإرسال رسالة ترهيب واضحة قد تمهد للمرحلة القادمة وتكون عنوانا لها: للنظام وداعميه حق الحياة والموت على الشعب السوري، وعلى كل من يحاول أن ينتفض عليهما. إن نشر الآلاف من وثائق الوفاة يبدو وكأنه الفعل التأسيسي لمنظومة قمع ستكون أشرس من منظومة ما قبل الثورة، ولكن هذه المرة برعاية روسية، والدليل على ذلك هو أن عمليات الاعتقال لا تزال مستمرة بالوتيرة ذاتها، وتستهدف الآن المناطق التي استعاد النظام والروس السيطرة عليها كالغوطة الشرقية.

عندما يقوم أهالي المختفين قسرياً باستخراج شهادات وفاة لأبنائهم، فهل يعطون النظام بهذا التصرّف فرصة للتهرّب من المسؤولية القانونية عن الاختفاء أو استمرار الاختفاء القسري، خاصةً أن جميع المعتقلين الذين قضوا في سجون النظام وجرى تسليم أسمائهم مؤخراً، لم يجرِ تسليم رُفاتهم أو الإشارة إلى أماكن دفنهم حتى اللحظة؟

ليس لإصدار وثائق الوفاة من قبل السلطة، ولا لاستخراج شهادات وفاة من قبل الأهالي، أي تأثير على حق هؤلاء في معرفة مصير أبنائهم وبناتهم المختفين قسراً، أو أي من حقوقهم الأخرى كالحق في محاسبة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والإعدام خارج نطاق القانون، وكذلك حقهم في جبر الأضرار الجسدية والنفسية والمعنوية والمادية التي لحقت بهم، وحقهم في الحصول على ضمانات عدم تكرار هذه الجرائم.

يمكن أن يُضطر الأهالي لاستخراج شهادات وفاة لأبنائهم وبناتهم المختفين نتيجة لضغوط من قبل السلطة، في محاولة منها لقطع الطريق أمام الاهالي في المطالبة بحقوقهم، ولكن من منظور القانون الدولي، لا تأثير لشهادات الوفاة هذه على واجب الدولة في أن تحدد مصير المختفين قسراً، خصوصاً أن هذه الشهادات صادرة عن سلطة هي المسؤولة عن الاختفاء القسري للمعتقلين في سجونها. كما سبق وذكرت، لا تثبت وفاة المختفي قسراً إلا من خلال تحديد مكان وجود رفاته وتسليمها لأهله. هناك حالات لا يمكن فيها تسليم الرُفات نتيجة تدمير الجثة، كما حصل للمناضل المغربي المهدي بن بركة الذي خُطف في باريس سنة 1965، وتم تذويب جسده في مادة حمض الكلوريدريك بحسب الرواية الشائعة. ولكن هذا النوع من الحالات أصبح نادراً واستثنائياً، لأن تطور العلم يسمح اليوم في أكثرية الحالات بإجراء فحوص على بقايا بشرية حتى لو كانت مشوهة أو محروقة مثلاً. في حال زوال الرُفات وانعدام إمكانية تسليمها، يمكن إثبات الوفاة عن طريق إجراء تحقيق جدي وتقديم أدلة أخرى. ولكن كما قلت، هذه حالة استثنائية.

الجدير بالذكر هنا أن بعض العائلات، ولأسباب معيشية، تُضطر أحياناً إلى استخراج شهادة وفاة للمختفي لكي تتمكن مثلاً من قبض رواتبه أو تعويضاته والتصرّف في ممتلكاته وحمايتها. الأحكام القانونية الحالية والمتعلقة بما يسمى المفقود أو الغائب، غير ملائمة لمعالجة الوضع بسبب المهل الطويلة التي تنص عليها هذه الأحكام قبل إعلان الوفاة أو السماح للعائلة بالتصرف بأموال وممتلكات المختفي، وأيضاً بسبب الأعداد الهائلة من الحالات، إذ تشير بعض التقديرات إلى سبعين ألف حالة اختفاء قسري. لو كنا في وضع طبيعي، لكان على الدولة أن تصدر قانوناً ينظم هذه الأمور الإدارية بشكل مؤقت يسهّل شؤون العائلات في الفترة التي تسبق تحديد مصير المختفي بشكل نهائي.

يظلّ المختفي قسرياً في مثل الحالة السابقة ضمن تعريف الاختفاء القسري حسب المواثيق الدولية بعد تسليم أوراق وفاته للنفوس من قبل النظام؟ دون الكشف عن مصيره بشكل واضح؟

نعم، إن إعلانات ووثائق الوفاة الصادرة عن النظام لن تُعدّل شيئاً في الوصف القانوني لحالات الاختفاء القسري التي تتعلق بها، ويستمر تطبيق أحكام القانون الدولي المتعلقة بالاختفاء القسري عليها. أولاً، لأن هذه الإعلانات والوثائق مشوبة بريبة قوية كونها صادرة عن الجهة المسؤولة عن الاختفاء. وثانياً، وأكرر هنا، لا تثبت وفاة المختفي قسراً إلا بعد تحديد مكان تواجد رُفاته وتسليمها لأهله.

مهم جداً هنا أن تتابع الجهات الدولية المعنية وجمعيات المجتمع المدني تعاملها مع الأمر كحالات اختفاء قسري، وعدم التسليم بمزاعم النظام إلا في الحالات الفردية التي تقتنع فيها عائلة المختفي بالوفاة، وتختار عدم مقاربة الموضوع كحالة اختفاء.

هل من الممكن أن تكون طرق تسليم أسماء المعتقلين الشهداء لدى النظام أدلة قانونية تُستخدم ضد النظام باعتباره المسؤول عن اختفائهم وقتلهم؟

تماماً، إذا جمعنا وسائل إعلان وفاة المعتقلين المعتمدة من قبل النظام مع أدلة أخرى تتعلق بتوقيف المعتقل من قبل أجهزته الأمنية، سيكون عندنا قرينة قوية أن هذه الأجهزة هي المسؤولة عن الاختفاء وكذلك القتل في حال ثبوت الوفاة. وبالتالي يمكن بالتأكيد استخدام هذه الوثائق وظروف التصريح عن الوفاة كدلائل في التحقيقات بالجرائم المرتكبة من قبل النظام، وفي دعاوى قضائية تُقدم ضد مسؤولين فيه. وأتمنى هنا أن تتحرك الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا، وتجمع ما يمكن جمعه من أدلة لبناء ملف قضائي حول الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سجون النظام، من إخفاء قسري وتعذيب واغتصاب واعتداءات الجنسية، والقتل خارج نطاق القانون.

من خلال تجربتك، كيف سيكون تأثير استمرار مسار سياسي يرعاه حلفاء النظام بشكل أساسي كالمسار الذي يجري في سوتشي على ملف المعتقلين؟ وهل بإمكان اتفاقات تُوقَّعُ في هذا المسار التأثير على الوضع القانوني لملف المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا؟

أعتقدُ أن استراتيجية النظام وحلفائه قد تهدف إلى إخراج ملف المعتقلين، وأية ملفات أخرى تتعلق بالجرائم التي ارتكبوها، من إطار أي عملية تفاوضية أو مسار سياسي. عادة، تستغل الجهات المرتكبة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مفاوضات السلام لتمرير اتفاقات لمنح عفو عام عن تلك الانتهاكات. ولكن مع موازين القوى الحالية، وبانعدام أي ضغوط دولية تُذكر، يبدو أن النظام وحلفاءه لا يرون حتى ضرورة للاتفاق على إصدار قانون عفو، وربما يعتقدون أن القوانين السورية الحالية التي تمنح حصانات للأجهزة الأمنية كافية لحمايتهم من الملاحقات القضائية. يبقى على الجهات المفاوضة التي تمثل قوى المعارضة أن تتمسك بملف المعتقلين والملفات الأخرى المتعلقة بمعالجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. يبقى على عاتقها أن تضع ملف المعتقلين والمختفين قسراً على رأس أولوياتها، وأن تطلب أن تتضمن أي اتفاقات قد تُوقَّعُ ضمن هذه المسارات آليات لمعالجته بحسب المعايير الدولية التي ذكرتها آنفاً. إذا أُخرج هذا الملف من طاولة المفاوضة، فماذا يبقى إذن للتفاوض عليه؟

ما هي نصيحتك القانونية لعائلات المعتقلين الذين حصلت على أنباء من مؤسسات تتبع النظام تفيد باستشهاد أبنائها؟ ما هو التصرف الأنسب للحفاظ على حقها في كشف مصير أبنائها بشكل واضح، والحفاظ على حقوقها المعنوية والقانونية؟

من الصعب جداً إعطاء نصائح عامة تتناسب مع كل الحالات الفردية. كل عائلة تواجه ظروفها الخاصة، وتقوم بخيارتها على هذا الأساس، فلستُ إطلاقاً في موقع يسمح لي بتقديم نصائح لأهالي المعتقلين. سأكرّرُ فقط أن القانون الدولي يعترف بحقوق معينة لعائلات المعتقلين والمختفين قسراً، وهي حق معرفة مصير المعتقل أو المختفي قسراً، وظروف الاعتقال أو الاختفاء، والجهة المسؤولة عنه، والحق في استعادة رُفات من قُتل أو توفي، وهذا الحق ليس مرتبطاً فقط بحق معرفة المصير، ولكنه أيضاً مرتبط بحق أي إنسان في دفن موتاه بكرامة، والحق في محاسبة المسؤولين عن الاعتقال أو الاختفاء القسري، والحق في جبر الأضرار النفسية والجسدية والمعنوية والمادية التي لحقت بهم، عن طريق رد الاعتبار للمعتقل أو المختفي، وإعادة التأهيل والتعويض وضمانات عدم التكرار. إذا اضطرت عائلة شخص مختفٍ لاستخراج شهادة وفاة له نتيجة ضغوط معينة، فلا يعني ذلك أنها تنازلت عن حقها في معرفة المصير. أصلاً، لا يمكن التنازل عن هذا الحق.

مهم جداً أن يحتفظ أفراد العائلات قدر الممكن بكل المعلومات أو الأدلة التي في حوزتهم، حول ظروف توقيف المختفي ومكان اعتقاله والجهة المسؤولة، وعن أمور أخرى بسيطة كالملابس أو النظارات التي كان يرتديها يوم تمَّ اعتقاله، أو عن أي علامة فارقة في جسده... إلخ. أي معلومة أو تفصيل صغير يمكن أن يكون مهماً في تحقيقات قد تحصل مستقبلاً. يمكن للأهالي إذا رغبوا في ذلك أن يتواصلوا مع المنظمات السورية التي تعمل في مجال توثيق حالات الاعتقال أو الاختفاء القسري، أو حتى مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومشاركة هذه المعلومات معها. كما يمكنهم تقديم الشكاوى لفريق العمل الأممي المعني بالاختفاء القسري. ليس لدى هذه المنظمات إمكانيات كبيرة لدعم العائلات، ولكن يمكن لها من خلال التوثيق التي تجريه لحالات الاختفاء أن تدعم أي تحقيقات دولية في الموضوع، أو دعاوى قضائية تُقدَّم أمام المحاكم الأوروبية.

من المفيد من جهة أخرى أن يتواصل الأهالي مع بعضهم بعضاً إذا سمحت الظروف بذلك. اكتشفتُ من خلال تجربتي أن علاقات التضامن التي تتطور بين الأهالي، تعطيهم القوة اللازمة التي يتطلبها المسار الطويل نحو الحقيقة والعدالة.

من خلال خبرتك، هل تُشابه استراتيجية النظام أياً من استراتيجيات سابقة لأنظمة ديكتاتورية عملت على إنهاء ملف المختفين قسرياً والمعتقلين؟

تقوم الأنظمة الدكتاتورية التي تمارس الإخفاء القسري بإنكار منتظم لعلاقتها أو معرفتها بحالات الاختفاء. تلك كانت مثلاً الحالة في الأرجنتين في أيام النظام العسكري، حيث أنكرت السلطات أن هنالك حالات اختفاء قسري، في حين وصل عددها إلى ثلاثين ألفاً، ونعتت أمهات المختفين اللواتي كُنَّ يتظاهرن في ساحة «مايو» أمام القصر الجمهوري في بوينس آيرس بمجنونات ساحة مايو. أما النظام السوري، فيبدو أنه يتباهى بجرائمه.

ربما تكون الحالة الاقرب لاستراتيجية النظام، هي الإعدامات الجماعية التي حصلت في السجون الإيرانية سنة 1988، والتي راح ضحيتها ما بين 4500 و30000 سجين سياسي. شكّلت هذه الجريمة الفعل التأسيسي لمنظومة الترهيب والقمع التي يستند إليها اليوم النظام الإيراني. بالطريقة نفسها، يُشكّل نشر أسماء آلاف القتلى من قبل النظام السوري عنوان المرحلة القادمة.