عن الذكورة وأنماطها في تحدي الهيمنة

 

تقدم دراسات الذكورة، Masculinity studies، مجموعة من المصطلحات التي يتم تداولها مؤخراً، فاستخدام كلمة ذكورة يأتي من المصطلح الإنكليزي masculinity، الذي يعبّر عن الجندر،أي الدور الاجتماعي المرتبط بالثقافة والطبقة الاجتماعية والنوع، وفي مقابله عند الحديث عن الـ sex، النوع المرتبط بالأنتولوجيا أي بالجنس، سيتم استخدام كلمة الجسد. النموذج الذكوري هو masculine role model، والذكورة المسمومة هي toxic masculinity، والذكورة المسيطرة هي hegemonic masculinity؛ سيتم اعتماد هذه المصطلحات في هذا المقال. 

ما تحمله الثورات العربية من رغبة بالتغيير والإصلاح، أبرزت سؤالاً يبحث في معنى الذكورة ونماذجها في المجتمعات العربية، فضمن هذا السعي المحموم للنساء العربيات لإيقاف تهميشهنّ ومنع العنف الممارس ضدهنّ، نجدنا نسأل عن شكل النموذج الأمثل للرجل العربي. فمع الحراك في لبنان مثالاً، نرى احتفاء الإعلام بدور المرأة البارز فيه، والذي أكد هذه الرغبة بالسعي إلى تطوير فهمنا لأدوارنا الاجتماعية. ما أجده مهماً هو التأكيد على الحضور الإيجابي للذكور ضمن هذا الحراك، وذلك لما لهذا التأكيد من أهمية تضيء على النماذج التي تسعى الدراسات الجندرية لإبرازها، ومن ضمنها دراسات الذكورة، لتمنح الرجال نموذجاً يمكن اللجوء له ضد أنماط مسيطرة من الذكورة السامّة.

خلال عمل النسويات السود في الولايات المتحدة الأميركية على وقف ظاهرة العنف المنزلي، الذي يأتي نتيجة روابط معقدة تمتد لتشمل الطبقة الاجتماعية والعنصرية الممارسة على المجتمعات ذات الأقلية السوداء، سعينَ لتأكيد أهمية عدم تنميط الرجل الأسود كرجل عنيف تدفعه طبيعته نحو العنف، فأكدت الباحثة النسوية كمبرلي كرنشو أنه وفي أثناء سعينا لوقف العنف ضد المرأة السوداء، يأتي غياب النموذج الإيجابي للرجل الأسود في الإعلام ليعزز الصورة العنصرية النمطية ضد الرجل الأسود. إذن يصبح البحث في أنماط الذكورة ونماذجها ضرورة لمنع تنميط الرجل العربي كرجل عنيف مسيطر، ولتعزيز حضور النماذج الإيجابية للذكورة بمعناها الجندري الاجتماعي، ولتقديم نماذج إيجابية يسعى الشباب والصِبية للاقتداء بها وتمثلها.

من ضمن الصور التي يرغب هذا المقال في تسليط الضوء عليها، هي الصور التي بيّنت وجود نماذج ذكورية إيجابية ضمن الحراك في لبنان، وفي ثورات السودان وسوريا والعراق، إذ حملت الثورات صوراً لرجال يقفون إلى جوار النساء ويهتفون معهنّ ضد العنف وضد القمع، وأيضاً صوراً لرجال خرجوا مع زوجاتهم وصديقاتهم وأهلهم ضد قمع الحريات وتكميم الأفواه. الإضاءة على إيجابية دور هذه الفئة يساعد في تحدي أنماط ونماذج ذكورية سلبية مهيمنة تمنع تسليط الضوء على حضور النموذج الذكوري الثوري. تجدر الإشارة إلى عدم وجود عمل بحثي كافٍ في مجال الدراسات الذكورية في المنطقة العربية، وبالتالي عدم تداول مدروس لمصطلحات هذه الدراسة التي تسعى إلى تعزيز الأدوار والنماذج الإيجابية للذكورة. مثلاً، الذكور باتوا يعانون من أمراض السمنة بسبب سلبية المجتمعات التي تتنمر على النموذج الذي لا يتمتع بالقوى الجسدية أو اللياقة البدنية المطلوبة، ويعاني بعضهم من سوء التعليم بسبب عدم قدرة المؤسسات التعليمية على التعامل مع بعض الأمراض الجسدية المرتبطة بالجنس الذكري، أو بسبب الخطاب الذي يدفع الذكور للعمل في سن مبكر والتخلي عن الدراسة. كما يعاني الذكور في منطقتنا من خطاب عسكري عنيف، يؤدي إلى تسليح الأطفال وانخراطهم في العمل العسكري الميلشياوي. 

ضمن دراسات الذكورة يعبّر مصطلح الذكورة المهيمنة عن نمط سائد تندرج تحته الممارسات الذكورية الجندرية، من ضمن هذه الممارسات نجد النموذج الديفولت الذي يتم تطبيعه (normalized). فالممارسات التي يقدمها هذا النموذج هي الممارسات التي ترتبط بعنف خفيّ، يشرعنه خطاب المؤسسات التعليمية والثقافية وغيرها، التي تشكل جزءاً من خطاب البطريركية الذي يطبّع العنف. الـ «ديفولت مان» هو الأب والأخ والزوج والمدرّس الذي ينتمي للطبقة الوسطى، والذي يتمثل خطاب البطريركية بعنفه المطبَّع. تقدم لنا هذه الدراسات نموذج الرجولة السامّة، وهو نموذج الذكوريِّ الذي يتمثل خطاب البطريركية ويتمثل عنفه إلى الدرجة القصوى، وهنا تعتبر جريمة الشرف بما تحمله من عنف مكثّف امتثالاً لعنف الخطاب الذي يخصي الذكور غير القادرين على تبني هذا العنف وتطبيقه.

تُبيّنُ ر. و. كونيل معنى الذكورة المسيطرة بكونها المعيار الأعلى للذكورة، الذي يمثل الصورة الأمثل لما يجب أن يكون عليه الرجل الحقيقي، فليس بالضرورة أن يستطيع الرجال امتثال جميع معايير الذكورة المهيمنة، ولكنها تبقى الصورة التي يسعى الذكور لتبنيها للحصول على القبول الاجتماعي. لا ترتبط الذكورة المهيمنة بالضرورة بالعنف رغم إمكانية فرضها بالقوة، فهي تنحدر من خلال المؤسسات التعليمية والفكرية والثقافية. هي طريقتنا في ممارسة أدوارنا الجندرية للحصول على القبول والنجاح الاجتماعي. تأتي أهمية دراسة الذكورة ممّا يعانيه كثيرٌ من الذكور من قمع مجتمعي وعجز عن إيجاد قدوة يُحتذى بها، فقد تبيّنَ خلال الثورات بحثُ كثيرٍ من الشباب الناشطين عن نموذج يمكن تمثّله للوقوف في وجه القمع والعنف، وتخبطهم في إيجاد الدور الأمثل لتمثله. في حالة الساروت، الثائر الأجمل والأكثر عفوية، نراه يتنقّل بين نماذج متعددة في محاولة لخلق معنى لذاته الثائرة؛ من لاعب كرة قدم، وهو النموذج الأسمى للذكور، إلى ثائر يقف إلى جوار زميلاته الثائرات كفدوى سليمان، إلى النضال المسلح. ضمن هذه الأدوار، نرى سؤالاً محورياً يعيشه الذكور في بحثهم الجندري عن القدوة ضمن سنوات من ذكورة مُهيمنة لم تقدم سوى نماذج مسمومة مرضية. ولا يهدف البحث عن مدى أهمية مشاركة الذكور ومساهمتهم في تحرر المرأة إلى التقليل من أهمية إنجازات المرأة في هذا المجال، بل هو يسعى إلى تعزيز مساهمتهم والتأكيد على أهمية العمل المشترك ضد البطريركية للمرأة والرجل. 

تتجلى رموز الذكورة المهيمنة في صورة العسكري ورجل السلطة ورجل الدين ورجل الأعمال ورب العائلة المتزمت والأخ الذي يقتص بالدم لحماية شرف العائلة. هذه النماذج التي ترسم الصورة العليا للذكورة في منطقتنا، وأيُّ إظهار للضعف أو التعاطف مع من هم أضعف ينتج عنه الإقصاء للمتخاذل ووصمه كمخنث لا يستحق ذكورته. أذكر مرة وأثناء مشاركتي في نشاط فني للرسم مع أطفال من مناطق مهمّشة، مستفيدين من برامج تطوير ودعم في منطقة الزرقاء في الأردن، رؤيتي لطفل يرسم صورة لشيخ ملتحٍ يحمل كيساً من المال، فسألته عن موضوع رسمته ليتبين أنها الصورة التي يرجوها لنفسه عندما يكبر. هذا الطفل، ومن بين جميع النماذج العليا للذكورة، اختار المثال الذي يرى نفوذ سلطته ضمن بيئته ومجتمعه. هذا الاختيار يُبيّنُ وجودَ نماذج عليا يتم تدويرها ضمن الخطاب الذكوري، الذي يسلط الضوء على أدوار معينة يسعى الشباب لامتثالها. من المهم التأكيد على كوننا نتقن أدورانا الجندرية عبر التكرار وعبر تمثّل هذه الأدوار، فالطفل في عمر الرابعة إلى الخامسة يكون قد تبنى أداء دوره الجندري وأضاف ذاتيته عليه، وبالتالي يجب تركيز العمل الجندري لتكريس صور ذكورية إيجابية تسمح للصِبية بتمثلها والاقتداء بها، فالصِبية الصغار يعانون من التنمر إن لم يمتلكوا ما يكفي من معايير الذكورة المهيمنة التي تتمثل بالعنف وكبت العواطف والخوف من التعاطف.

يُبيّنُ غريسون بيري ثلاثة معايير لدراسة الذكورة: القوة، والأداء، والعنف. فيوضح معنى الرجل الذي يدعوه بـ Default man وهو الرجل مغاير الجنس الذي ينتمي للطبقة الوسطى ويمثل النموذج المسيطر للأكثرية ودينها وثقافتها. هذا الرجل يمثل الحياد في مقارنته مع الهويات الجندرية الأخرى للأقليات من مثليين أو ممن يتم إقصاؤهم من معايير الرجولة المهيمنة. هذا الرجل يتمتع بالقوة، ليس لما يمتلكه من إمكانيات أو لإنجازاته، بل لما يمثله من معايير الذكورة المهيمنة. يمارس الـ «ديفولت مان» دوره من خلال تمثّل معايير الذكورة التي تتجلى بلباس وأسلوب معين يضعه في خانة الـ default. يوضح بيري وجود حالة نوستالجيا رجولية لهذه الفئة، فعلى عكس النسويين الذين ينظرون للأمام دائماً طامحين للتغيير، نرى هذه الفئة تبحث عن ماضٍ من البطولات الوهمية تشعر باستلابه منها.

على عكس هذه النماذج الذكورية نرى من خلال الثورات نماذج من رجال مندفعين للتغيير، يصطفون خلف نساء مؤثرات وفعالات داعمين لهنّ ومشاركين معهنّ في نضالهنّ. هذه النماذج اصطدمت في حالات كثيرة مما رأينه بنماذج من الذكوريين الذين لم يتوانوا عن التحرش والتعدي على المتظاهرات لفظياً وجسدياً. النموذج الذي يمنع مسيرة التطور ويسعى للعيش في قوقعة من الخوف. سلبية النموذج السابق يجب ألا تمنعنا عن الاستمرار في متابعة النموذج الآخر، الذي يبادر لدعم النساء والمثليين في مجتمعاتنا. 

في المنفى، وفي حالة التغريبة السورية، شهدنا حالات كثيرة لرجال قاموا بدعم زوجاتهنّ وأَخواتهنّ عندما اخترنَ في حالات معينة خلع الحجاب أو تغيير نمط اجتماعي فُرض عليهنَّ سابقاً. هؤلاء الرجال استطاعوا الخروج عن سلطة الذكورة المهيمنة، فكثيرون منهم اختاروا الرقص أو التمثيل كمهنة بعد أن كانت تشكل لمجتمعه وصمة ودليل ضعف، كما استطاع كثيرون منهم إعلان مثليتهم دون خوف من قصاص أو عقاب. هذه الظاهرة تبين القمع الذي اعتاد الذكور تحمله في سوريا، والذي يؤدي إلى إقصاء من يجرؤ على تحدي الأنماط المهيمنة. تستمر سيطرة الذكورة المهيمنة في مجتمع المعارضة والمجتمعات المؤيدة برغم اختلاف الخطاب الذي يعزز إقصاء النساء والذكور المتمردين على السواء، فضمن محاولات النظام التسويق لنفسه كنظام علماني يروج لصور الدبكة التي تجمع النساء والرجال، يقوم دون تردد بسوق الرجال إلى الخدمة العسكرية كخراف لا تملك حق الاختيار، ويتم قتل من يجرؤ على الرفض. وأيضاً في مجتمعات المعارضة، يستغل بعض الرجال النساءَ ويتم الإتجار بهن على أكثر من صعيد. وبذلك يستمر خطاب الذكورة المهيمنة في منع إرادة النساء والرجال الحرة من التعبير عن نفسها برغم اختلاف مظاهر القمع الممارس ضد هذه الفئة. 

بالمقابل، نرى من خلال الممارسات الثائرة ضد الذكورة المهيمنة، نموذج المتعلّم الثائر الحرّ الذي لا يخشى التعبير عن عواطفه ومشاعره وخوفه وضعفه. الرجل الذي يقف في وجه العسكري والدكتاتور وسلطة الأقوى. الرجل الذي يتفهم جانبه الأنثوي ولا يخجل من إظهاره. الرجل الذي يتشارك مع النساء الرغبة في التغيير الاجتماعي والسياسي ولا يتردد بأن يثور على تراتبية السلطة التي تقصي النساء والمثليين. يقف هذا النموذج على الطرف النقيض لنموذج الرجل المسلّح والعنيف الذي يتجلى من خلال تمثّل معايير الذكورة المهيمنة للأقصى، وبالتالي إنتاج نموذج متطرف يسحق معه حتى نموذج الديفولت مان، ملغياً جميع من هم أدنى منه في التراتبية الاجتماعية. العنف الجسدي واستخدام السلاح هو المعيار الأكثر تطرفاً للذكورة المهيمنة، هو الرغبة المطلقة في تمثّل معايير القوى. 

المتحرشون بالأطفال والمجرمون باسم الشرف هم من ضمن الأشكال التي تستمر بإيضاح الخلل في معايير الذكورة المُهيمنة، ومقدار الكبت الذي يعاني منه الذكور ضمن مجتمع بطريركي متصلب يهددهم بالخصاء عند التعبير عن رغباتهم. الصدمة التي يتعرض لها المجتمع من هذه النماذج تتعامى عن المعايير الذكورية التي يؤدي تمثّلها للأقصى إلى خلق هذه المسوخ المشوهة. يُشير بيري إلى أن النزوع إلى العنف عند الرجال هو أمر يتعلمه الصِبية منذ الصغر ضمن نظام خِصائي عنيف، ويرى أنه بالإضافة إلى عوامل الجهل والفقر والأبوة المسيئة، يقترف الذكور النسبة الأكبر من الجريمة لكونهم ضحية للذكورة المسمومة. الذكورة التي تبجل العنف والسيطرة والقوة. 

نرى على الصفحات الاجتماعية ترددات لذكورة مسمومة متنمرة تسيء لصورة المرأة الثائرة الحرة، فيتجاهل هؤلاء شجاعة وقوة النساء المساهمات في الثورات ويعانون الخوف من انتهاء عهد سيطرة الذكورة المهيمنة بنماذجها المَرَضية. هؤلاء لم يتوانوا عن التنمر على نماذج الذكورة الحرة، ونعت ممثليها بصفات تحقيرية لتبنيهم دعم النساء الثائرات. لم يتهاون بعض هؤلاء في شتم وتلقيب الرجال الأحرار بصفات «نعنوع» و«طنط»، واتهامهم بانعدام الشرف؛ الشرف الذي تلخصه الذكورة المُهيمنة بفرج النساء!

في مقابل ذلك نرى الصور المشرقة لشباب يقفون إلى جوار زميلاتهنّ وحبيباتهنّ وأمهاتهنّ بفرح واعتزاز بقوتهنّ وتقدير لمساهمتهنّ. هذا النموذج هو الشريك الذي نطمح أن نبني أوطاننا معه، شركاء متساوين تُميّزنا أعمالنا وإنجازاتنا لا جنسنا وديننا وأعراقنا. هذا الشاب الثائر هو التحدي الأكبر في وجه هذه الأنظمة، التي كرست لسنوات نماذج ذكورية مَرَضية. علينا دائماً ألا ننسى حضوره ودعمه في نضاله ضد العنف، الذي يطاله كما يطال النساء والمثليين.