عن الجذرية وما بعد الثورة

 

لم يدّعِ المنتخب السوري لكرة القدم أنه يمثّل «كل السوريين» في أيّ وقتٍ من الأوقات، بل -على العكس من ذلك- رفع في مشاركته الخارجية الأخيرة شعار «فريق واحد، أمة واحدة، سوريا واحدة» تمثيلاً لكونه أداة تعبير عن سوريا التي عمقها بشار الأسد، الرأس الواحد، الذي يتلقى التحيات والولاء والزيارات من لاعبي المنتخب، الذين يحرصون أيضاً على اللعب مع ابن الرئيس وابن أخته المراهقَين. لقد كان بإمكان النظام أن يلعب ضرباً مشوّهاً من المانديلية المقلوبة ويستخدم المنتخب لإشاعة خطاب «سلام» ما بين سوريين «متخاصمين»، يُساهم في غسل صورته الخارجية. لكنه لم يفعل، وليس بوارد أن يفعل، ولا يحتاج أن يفعل. هذا منتخب «سوريا» واحدة، «متجانسة»، حسب تعبير رأس النظام. إنه منتخب سوريا الأسد!

أمام ذلك، كان من الطبيعي أن تظهر حملات المقاطعة ودعوات تشجيع خصوم المنتخب في لقاءاته الدولية، تبلورت في حملة «منتخب البراميل» على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن الضروري أن تستمر كل النشاطات المناهِضة لتكريس «سوريا واحدة»، أسديّة حكماً، بغض النظر عن ظهور هذه الأسديّة بفجاجة أحياناً، أو مواربةً أحياناً أخرى لأسباب مصلحية (مثل الأمانة السورية للتنمية وضواحيها من منظمات المجتمع المدني التابعة للنظام ورموزه ورجال أعماله، والمتنكّرة سعياً لالتقاط التمويل الدولي).

لكن، يمكن أخذ هذه الحملة كنموذج للتفكير في فائدة آليات التوبيخ -القائمة على تقسيم العالم بين جذريين ثوريين أنقياء (وغاضبين حكماً) من جهة، ومهادنين مستترين أو صريحين للتشبيح من جهة أخرى، أو ناكرين للدم، أو أي تسمية من هذا النوع- التي ظهرت بكثرة في نقاشات موضوع المنتخب، وكثيراً ما تظهر أمام أي استحقاق خِلافي في الشأن السوري. إذ لا تقدّم الأنواع السائدة من تعبيرات الجذرية الثورية اهتماماً بتدرّج الحساسيات والاستعدادات في الطيف الاجتماعي السوري في الداخل واللجوء، والمتباين ولاءً وتسييساً وقدرةً على القطيعة النفسية والفعلية، وكثيراً ما تفرض خياراً ثنائياً في التموضع السياسي، بإمكانك وفقه أن تكون «ثورياً» أو أن تكون مع النظام، مهادناً أو متواطئاً أو «شبيحاً». والواقع أن قصور هذا التقسيم المفروض على الطيف لم يعد مفيداً لبناء آليات عمل سوري عام -على فرض أنه كان مفيداً في يوم من الأيام-، وباتت إعادة التفكير فيه ضرورة ملحّة، تتجاوز موسمية سجال المنتخب نحو كلّ المواضيع الرئيسية التي ستشكّل المسألة السورية في الشهور والسنوات المقبلة.

ليست المناكفات الناتجة عن فرق التسييس وتباينات الاستعداد للقطيعة النفسية والفعلية مع ما هو بيد الأسد، مادةً وموضوعاً، بالأمر الجديد، فقد بدأت منذ انطلاقة الثورة، ومنها نتجت تعبيرات مثل «شبيحة الثورة» للتعريف عن الأكثر جذرية وغضباً ومطالبةً بجهد أكبر للقطيعة؛ و«رماديون» أو «تيار ثالث» أو ما شابه من تسميات، كنايةً عن التسييس الأقل قطعية وجذرية، أو عن الأقل تسييساً، أو المتوجسين من الثورة أو معادين لها دون أن يكونوا بالضرورة موالين للنظام، أو الأكثر تعلّقاً وتمسّكاً بمخيال عن «سوريا» ما، فيها مكان التقاء ما بين السوريين بغضّ النظر عن «موقفهم السياسي». من وجهة نظر جذرية في عدائها للنظام الأسدي، يجدر اليوم طرح سؤال حول هل كان التعامل الثوري مع هذه الحساسيات، بشكل عام، صحيحاً، تكتيكياً واستراتيجياً، في الفترات السابقة؟ كما يجدر طرح سؤال أهم اليوم: ما فائدة الاستمرار في توبيخ هذه الحساسيات وذمّ «ضعف جذريتها» اليوم، بدل محاولة التعاطي معها بطريقة تسمح بتوسيع القاعدة الشعبية لعمل عام سوري تحرري، محاولة ستقتضي حتماً ابتكار شعارات وأطر وبُنى تفكير جديدة؟

بمحاولةٍ سريعة للتفكير في مقوّمات خطاب من يرون أنفسهم خارج إطار الجذرية الثورية (أو حتى خارج إطار الثورة ككل)، دون أن يكونوا موالين للنظام، سنجد أربعة أعمدة أساسية: الماضي، حيث يجد القطاع الأوسع من السوريين غير المسيّسين قبلاً سنداً نفسياً، يستذكرون فيه أيام «السُترة»، ماضٍ مرمنَس قد يرون الثورة مسؤولة، جزئياً أو كلّياً، عن تدميره، أو على الأقل مسؤولة عن عدم الحفاظ عليه؛ والداخل، حيث يصرّ كثر على أن سوريا ما زالت «هناك»، وعاصمتها دمشق، حيث يسيطر حلفاء بشار الأسد من أجل بقائه رئيساً، وهذا واقع فعلي لا يُواجه عملياً بالشعارات ولا بالرموز ولا بالتمنيات ولا بالغضب، ولا وجود لأمل واضح المعالم في تغييره على المدى المنظور (ولا ننسى هنا أن الشعارات والرموز والتمنيات والغضب قد استُنزفت في السنوات الثمانية الأخيرة)، والخارج كمنفى ليس جواباً شافياً على سؤال سوريا الـ«هناك»؛ والخوف، إذ يقبع غالبية السوريين، بحيواتهم ومصالحهم وأملاكهم، تحت سيطرة الأسد وميليشياته وجيوش وميليشيات حلفائه، أي تحت المدى القاتل والمدمّر والناهب، وهذا لا يمسّ من هم في الداخل فقط، بل يعني أيضاً أهاليهم في دول اللجوء؛ والتعب، إذ أدّت سنوات ثمانٍ من الثورة -ثم الحرب- لاستنزاف قدرات الناس المادية والمعنوية بشكل عابر للطبقات، وبات يمسّ حتى الوسط المؤيّد المتطرّف.

من المفهوم أن تؤدي كمية الدم والدمار، والإحباط والإحساس بالخذلان، إلى نزعة قطعيّة لا تُخفي عدميّتها في كثير من الأحيان، ما يدفع لنزعة تبرؤية وإنكارية للماضي؛ وعلاقة مؤلمة مع الداخل؛ وتعامل غضوب مع تعب أو خوف لا يُترجم غضباً مباشراً وقطعياً وحاسماً. أجل، هذه كلها عوامل مُحقّة، ولا عتب على حامليها بعد كل ما جرى لهم، وبعد كل ما جرى للبلد وأهله. لكن، على مستوى الفاعلية السياسية والقدرة على بناء شبكات أكبر وتوسيع رقعة العمل العام، أليس التخندق حول الجذرية الثورية ضمن تعابير ورموز سنوات الثورة الأولى، والاقتصار على التمسّك بها وتوبيخ ما عداها إنتاجاً لشبكات وحلقات تزداد ضيقاً وعزلةً مع مرور الوقت، يقبع أفرادها متقوقعين على أنفسهم، وغارقين في الوحدة والشعور بأنهم على حق في آنٍ معاً. أو، ما هو أخطر، ألا يعني هذا التمسّك بالجذرية الانفعالية أننا نترك لبشار الأسد كل درجات التسييس غير القطعي، أي الماضي والداخل والخوف والتعب (حيث يقبع الطيف الأوسع من الشعب السوري اليوم، بشكل أو بآخر)؟

لو فكرنا، مثلاً، بواقع الساحة العامة لسوريي اللجوء في مختلف بلدان إقامتهم اليوم، لوجدنا أن الغالبية الساحقة من مناسبات العمل العام الثوري، من وقفات ونشاطات ومظاهرات وغيرها، بالكاد تستقطب العشرات من الناشطين والمهتمين في مدن ومناطق قد تحوي عشرات آلاف السوريين. هل كل المتغيّبين سيئون، أو شبيحة، أو غير مكترثين للدم السوري، أو ذوي مصالح معتمة؟ أليس من الأجدر التفكير بأنهم يعيشون اليوم واقعاً مختلفاً، فيه هواجس وأسئلة وامتحانات وصعوبات جديدة، وبأن الإطار الثوري لـ 2011 قد تآكل، ولم يعد جواباً شافياً، كما لم يعد يخاطب حساسياتهم، وأن هناك حاجة للتفكير بأطر جديدة؟

لا مفرّ من مواجهة واقع أن منطق تفكير ورموز وشعارات وتحالفات ومهادنات السنوات الأولى من الثورة قد استُهلكت تماماً، بفعل إجرام النظام وحلفائه، وعطالة المجتمع الدولي واستقالته من واجب حماية السوريين، وإخفاقات المعارضة السياسية، وفظائع عسكر الثورة من جهاديين وغير جهاديين، وبنتيجة أن الثورة لم تجلب واقعاً أفضل للشريحة الأوسع من السوريين، ببساطة. لم تعد لغة الثورة وشعاراتها كافية لبناء إجماعات عريضة بين السوريين، فهي لم تعد تمثّل برنامج عمل أو أفق أهداف واضح للغالبية، وهناك من تعب نتيجة تآكل استطاعته رفقةً بتآكل وضوح الثورة وشعاراتها، وثمة قطاع من السوريين، قد يشكّل غالبية من كانوا سابقاً طبقات وسطى، باتت مفاهيم الثورة وشعاراتها منفّرة بالنسبة له، وليس هذا أبداً لأنهم «شبيحة» أو مؤيدون للنظام، بل لأنهم يشعرون بأن الثورة قد ظلمتهم أيضاً، بغض النظر عن رأينا بعدالة حكمهم هذا.

ليس الحلّ هو التخلّي عن الجذرية في الموقف ضد النظام الأسدي قطعاً، بل بإعادة صياغة هذه الجذرية ضمن واقع أن إطار العمل الحالي، الثورة ومفاهيمها ورموزها وقطعياتها كما صيغت في سنواتها الأولى، قد تآكل ولم يعد كافياً، وأن هناك حاجة لإعادة صياغة هذا الإطار ورموزه ومفاهيمه وشعاراته لبناء إجماعات أكبر، وقواعد اجتماعية أوسع.

من الواجب أن تُخاض معركة رواية ما جرى في سوريا، وهي معركة لا يمكن الانتصار فيها دون المنافسة على إحراز الإجماع الأعرض بين السوريين (في مواجهة.. الدراما السورية، التي تُخاطب الماضي والداخل والخوف والتعب بسينيكية بارعة منذ ما قبل الثورة)، ومن الحيوي ألا يُترك الماضي والداخل والخوف والتعب بيد بشار الأسد. كيف؟ لا جواب جاهز، ولا نماذج إيجابية في التاريخ المعاصر تكفي للمقارنة والاستلهام عن كيف تُبني أُطر عمل ما بعد ثورية دون أن تكون الثورة قد تخلّصت من سبب اندلاعها. هذا يحتاج لنقاشٍ طويل قد لا ينتهي، لكنه -قطعاً- لا يبدأ دون تجاوز استجواب القطعيّة الثورية، الغضوب والتوبيخي.