عن الحبّ والكُره

مقالات إلى سميرة (1)

هذه هي الأولى من سلسلة مقالات مهداة إلى سميرة الخليل، التي دخلَ غيابها مع رزان زيتونة ووائل حمادة ونظام حمادي عامه الخامس.

أَلِفنا أن نضع الحبّ والكُره في قطبين متقابلين متباعدين، فنفكرَ في الحبّ كشيءٍ مُنقّى من الكُره، وبالكُره كشيء صافٍ لا يختلط بأي حبّ. فإذا أحببنا كنا مُحبين لا نكره، وإن كرهنا كنا كارهين لا نحب. لكن هذا يبدو تبسيطياً، لا يحيط بتداخل الانفعالات البشرية وتعقيدها. الحب والكره «عاطفتان»، انفعالان يحتملان الاشتداد والارتخاء والامتزاج، يعطفان البشر إلى بعضهم أو يعطفانهم عن بعضهم، لكنهما مصنوعان من قوة عطف واحدة، إن جاز التعبير. والكلام على ما يعطفنا إلى غيرنا أو عن غيرنا يعني أننا حيال وجهين لعلاقة واحدة، يبرز فيها هذا الوجه أو ذاك، لكنها تحتمل تراكيب مختلفة للوجهين.

حبّ الكُره

نلحظ على نطاق واسع، حولنا وفي أنفسنا، أن هناك من يحبون كرههم، يخلصون له ولا يتخلون عنه. يكرهون بحب، واستمرارية ونشاط. يكرّسون طاقة وجهداً لموضوع كرههم ويتوحدون به، فيتجاوز الأمر أن يكون انفعالاً لحظياً لا يلبث أن يزول. حُبنا للكره يُفعمه بالحياة والدأب والدوام (ورغبة في مشاركة آخرين فيه، كما سأقول تحت). والدوام يقتضي تجديد كرهنا أو «إعادة إنتاجه»، بما يسبغ عليه صفة منظومية (أو سستمية)، فيكفُّ هذا الكره المحبوب عن أن يكون قوة نفور أو نبذ، ندير بتأثيرها ظهرنا للمكروه فننأى عنه، ونبعده عن ناظرينا وعن تفكيرنا. الكره المحبوب، بالعكس، قضية وهوية، لا نتعرف على أنفسنا من دونه. إنه موقف اقتراب وإقبال نثابر عليه طوال الوقت. فكأنما يأسف الواحد منا إن خسر موضوع كرهه، ما يدفعه إلى التمسك به، لا يريد له أن يختفي عن ناظريه. أو كأن المرء يحب بقوةٍ ما يكره من شخص أو مجموعة أو تيار، أو هوية أو رأي أو عقيدة، فلا يتخلى عن هذا الكره العزيز. أتكلمُ على كره بحب، بسبب هذه الإيجابية أو هذا الإقبال في الكره.

وبقدر ما إن الحب يجمع وينْظُم ويقرِّب ويوحّد ويركّب، وإن الكره، بالمقابل، يفكّك ويخرّب ويهدم، فإن تَطلُّعَ حبِّ الكره إلى الدوام يجعل من التفكك والهدم قضيةً ونظاماً، سستماً. وخلافاً للحب، ينزع الكره إلى شخصنة ما نكره. قد نكره رأياً أو فكرةً أو موقفاً، لكن ما نلبث أن نكره من يرى الرأي أو يعتنق الفكرة أو يتخذ الموقف. الكره ينصبُّ تفضيلياً أو حصرياً على شخص أو أشخاص أو مجموعات، ينجذب إليهم كموضوع له. ولعله يكتسب طاقته على الاستمرار من هذه «الشخصنة». الرأي الذي نكرهه، يمكن أن نعبر عن ذلك الكره مرةً، فننتقد الرأي أو نجهر بازدرائنا له، أو ننساه ببساطة. أكره هذا الرأي: انتهى الأمر. لكن حين نجسّدُ الرأي في شخص فإن هذا يزوّدُ كراهيتنا بجسد حي، فتحوز بذلك تجدداً ودواماً. لا ينتهي الأمر. يبقى حياً ومتجدداً مع حياة الشخص وتجدده. ليته يموت!

الشخصنة، لا يجب أن ننسى ذلك، هي «تشخيص» لشيء نكرهه، تجسيدٌ له في شخص. المكروه مكثّفٌ في الشخص.

ومن ذلك الشخصنةُ الجمعيةُ التي يصحُّ إطلاق وصف الطائفية عليها. فإذا كانت النظرية الشائعة في الطائفية ترى الطوائف جماعات ملموسة، وليست بناءات اجتماعية تظهر في شروط سياسية واجتماعية وتاريخية بعينها، فهذا لأنها شخصنة جمعية، وثيقة الصلة فيما أرجّحُ بقوة الانفعالات الجمعية، وبخاصة الكراهية. النظرية التي تفسّرُ الطائفية بطوائف سابقة عليها، أي بأشخاص جمعيين مستقرّين في أسمائهم، هي، من وجه آخر، تعبير عن فشل الفكر، عن بقائه في طور القطاف إن جاز التعبير، قطاف المعرفة مما يلوح للحواس من شجرة الواقع الطبيعية. يقابل هذا التفكيرَ الكفافي تفكيرٌ كمالي، يتجاوز المُشخَّصَ إلى العلاقات والعمليات والأبنية الاجتماعية. فُرَصُنا في تطوير هذا التفكير الكمالي أكبر كلما تحررنا أكثر من الكراهية، ونقلنا موضع اللوم المُحتمل في علاقاتنا الاجتماعية والسياسية والقانونية من ما يكون الأشخاص إلى ما يفعلون.

الشخصنة الفردية أو الجمعية التي تتولد عن الكره هي فعل إفقار، إذ نجعل من الشخص رمزاً لا فائض فيه على ما نكره من موقف أو رأي أو فكرة، ونجرده من جوانب أخرى من كيانه. في النطاق العام، الشخصنة التي يُشتكى منها كثيراً في أوساطنا هي من صنع كارهين، يتواتر أن يكونوا هم أنفسهم الشاكين من الشخصنة.

الكُره الحبيب والقتل

وقد ينتهي الكره بالقتل. هذا لأنه فعل قتل رمزي أصلاً، عبر ما ينطوي عليه من اختزال وتجريد وتصغير. ثم أن ما تعنيه الشخصنة من أن كيان الشخص، فرداً أو جمعاً، وليس فعلُه، هو موضع اللوم، يفتح الباب للتخلص منه. إذا كنتَ أنتَ الخطأ، وليس هذا الفعلُ من أفعالك أو ذاك، فإن مَحوَكَ يغدو هو الشيء الصحيح. على هذا النحو يقلّلُ الكره من قيمة حياة المكروه عبر تكثيف ما هو سيء وكريه فيه. الحب لا يفعل ذلك، لا يختزل المحبوب إلى فكرة أو موقف نحبه بسببهما. بالعكس، نميل إلى إغناءه بخصائص قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، لكنها مُغنية في كل حال. الحب يُخصب ولا يُفقر، يبدأ من الشخص ثم يتعداه إلى ما يحب. فكأنما هو شعاع منتشر، يبدأ من المحبوب وينتشر إلى من وما حوله، وإلينا، بينما الكراهية أشعة متقاربة، تنطلق منا وتتركز على المكروه وتنتهي عنده.

الكره المحبوب الذي يُحفِّزنا إلى إثبات كراهيتنا باستمرار، يُضاعف استمراريته بالسعي وراء المشاركة، مشاركة آخرين لنا بكره مكروهنا وحب كرهه. هذا لا يحققه كره بسيط، حين نكتفي بالنفور من شيء أو شخص أو رأي، فنفترق عنه ونبتعد. لا تتكون جماعةٌ حول كره كهذا، ولا يقوم نظام أو تتجمع كتلة. تتكون الجماعات من اجتماع الناس وتقاربهم، وهو مفعول الحب. فإذا كان ما يوحدنا أو يحببنا ببعضنا هو كره غيرنا، نتشكل كمجموعة متقاربة من الكارهين، جمعيةٌ من الكارهين المتحدين إن جاز التعبير.

وارتباط شخصنة المكروه بالقتل يلقى تعزيزاً من الدوام المتولد عن حب الكره ومن تشكل جمعية كارهين. فإذا كان الكره الذي يُشخصِنُ فردياً يُطيِّفُ جمعياً، وإذا كان مفتوحاً على القتل في كل حال، فإن الإبادة الجمعية تغدو احتمالاً وارداً.

لكن أمر الكره بحب يتجاوز شخصنة مكروهنا إلى تخلصنا نحن الكارهين من العبودية لمن نكرههم إلى هذا الحد. حُبي لكرهي للمكروه يقرّبني منه، فالحب قوة تقريب واتحاد كما تقدَّمَ القول، وكرهي للمكروه القريب يوجب إبعاده وقطع الروابط معه. القتل حلٌّ ممكنٌ لتناقض لا يُحَلُّ بين الكره والقرب. أنا مُتفانٍ في كرهي لمن أكره، لا أريده أن يبتعد رغم كرهي، وهذا يُذلّني، فلا أتخلص من هذا الشعور الكريه، العبدي، بغير القضاء على مكروهي. ليته يفنى؟ ليته يموت موتاً عنيفاً! سأُخفي تحقق رغبتي الدفينة وقتها، وارتياحي العميق، وقد أُعبِّرُ عن الأسف.

الكُره والإبادة

في مذابح القرن العشرين وإباداته، من الهيريرو والأرمن إلى التوتسي في رواندا والمسلمين في البوسنة، إلى السوريين اليوم والعراقيين قبل حين، أعتقد أننا يمكن أن نتبين قوة حب الكره، وتعارضاً لا يُحَلُّ بغير عنف إبادي بين القرب والكره. المذابح تنتج غالباً عن كراهيات مُعتنى بها، أنظمة كره جمعية مشغولة بحب، تحوَّلَت إلى هذيانات جماعية بفعل بناء جمعيات كارهين متحدين حولها، هذيانات حول شر متأصل في هؤلاء القريبين جداً، الذين نكرههم كثيراً ولا يختفون قط. الهولوكوست واحدٌ من أمثلة كثيرة لكارهين أحبوا كرههم، وخصّوا مكروهيهم ببعض أحسن جهودهم، فأسسوا علماً يبرر كرههم (نظرية الأعراق ومراتبها)، وبنوا هويتهم واتحادهم عليه: العرق الآري، ونظموا صناعة إبادة متطورة.

ويبدو أن وحشية الحكم الأسدي وخسّة جرائمه (القتل بالتعذيب وتحت التعذيب، الحصار والتجويع، المجازر الطائفية، الاغتصاب...، وطوال نحو سبع سنين)، تصدر عن حب شديد للكره، أي عن اجتماع النظام وتحابه عبر السنين والعقود على كراهية السوريين غير الموالين له. في سورية الكراهيةُ نظامُ حكم. والشخص الذي يعمل خادماً عند كرهه، يُخلِصُ له ويكرّسُ له أحسن جهوده، وكذلك المجموعات المتفانية في خدمة كراهيتها، شائعةٌ في سنوات الحكم الأسدي. والسؤال الذي يستحق النظر فيه هنا، يتصل بما وراء هذا الشيوع من إنتاج اجتماعي للكراهية، وشروط هذا الإنتاج السياسية وعملياته وعلاقاته وبناه. أعتقد أن لكل من الصفة التمييزية الجوهرية للدولة الأسدية، والصفة الإذلالية لعنفها، ضلعٌ في تفسير هذا الواقع الذي قد يناسب وصفه بمجتمع الكراهية. بُذلت جهود سياسية دائبة ومديدة، على يد «الدولة» قبل غيرها، من أجل أن لا يثق السوريون ببعضهم ويخافوا من بعضهم، وأن يتشكلوا كأشخاص جمعيين يكرهون بعضهم. شخصنة سورية في حافظ الأسد ثم ابنه هي ذاتها فعل كره وإقصاء لأي منازعة وإعلان ملكية حصرية للبلد، وقد أُسدِلَ على وجهها قناعٌ من التوحد بين سورية وحاكمها. وقد لا تكون مسيرات زمن حافظ «الشعبية العفوية»، ترفع صوره وتهتف باسمه، ثم مسيرات «منحبك» في زمان بشار، غير استعراضات عامة تحتاجها دولة الكراهية لحجب جوهرها القائم على الكراهية. يظهر الجوهر مع ذلك بجلاء تام في أجهزة إعادة إنتاجها: الأجهزة والتشكيلات الأمنية، وعنفها المشخص والإذلالي.

الأسد أو لا أحد! هو في آن شعار حب للأسد وتفانٍ في خدمته، وهو شعار كراهية لكل من ينازعه. القوة المغذية للشعار هي الكره بحب، أو هي التفاني في الكره. ليس هناك من يحب بشار الأسد أو الدولة الأسدية حباً ليس في الوقت نفسه كرهاً عميقاً لمعارضيه والثائرين عليه. العكس غير صحيح. هناك من يكرهون الدول الأسدية دون أن يعني ذلك حباً بالضرورة لكل من يعارضونها. ليس هناك تناظر في هذا الشأن. ومعلوم أن شعار: الأسد أو لا أحد! ظهر في سياق الثورة، وهو موجه لجمهورها تحديداً. وصيغ الشعار الأخرى: الأسد أو نحرق البلد! الأسد أو بلاها هالبلد! تتضمن هذا الحب للكره والاستعداد للإبادة. وإحلال الإسلام محل الأسد في رمزيات جيش الإسلام تُبقي بنية الشعار الجامعة بين التفاني والإفناء قائمةً، مع تحويل سندها إلى العقيدة الدينية، على نحو يُسكِت أية أصوات متحفظة أو يبيح القضاء على أصحابها. وعقيدة الولاء والبراء السلفية هي إيجاب للكره وللحب، أو هي حبٌّ للكره مع إلزام بالحب على نحو يقضي على الحب، ويجعل الكره ديناً. يعزز من ذلك شرط معرفي: فما يجمع تيارات الإسلاميين، من وراء فوارق سياسية وفكرية بين مجموعاتهم، هو تفكيرٌ لا يرتفع فوق الشخصنة، الفردي منها والجمعي، المتصلة في كل حال باستحكام الكراهية في النفوس. عند الإسلاميين أيضاً، الخطأ في كيان الأفراد والجماعات وليس في أفعالٍ مُحتملة لهما. هذا يجعل من القتل والإبادة مجرد فعل محو للأخطاء.

حبّ الكُره وحبّ الذات (النرجسية)

لكن أليس من نحب كرهه هو ببساطة العدو؟ ليس الأمر كذلك في تصوري. من نحب كرهه هو من نتحول إلى معاداته بعد صداقة أو قرب، وبينما نحن في طور التحول، أي من لا نزال نحيله إلى عدو، وليس بحالٍ العدوَ المستقرّ. لا نصرف طاقة نفسية على معاداة عدونا المستقرّ، أو أن مستوى صرف الطاقة يبقى ثابتاً لا يكاد يتغير، شيءٌ يقارب ما يقتضيه «الاستقلاب الأساسي» في الفيزيولوجيا من طاقة لازمة للعمليات الحيوية (التنفس، نبض القلب، حركات الأحشاء، التفاعلات الخلوية...). نكره العدو المستقرّ، لكننا لا نحب كرهه ولا نخدم هذا الحب. حب الكره موقفٌ نَشِط، مستمر، ديناميكي، أوثق ارتباطاً بالتحول من الحب إلى الكره، أو من الصداقة إلى العدواة. وهذا يتوجه أكثر نحو الأقربين، أو من كانوا لتوهم أقربين، لا نحو الأبعدين. تكلَّمَ فرويد في زمانه على «نرجسية الفروق الصغيرة»، الاختلافات التي نميل إلى تعظيمها كلما كانت الفروق أصغر: القريب الذي كان جزءً منّا، الذي يشاركنا رابطة ما: القرابة أو الصداقة أو العقيدة...، ننفصل عنه بعنف أشد من البعيد الذي كان بُعده كفيلاً بألا يمتزج بأنفسنا ويكون جزءً منّا. عنفُ الانفصال عن القريب مرتبطٌ باستعادة تكاملنا واستقلالنا بعد امحاء خَطِرٍ سابقٍ للمسافة بيننا. هذا القربُ السابق جارحٌ لحبنا لذاتنا، لنرجسيتنا، بحيث لا نستعيد حب الذات دون فصلها العنيف عمّن كنا نحبه. نكره أنفسنا إن لم ننفصل، وكي لا نكرهها ننفصل ونعطي الانفصال حقه من الوقت. حب الكره الذي يدوم وقتاً يصير علاجاً لاستعادة عافيتنا النرجسية. والقصد أننا نخلص الكره للقريب أكثر من ذاك البعيد الذي يمكن أن يكون عدواً مؤذياً، لكنه بعيدٌ ولم نتوقع منه خيراً في أي وقت. المسألة ليست في المسافة النفسية الكبيرة بيننا وبين من نكره، بل في اتجاه هذه المسافة إلى الاتساع بعد قرب (قريب يتحول إلى بعيد)، أو إلى الثبات (العدو المستقر).

نحب كرهنا الوليد، الفتي والغض، هذا الذي يتولدُ من تحول حديث النشأة، نرعاه وندلّلـه، ولا نحب كرهنا الشائخ، الذي اندملت جراحه وتندبت، أو كرهنا المستقر لمؤذٍ كان غريباً دوماً. أُنفقُ طاقة في كره من كرهته للتو، ولا أزال أرعى كرهي له أو أحبه، ولا أنفق طاقة على من أكرهه منذ زمن بعيد، وأكاد أكون نسيته لولا أن أُذَكَّرَ به بين حين وآخر.

الحبّ بكُرْه

وغير هذا المزيج المعقد للكره بحب، يمكن أن نتميز أيضاً حباً بكره. في العلاقات بين الأفراد نستطيع أن نتبين أحياناً حباً تمازجه الكراهية، يتولد عن تعذّرِ امتلاك المحبوب، ويحفز بلا توقف إلى جهد محبط لامتلاكه. لا أستطيع أن أمتلكه أو أمتلكها، فأبقى متعلقاً به/ بها، وفي الوقت نفسه كارهاً لها/ له بفعل ما يثيره هذا التعلق غير المشبع من ذلّ. أريدها أن تكون أقرب، لكنها ليست قريبة، أو لا تقترب بقدر ما أريد، فأكرهها، لكني لا أستطيع إبعادها كما يقتضي كرهي لها. أحبها بكره. لا أثق بها، أخشى من هجرها، أبقى أَسيرَ تجاذبٍ بين حب محبط وبين نفور لا أقوى على احتماله. هذا وضع مفتوح على العنف بدوره، عنف الهجران والانفصال، أو حتى عنف القتل. أضع حداً بالقتل لتجاذب مُعذِّبٍ بين القرب والبعد. في حالات الهجران قد ينقلب أمر القرب السابق إلى الكره، وإلى الكره بحبٍّ وتفانٍ. هنا يُعمل مبدأ نرجسية الفوارق الصغيرة فعله، ويغدو حب الكره منهجاً لمداواة الجروح النرجسية وشفائها. عشقي لنفسي يوجب أن أقتل في نفسي من تمسّ حياته بهذا العشق.

لكن ليس كل قُرب سابق ينقلب إلى كرهٍ محبوب، مستمر ونشط وديناميكي. قد لا ينقلب. قد يتحول إلى كره بسيط ونفور، أو إلى حب غير مسموم بكره، أو إلى زوال كل انفعال.

كُره الحبّ

وقد يمكن أيضاً تمييزُ صيغة خاصة من تمازج الحب والكره، يمكن تسميتها كره الحب. وهذه تتولد أساساً عن الخوف من الحب، الخوف من الاقتراب من المحبوب والدخول في عالمه وفقدان الذات أو ذوبان الحدود بينها وبينه. نخاف أن تُفتَضَحَ هشاشتنا وضعفنا إن اقتربنا كثيراً، فنقترب قليلاً ونُبقي على مسافة أمان تحمينا من حبٍّ يقتضي دخول المحبوب حياتنا وسكنه في عالمنا، وربما نفوره مما يعاين عن قرب من هشاشة جسدية أو نفسية، من كفاءة جنسية متواضعة أو من طبع منفر. نحبه، لكن نريد أن يقف عند حدّه على نحو لا يهدد حدودنا. نريد الحدود سليمة كي لا ينكشف داخلنا الهشّ. لكن هذا يقود إلى بقاء الهشِّ هشاً أو تفاقم هشاشته. الواحد منا لا يولدُ قوياً، يصير قوياً أو لا يصير عبر الاقتراب من المحبوب والدخول في الحب، عبر تجاوز الحدّ والتضحية بالحدود. أما الضعف فهو حال جميعنا قبل الحب. لا أحد قوي فعلاً قبل الحب.

وليس كره الحب كرهاً بسيطاً صافياً، إنه حبٌّ وكرهٌ معاً، حركة اقتراب وابتعاد في آن، انجذاب وخوف. ما يجمعه الحب يبعثره الكره. وقد ينتهي الأمر بالهرب ستراً لضعفنا، أو بالاتحاد والتغلب على الضعف. وعموماً، يبدو أن النساء هنَّ ما يساعدن الرجال على التغلب على الهشاشة، أي على عدم الخوف منهن، أكثر من العكس. الرجال يفعلون ذلك أقل، وبخاصة في مجتمعاتنا حيث يغار الرجل على قوته فلا يعطي منها شيئاً، ويطلب المزيد. على أن الواقع الذي يُحيل إليه هذا الحكم متحول، وليس بحالٍ مُعطىً ثابتاً لا يتغير. يصير الرجل أنانياً عابداً للقوة أو لا يصير، لا يكون كذلك في كل حال.

هذه التراكيب العاطفية، حب الكره، كره الحب والحب بكره، شائعة في تصوري بين الجنسين. بين الرجال والنساء هناك كره نحبه ونثابر عليه ويُكوِّن هويتنا، وهناك حب نكرهه ونخاف منه، وهناك حب مُنغِّص مؤلم بفعل الامتلاك المتعذر للحبيب. هذا قد يكون حال الطرف الآخر في علاقة الحب: أحدنا يخاف من الحب ويكرهه خوفاً من الإذلال، وأحدنا يحب بكره لأن تَعذُّرَ امتلاك هذا الهشّ أو الهشّة ينغصه فيمتزج حبه بالإحباط والكره.

وأفترض أن مثل هذه المزائج منتشرةٌ بقدر أكبر حتى في أوساط مثليي الجنس والـ LGBTQ، بفعل ما يتعرضُ ويتعرضون له من ضغوط اجتماعية، ومما يضطرون ويضطررنَ إليه من مناورات لا بدَّ أن تتولد عنها تراكيب عاطفية أكثر تعقيداً.

الحبّ والكُره كسياسة

ليس الحب علاقةً بين اثنين حصراً. هناك ثالثٌ، المجتمع، مجتمعاتنا الفرعية الصغيرة ومجتمعنا الأكبر في بلد، وبصورةٍ ما العالم. الحب بين الأفراد، أو الحب كتقارب بين الناس، أو الحب كموقفٍ ودودٍ حيال الحياة والأحياء، كلها تجري ضمن بيئات اجتماعية مؤاتية أو غير مؤاتية. وهذا مشروطٌ سياسياً بقدر كبير. الحب يطلب العلنية والاعتراف، ويعمل على تحرير قوى وتشكيل هيئات وأجسام أكبر وأكثر تعقيداً. هذا سياسي. حب الأفراد نفسه سياسيٌ بالمعنى الواسع لكلمة سياسة، حين تشمل أشكال التقييد أو التحرير الاجتماعي والديني والعائلي. لذلك يشيع أن يكون الحب نضالاً سرياً، مثل العمل السياسي.

الكره أيضاً ليس علاقة ثنائية. ثالثه هو المجتمع متفاوت الاتساع أيضاً. وإذا كان المجتمع المعافى هو الذي يوفر مساحات حرة أوسع للحب والتقارب بين الناس وشراكاتهم وظهورهم العام، فإنه أيضاً الذي يكبح الكره ويحجز بين المتكارهين، ويحول دون تراكم الكره وتحوله إلى عداوات عنيفة. الكره سياسيٌ أيضاً، وهو في مجتمعنا عاشَ في السرّ مثل الحب، لم يُعترف به، ولم يُعبَّر عنه علناً، ولم نطور معالجات عامة للتعرف على منابعه ومواجهته. يتفجّرُ بعنف لأننا مُنِعنا من تقصي أجهزة وعلاقات إنتاجه، وقُمِعَت جهودنا لمجابهته. مرضنا الاجتماعي لا يعود إلى كره أكثر وحب أقل، بل إلى تقييد عام حَالَ دون مواجهة الكره وبناء مساحات متحررة منه.

نتكلم على مجتمع كراهية حين ينتشر الكره سراً في جسد المجتمع كسمٍّ مميت، وحين يكون أقوى حبنا هو حب كرهنا، وحين يكون ذلك شرطاً عاماً منتشراً. هذا مُوجب للتغيير، العمل على التغيير الاجتماعي والسياسي، والفكري والأخلاقي، أي تغيير أنظمة العلاقات بين الناس، بما يتيح إظهار ما ينتج في المجتع من كراهية وتصريفها أولاً بأول، وما يتيح للحب أن يتحرر، فيجمع ويقرب ويوحد.

المجتمع المعافى هو المجتمع الحر.