عن الثقافة المستقلة وأسئلة الشتات

 

مرّ قبل يومين اليوم العالمي للمسرح، وقد كان مناسبة للاحتفال والتجمع والتواصل الحي مع مُحبّي وصانعي المسرح. لكن قبل أن يغيّر الوباء واقع وشكل الاحتفال بالمسرح، كان الجمهور السوري قد اختبر خلال العشر سنوات الماضية ارتجاجات عنيفة غيّرت وجه الفنون السورية بشكل عميق. طرأت تغييرات على صُلب العمل الثقافي مع بدايات الثورة، وأُعيدت صياغة العديد من التعريفات التي تمس جوهر الفنون بكافة أنواعها، كما وُضع العاملون في المجال الفني والثقافي في مواجهة مع أسئلة معقدة عن طبيعة العمل الثقافي.

عشر سنوات مدة طويلة فعلاً، وليس من السهل تلخيص مجمل ملامحها ودلالاتها. لكن في الوقت نفسه، تمنحنا الذكرى العاشرة للثورة فرصة لمراجعة العمل الثقافي والكيفية التي تمت بها الاستجابة للحدث الاجتماعي وللحدث السياسي، سواءً من ناحية مضامين وموضوعات الأعمال الفنية السورية، أو من ناحية شكل الإدارة والتخطيط ضمن المؤسسات الثقافية المستقلة. مرت هذه السنوات العشرة بثقل بالغ، وانطوت على تحديات قاسية، وقد كانت الاستجابة لهذه التحديات والاستمرار بالعمل الثقافي جزءاً من مقاومة الوضع الراهن، وعلامة من علامات الإصرار على التغيير والسعي نحو مستقبل أكثر تحرراً وانفتاحاً على الحاجات الإنسانية والاجتماعية.

عند بدء التفكير في التحولات التي حدثت في المشهد الثقافي السوري، أدركنا أن تغطية كافة التحولات في ديناميات العمل الثقافي، للوصول إلى نظرة بانورامية واسعة تشمل كامل المشهد الثقافي السوري في سوريا والشتات، مهمة تستحق أوراقاً طويلة. لذلك استضفنا آراء عاملين وعاملات في مجال العمل الثقافي وعلى قرب من الحدث السوري، وهم بسمة الحسيني، الفاعلة الثقافية التي ساهمت بتأسيس العدد من المؤسسات الثقافية، آخرها مؤسسة العمل للأمل في لبنان، ورانيا المليحي، الدراماتورج والمديرة الفنية التي ساهمت بإدارة عدد من المشاريع الفنية مع فرق مسرحية سورية في ألمانيا، وعبد الله الكفري، المؤسس والمدير الثقافي لمؤسسة اتجاهات-ثقافة مستقلة في لبنان. سمحت لنا المقابلات والنقاشات مع ضيوفنا بعصف ذهني يرصد أبرز تحولات شكل العمل الثقافي وأشكال التعبيرات الفنية عنه ونقاش معانيها الاجتماعية والسياسية الأعمق. 

تقاطعات العمل الثقافي مع المدني

بدأت محاولات التأسيس للعمل الثقافي المستقل في سوريا قبل سنوات قليلة من بداية الثورة السورية 2009 و2010، مع بروز الحاجة للانفتاح على مساحات جديدة، واكتشاف آليات إنتاج مستقلة عن مؤسسات الدولة القائمة مثل وزارة الثقافة أو المسرح القومي. مع بداية الثورة السورية ومع ازدياد عنف وقمع الدولة، ازدادت هذه الحاجة لخلق مساحات آمنة تضمن حريات التعبير وممارسة الفنون. وقد أجبر ذلك العديد من المجموعات الناشطة ثقافياً وفنياً على متابعة العمل الثقافي في ظروف وشروط إنتاج إستثنائية. ففي أغلب المؤسسات الثقافية السورية المستقلة، كانت الاستجابة للكارثة الإنسانية والاقتصادية والسياسية نقطة زمنية تأسيسية في العمل والهيكلة، ومن ناحية أخرى مثلت هذه الاستجابة تأكيداً وتذكيراً بمركزية العمل الثقافي المستقل في المجتمعات المدنية.

يشير عبد الله الكفري إلى أن استجابة المؤسسات الثقافية السورية للحدث السوري خلال العشر سنوات الماضية دليل على أن هذه المؤسسات والتجمعات الثقافية افترضت دوراً مُلقىً على عاتقها وباشرت العمل به: «كان هذا الموضوع محسوماً». الثقافة أخذت تبتعد عن النموذج السائد، بمعنى أن تتولى الدولة التخطيط للثقافة وتقديمها، فأتت المؤسسات الثقافية لتقول: نحن موجودون في قلب المجتمع المدني. هذا الواقع يوجب أن تكون الثقافة جزءاً من أي شيء يخص مستقبل سوريا والاشتباك السياسي فيها، ونتحدث هنا عن الاشتباك على أكثر من مستوى، الاشتباك بالسياسة على المستوى المباشر، المرتبط بمن يحكم وكيف يحكم، ولكن الأهم وما حصل لاحقاً هو الاشتباك مع السياسة بالمعنى العميق، أي كيف نتخيل شكل مستقبل البلاد، وكيف نتمنى له أن يكون».

ارتباط العمل الثقافي بالمجتمع المدني «هو الوضع الطبيعي»، كما تشرح بسمة الحسيني، «فالمكان الأساسي للعمل الثقافي يجب أن يكون خارج الإطار الحكومي. العمل الثقافي يحتاج دائماً إلى مساحة أكبر من الحرية، والإنتاج الحكومي يحدّ من حريته حتى في أكثر الدول ديمقراطيةً. بالطبع يوجد للدولة دور، لكن ليس تقديم العمل وإنتاجه، بل ربما تأمين بنى تحتية ملائمة تسمح بإنجاز الأعمال الفنية والثقافية. هذا بشكل عام، أما في الحالة السورية، فبعد خروج السوريين إلى دول اللجوء والمنافي، والانفكاك من السيطرة الخانقة للدولة، انطلق العمل الثقافي والفني في مناخ من الحرية، وهذه نتيجة طبيعية ضمن هذا السياق. ما أراه ضرورياً وإشكالياً في اللحظة الراهنة هو وصول ذلك إلى المجتمعات السورية أينما كانت، سواء داخل سوريا أو خارجها».

لدى إعادة التفكير بشكل ودرجة استجابة المؤسسات الثقافية للحدث السوري الراهن، يؤكد الكفري أن تحديد شكل الاستجابة وضرورتها قرار استراتيجي ويستحق النقاش في سياق العمل المؤسساتي. «هناك الكثير من المؤسسات التي استغرقت بعض الوقت قبل أن تحدد إذا كان عملها استجابة للحظة حالية، أم استجابة للحظة آتية أو للمستقبل. هذا تمرين صعب، ببساطة لأننا نرى أن الاحتياج مهول في اللحظة الحالية، ولكن بنفس الوقت نعلم أن من الصعب تلبيته. ولذلك هناك مؤسسات وتجمعات استُنزفت تماماً، وهناك مؤسسات أخرى اختارت أن تعمل على المدى المتوسط، على مدى ثلاث أو خمس أو سبع سنوات، وبالتالي وافقتْ أن تدخل في مشاريع حتى لو أدخلتها في معارك أو صراعات تتعلق بالحاجة اللحظية أو ما يعتبره آخرون أولويات. هذا الموضوع يستحق التوقف عنده، لأنه يجعلنا نتفهّم توقّف بعض التجمعات عن العمل. التمويل بالطبع جزء من الأسباب، لكن برأيي هذه المؤسسات عملت كثيراً وبشكل جيد، وهي كانت غالباً تتوخى الهم العام. هل كان بوسعها أن تنجز ما هو أكثر؟ أكيد، وهي قناعة أُلزم بها مؤسسة اتجاهات على الأقل. كنا نستطيع أن نفعل أكثر، ولكن لنتذكر أن أغلب المؤسسات الثقافية اكتشفت كلمة «المهجر» في السياق السوري لأول مرة في حياتها».

ممارسة فنية ديمقراطية

حاولت مؤسسات العمل الثقافي في دول اللجوء إيجاد أشكال من الممارسة الفنية أكثر ديمقراطيةً مما كان سائداً، لتستوعب شرائح أوسع من المجتمعات من خلال عدة قنوات، مثل اكتشاف مواهب جديدة أو خلق طرق بديلة لنقل المعارف وتدريس الفنون في البيئات المهمشة. في مؤسسة العمل للأمل، كما تشرح بسمة الحسيني، «نقسم آلية عملنا الثقافي ضمن المؤسسة إلى ثلاث مراحل، أولاً التدخلات الفنية، ومن ثم التنمية الثقافية، وثالثاً إنتاج الأعمال الفنية. بدأت العمل للأمل التركيز على تأسيس مدارس لتعليم الفنون الموسيقية والسينمائية، والتوجه نحو صناعة فنانين وفنانات جدد، وذلك انطلاقاً من الحاجة لفتح نافذة - ولو صغيرة - أمام فئات متنوعة من الناس للوصول إلى مدارس الفنون».

تضيف الحسيني أن نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين في مخيم البقاع لم يكن بإمكانهم الوصول إلى مدارس تعليم الموسيقا في سوريا. بالطبع هم يعرفون ويحبون الموسيقا، لكن فكرة تعلمها لم تكن متاحة، وذلك لسبب واضح هو قلة عدد المدارس، وتركزها في المدن، واقتصار طلابها على فئة محدودة جداً من الأكثر حظاً. «وجود مكان بديل لتعلم الفنون، خارج إطار المؤسسات الأكاديمية أو المعاهد الفنية، يسمح بتصميم شكل جديد من مناهج التعليم، ففي مدارس مؤسسة العمل للأمل، المنهاج التعليمي «يجب أن يكثف وأن يحذف»، وأن يبتعد عن الإضافة أو التطويل. ففي المجتمعات الفقيرة، غالبية الطلاب يحاولون إنهاء فترة الدراسة بأسرع ما يمكن للخروج إلى سوق العمل، وقد يضطر الطالب أو الطالبة للعمل حتى ضمن فترة الدراسة. بالتالي، لا بد من منهاج يحترم حاجة الطلاب لإنهاء الدراسة وبدء البحث عن مصدر الدخل. على سبيل المثال، في برنامج تعليم السينما في المؤسسة، تخلينا عن الكثير من التعليم النظري وركزنا على مهارات مثل التصوير والمونتاج، بحيث يكتسب الطلاب مهارات عملية تمكّنهم بعد عشرة أشهر من العمل في تصوير تقرير إخباري مثلاً، أو حتى تصوير أعراس».

المدارس الفنية البديلة التي تقدمها مؤسسة العمل للأمل هي واحدة من أشكال خلق ممارسات فنية تشمل المجتمعات الفقيرة والنازحة والمهمشة. لكن من جهة أخرى، يلاحظ العاملون في المجال الثقافي أن السنوات العشر الأخيرة، بعد الثورة والنزوح واللجوء، شهدت محاولات من فنانين وفنانات لاستكشاف المجتمعات السورية المحيطة، والتي كانت مغيَّبة لسنوات طويلة عن المشهد الثقافي قبل 2011. بدأت محاولات الاستكشاف والتواصل إما من خلال العمل مع اللاجئين، أو تقديم ورشات تدريبية وفنية في المخيمات والمناطق المتضررة من الحرب. يذكر الكفري «أن تفكيك مفهوم الدولة بعد عام 2011 ارتبط بعلاقتنا من مجتمعات لم يُتَح لنا التعرف بشكل كافٍ عليها من قبل، كنا فقط نظن أننا نعرفها. أذكر قبل عشر سنوات بالضبط، في شهر آذار، كيف كان التلفزيون السوري يستضيف فنانين يتحدثون عن حماية البيئة، وكأن دمشق أنجزت كل شيء وبتنا بحاجة لحملات فنية عن النظافة. في تلك الأثناء، وعلى بعد 2 كيلومتر من العاصمة، كانت هناك صور مرعبة تصل إلينا. كانت المعرفة بشكل المدن والمجتمعات خارج دمشق محدودة. لكن بعد 2011 انخلط المجتمع وتُرك لمواجهة مصير مشترك، إما داخل سوريا أو خارج سوريا، وضمن شروط نعرفها جميعاً وليست صالحة للعمل على الإطلاق».

يضيف الكفري أنه لم تكن لدى المؤسسات الثقافية، أو العاملين في المجالات الفنية والإبداعية، خبرة حقيقية - توازي الخبرة في لبنان مثلاً - في التعامل مع صدمات ما بعد الحرب، أو صدمات اللجوء أو العنف الأهلي. «لقد ورثنا كل المشاكل الموجودة في بلداننا بعد الثورة: مركزية الثقافة، التعامل التحنيطي مع الفنون، افتراض أن كل شيء مكانه في المركز، وكذلك افتراض أن كل شيء يجب أن ينفذه محترفون. احتجنا لبعض الوقت الوقت لاستدراك هذه التغييرات، في لحظة ازدادت فيها الحاجة بشكل غير مسبوق. جزء من الفنانين قرروا أن يستكشفوا وأن يبحثوا عن سبل المساعدة بالاعتماد على الفن الذي يستطيعون تقديمه أو يعرفونه. هل نجح هذا الشيء؟ بعضه نجح وبعضه لا. راودتْنا أسئلة من قبيل: هل المهم السيرورة أم عملية «المونتاج»؟ علام أركز عندما أعمل مع غير المحترفين؟ هذه أسئلة ما تزال مشروعة وضرورية».

تقديم الحكاية الشخصية 

التغييرات العنيفة التي اختبرها السوريون بعد عام 2011 انعكست بشكل أوضح على مضامين الأعمال الفنية. فقد انشغلت هذه الأعمال بمجموعة من المواضيع مثل توثيق الحدث السوري سينمائياً، فخرجت مجموعة من الأفلام السينمائية التي وثقت الحرب ووثقت رحلة اللجوء ووثقت لحظات الموت؛ بالإضافة إلى سرد التجربة والحكاية الشخصية  أمام جمهور متنوع، وهو أمر ملحوظ في الأعمال المسرحية السورية المقدمة على المسارح الألمانية، والتي تحتل فيها القصة الشخصية للمؤدي أو الفنان مكانة مركزية.

في حديث عن بدايات مشاركة السوريين في الأعمال المسرحية في ألمانيا، تروي رانيا المليحي تجربتها عام 2015 في مسرح كامر شبيله في ميونخ، وتأسيسها فرقة «الحدود المفتوحة»، وعملها بعد ذلك مع اللاجئين السوريين. «صانعو وصانعات المسرح في ألمانيا هم الآن في مرحلة التعرف. هم بحاجة لمقدمة، وربما أخذت هذه المقدمة وقتاً أطول من المتوقع. لكن لهذا أسباب عديدة، منها حالة عدم الاستقرار على مختلف الصعد التي يعاني منها الفنانون والفنانات في ألمانيا، لكن السبب الأهم أن الحكاية السورية ما تزال مستمرة، وهناك عدد من الفنانين والفنانات الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية نقل الصورة والحكاية والتضحية من خلال «أنا» الفنان، وذلك لتوثيق قصص متعددة تواجه السردية الواحدة المجتزأة وغير الواقعية. وربما يمكن أن يساهم توثيق القصص الشخصية في أخذ أصحابها خطوة نحو العدالة».

تتذكر المليحي انحسار السرد والمونولوجات الطويلة في السنوات السابقة على الثورة في سوريا، فيما تلاحظ العكس في العروض السورية الأخيرة. «قد يكون البوح بالقصة الشخصية في المرات الأول تجربة صعبة، لكنه يصبح أسهل بعد حين. في هذا النوع من الأعمال، علينا أن نسأل أولاً من هو الشخص الذي يحتل موقع المسؤولية، وهل هو من خارج الحكاية السورية، وهل المسؤول عن العمل والمؤدي يتشاركان معرفة هذه الحكاية. بالطبع يمكن للمسؤول (دراماتورج أو مخرج) أن يقدم حلولاً، أو أن يقترح مثلاً تقديم الشخصية الذاتية من خلال شخصية متخيلة. لكن في النهاية ثمة حاجة ملحّة للسرد الذاتي والبوح».

ينطوي تقديم الحكاية الشخصية للمؤدي على المسرح على عدد من الإشكاليات، أهمها أن القصة الشخصية تصبح، بمجرد مشاركتها مع الجمهور، ملكاً لهذا الجمهور، ليس بالإمكان استعادتها. ناهيك عن إشكاليات أخرى تتعلق بجدوى البوح فعلاً في رحلة التعافي من الصدمات التي تعرض لها السوريون. من وجهة نظر المؤسسات، يشير عبد الله الكفري، «هناك إشكاليتان ظهرتا في العشر سنوات الماضية. أولاً هناك سؤال يتعلق بكيفية حماية الحكاية الشخصية، وكيفية الانتباه للحدود التي لا يجوز المساس بها. لقد انتشرت موضة اعتبار كل ما هو شخصي أقوى وأفضل، وبعد قليل بدأ هذا الأسلوب يتضمن بعض الفجاجة والمباشرة، أو بات من المعتاد أن ينزل أحدهم إلى ورشة ويصوِّر الناس. كان من سياساتنا كمؤسسة ثَني الناس عن العمل على الحكاية المباشرة والشخصية، فقد اعتبرنا ذلك إشكالياً ويحتاج إلى حساسيات وعمل مختص في مجال علم النفس ربما لا نمتلكه. أما الإشكالية الثانية فهي الغرق في الحكاية السورية، وهذا ما تحاول مؤسسة اتجاهات أيضاً الابتعاد عنه. ففيما يخص سؤال السنوات العشر المقبلة، نحن في اتجاهات نشتغل على ما نسميه «ما وراء سوريا»، أي الخلاصات والتجارب التي يمكن أخذها من التجربة السورية ومشاركتها مع سياقات أخرى».

التمويل والموضوعات الفنية

من المسائل الشائكة التي يضطر العاملون في المجال الثقافي والفني التفكير دائماً بها ارتباط موضوعات الأعمال الفنية بأجندات الجهات الممولة، خاصةً وأن تبدّل هذه الموضوعات غير مرتبط دوماً بأمزجة الجمهور وتفضيلاته واهتماماته. فالحصول على الفرص الفنية يبقى رهن الاهتمام الدولي والسياسي بالقضايا التي يتطرق إليها الفنان، وهو ما يهدد بحرف الاهتمام عن بعض القضايا وحرمانها من المعالجة الفنية.

تعمل رانيا المليحي في وزارة الثقافة بولاية نيدرساكسن في تحكيم العروض المسرحية التي تموّلها الدولة الألمانية، وفي الوقت ذاته تعمل مع عدد من المسارح والفرق المسرحية والفنانين السوريين. وهي تؤكد، بحكم تواجدها في المكانين، الأثر الكبير للموضوعات العريضة المختارة «من أعلى» على حرية الفنان. «على سبيل المثال، الموضوعة العريضة المحددة لهذا العام هي وباء كورونا، والسنة الماضية كانت الذكاء الصناعي. كذلك عند وصول اللاجئين السوريين إلى ألمانيا في 2015-2017، حددت وزارة الثقافة هدف انخراط الفنانين السوريين بالمشهد المسرحي الألماني، وعليه توجه الاهتمام لموضوعات اللجوء. هذه التوجهات عامة، لكن لا يجري فرض موضوعات بتحديد ودقة، ويُترك للفنان/ة حرية التناول، وهو ما سيعتمد على طريقة تحديد الأسئلة التي ستتم معالجتها. لكن في المقابل، كما لمست من تجارب شخصية، يوجد فعلاً جهات ومسارح تطلب بشكل مباشر تضمين مفردات محددة في الإعلان عن العروض - مثل مفردتَي اللاجئ أو اللاجئة - للتأكيد أن العرض سيتضمن بالضرورة ثيمة اللجوء».

مواضيع اهتمام جديدة

بحسب تجربة اتجاهات، هناك جملة من المواضيع التي ارتفع الاهتمام البحثي بها خلال السنوات العشر الأخيرة، على رأسها كما يشير الكفري فهم التاريخ ابتداءً من نقطة 2011. كان الباحثون والباحثات يذهبون غالباً إلى أن رؤية «ما بعد 2011» غير كافية، وأنه يتوجب العودة إلى ما قبل هذه اللحظة. «لفت نظرنا أيضاً الاهتمام المتزايد بسؤال العمارة وفهمها، بما يشمل مواضيع مثل المخيمات كفضاء جديد والعلاقات الاجتماعية الناشئة عنه. تفسيري لذلك أن العمارة في سوريا هي بمثابة الابن الضال، فلا هي محسوبة من الفنون ولا من الهندسة، لذلك عندما لمس المهتمون بالعمارة أننا نصنّفها بين الفنون، تشجعوا على تقديم أبحاث ذات صلة. كذلك لفت نظرنا الاهتمام بتحليل العلاقة بين الفنون والحاضنات الاجتماعية، بما يشمل مواضيع مثل حماية التراث والصناعات الإبداعية، بالإضافة لسؤال المؤسسة الرسمية وعلاقتها السلطوية مع المجتمع المحلي - مثل مشروع «مسار» التابع للأمانة العامة للتنمية برئاسة أسماء الأسد، وهو تصميم مستوحى من الوردة الدمشقية ويمثل نوعية المشاريع التي تصادر موضوعها».

استقطبت العدالة الانتقالية أيضاً اهتماماً متزايداً من قبل المنتجين الثقافيين السوريين، بحسب الحسيني، والتي لاحظت حضورها في الأعمال المسرحية والسينمائية على الأقل. شاهدت عرضَين في الفترة الأخيرة عن مسرحية «الموت والعذراء»، ويبدو هذا الموضوع حاضراً بشكل أكثف بعد عدة سنوات على الثورة.

النظر إلى الخلف بهدوء، والتفكير بما حدث في السنوات العشرة الأخيرة، مهمة شاقة تحتاج كثير من الشجاعة والتوازن والصلابة، فأغلبنا ما يزال يكتشف الجروح والتصدعات العميقة النفسية والعاطفية والهوياتية التي سبّبها تفكك المجتمعات، والتهجير القسري، واللجوء إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا. ولا شك أن حالة الانقسام بين أهالي الداخل والخارج، والتي فرضها الواقع السياسي الراهن في سوريا، واختلاف السياسات والقوانين بين الدول التي لجأ إليها السوريون، هي التحدي المستقبلي الأعظم الذي يواجه كل من يعمل في المجال الثقافي والإبداعي، سواءً على مستوى الإدارة، أو على مستوى المضامين والأشكال الفنية، أو على مستوى تمويل المبادرات والمشاريع. هذا التحدي المستقبلي سيفرض نفسه على الأفراد العاملين في مجال الثقافة، وستكون المهمة الصعبة القادمة هي البحث عن إمكانات الوصول إلى داخل سوريا، وفتح معابر وقنوات تبادل بين جميع السوريين حيثما كانوا.