عن السخرية من منظور فلسفات الأخلاق

 

لطالما عانت السخرية من نظرة سلبية في مسار تاريخ الثقافة الإنسانية عموماً، وكذلك الأمر مع الثقافة العربية، وقد امتدت هذه النظرة لتشمل الأسلوب الساخر الذي تقوم عليه بعض الفنون المسرحية والتشكيلية. فمثلاً، سادت نظرة تقديرية للتراجيديا على حساب الفن المسرحي الكوميدي منذ أن تذرّع العديد من مؤرخيّ الفن بتفضيل أرسطو التراجيديا في أول كتاب نقدي في التاريخ، فن الشعر، الذي لم يذكر فيه أرسطو فنّ الكوميديا، مع أن هناك من يرى أن القسم الخاص بالكوميديا في الكتاب مفقودٌ وليس منسياً، وهو ما حدا بالروائي أمبرتو إيكو إلى بناء روايته الشهيرة، اسم الوردة، على فكرة حادثة العثور على كتاب أرسطو عن الكوميديا.

في كتابه الهزل والسخرية من منظور فلسفات الأخلاق، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب عام 2018، يؤكد الباحث المغربي عبد الله الكدالي أن خطاب الهزل خطابٌ شائع وسائد يتداوله الناس بكل طبقاتهم وأصنافهم، وفي كل مناحي الحياة، في المسارح، ومدرجات الجامعات، والمقاهي، والملاعب، والبيوت، بل في الاجتماعات الهامة، وفي الجلسات الحميمية، ومن هنا تأتي الأهمية التي يحملها هذا الكتاب، وخصوصاً عند دراسة الهزل والسخرية من المنظور الذي يحمله العنوان، منظور فلسفات الأخلاق.

ينتقل الكتاب بالقارئ عبر المحطات الفلسفية الأخلاقية الأساسية التي تبدلت، تطورت، أو أدخلت تعديلات على النظرة الأخلاقية للهزل عبر تاريخ الفكر الإنساني، وذلك من خلال استعراض آراء وأفكار فلاسفة عديدين في موضوعة الهزل والسخرية.

الهزل والتنظيم المديني (أفلاطون)

أفلاطون هو الفيلسوف الأول في مسيرة التنظير للسخرية والهزل، ويرى مؤلف الكتاب عبد الله الكدالي أن جزءاً كبيراً من آراء أفلاطون حول الشعر ينسحب على خطاب الهزل، بوصفه خطاباً مُخرباً ومدنساً، بل إن بعض هذه الآراء والأحكام جاء بناءً على فهم مخصوص للشعر عند أفلاطون، فهم يختزل وظيفة الشعر في اللهو والتسلية والهزل، بحيث يسهم في حجب الحقيقة وصرف الناس عن الجد، وإلباس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق. وهذا ما يُلحق الأذى بالأفراد ويفضي إلى إفساد المدينة.

وعلى هذا الأساس كان الشعر عند أفلاطون مُرادفاً للهزل، خطابُ الشعر خطابُ غير جاد ولا يهمه مصير المدينة، فكل ما يشغل الشعراء هو خلق متعة عابرة في نفوس الأفراد. ويفسّر أفلاطون ذلك بكون الخطاب الشعري يُغذّي الانفعال بدلاً من أن يضعفه، ويجعل له الغلبة، مع أن من الواجب قهره إذا شاء الناس أن يزدادوا سعادةً وفضيلة.

فالشرّ أو الأذى أصله الانفعال، لأنه مخزن اللذات والميول الفردية. ولما كان الشعر يُغذي الانفعال لدى الأفراد، صار أداةً لإلحاق الأذى وطريقاً لنشر الفساد، ذلك أن الخير لا ينتشر بين الناس إلا إذا ضعفت انفعالاتهم، أو غابت وحلّ محلها التعقل. ولذلك يقع خطاب التعقل أو الخطاب الفلسفي في تصور أفلاطون، مقابلاً للخطاب الشعري، فالأول يضعف الانفعال ويقوي العقل، والثاني يضعف العقل ويقوي الانفعال. وعليه، ففي الوقت الذي يطرد فيه أفلاطون الشعراءَ من المدينة الفاضلة، يعتلي الفلاسفة فيها سدة الحكم.

وعلى هذا فإن هزلية الخطاب الشعري مُفسَّرة بكونه صادراً عن الشعور، بخلاف خطاب الجد الذي يصدر عن العقل. فموقف أفلاطون ليس موقف الفنان المبدع الذي يقدم الإمتاع على النفع، وحرية الإبداع على القيود الأخلاقية، بل موقفه موقف السياسي، موقف المربي، موقف رجل الأخلاق. مُنشئ الدولة يهمّه تنظيم المجتمع في كل زواياه وتوجيهه توجيهاً صارماً، بحيث يذوب الفرد في الجماعة، ويخضع لمقرراتها وضوابطها، ولا مكان فيه لحرية الفرد في التصرف والتقرير.

وتجدر الإشارة إلى أن تصورات أفلاطون في هذا الخصوص تتقاطع في بعض جوانبها مع تصورات مذهب الالتزام في الأدب، الذي يستبعد من دائرة الأدب كل عمل فني لا ينخرط في قضايا المجتمع وهمومه.

الهزل والنزوع النفسي (أرسطو)

إذن، انشغلَ أفلاطون بسؤال السعادة، بينما انشغلَ أرسطو بسؤال المتعة. ولذلك، كان المُخاطَب المُحتمل عند أرسطو في الخطاب الشعري عموماً، والخطاب الهزلي خصوصاً، محصوراً في فئة من الأفراد دون باقي الفئات، وهي الفئة التي تُؤثِرُ هذا الفن على غيره وتستمتع به أكثر من غيره، لأن المتعة لا تأتي من النصّ فحسب، وإنما من طبائع المُتلقّينَ أيضاً. في حين كان المُخاطب المُحتمل في الخطاب الشعري غير محصور في فئة بعينها عند أفلاطون، فكل أفراد المدينة هم مُتلقّون له مُحتملون، لأن التلقي مبنيٌ على الإسعاد لا على الإمتاع.

سعى أرسطو في فن الشعر إلى تجاوز نظرة أفلاطون الأخلاقية والنفعية، فاعتبرَ أولاً أن الفن تعبيرٌ عن روح الإنسان السامية، وعَمِلَ ثانياً على إزالة السمات والأوصاف الشريرة التي أسبغها أفلاطون على الملهاة، فحرّرَ الملهاة منها. لقدد حرّرَ أرسطو الضحك من انفعالات الجسد ونقاط ضعفه، إذ بينما كان ضحك أفلاطون مرتبطاً بالواقع الحياتي الفعلي، فإن ضحك أرسطو انتقل خطوة أكثر تقدماً إلى أعلى، فأصبح مرتبطاً بعالم الدراما أو عالم المسرح.

لقد فصل أرسطو بين عالم الفن والعالم الواقعي المادي، وبالتالي فصل بين عالم المتعة أو اللذة وعالم المنفعة، بين متطلبات الإحساس والشعور ومتطلبات العقل، فلكل منهما منطقه. لقد رأى أرسطو أن دراسة الفن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الغاية المرجوة منه، وأسلوب التواصل والتفاعل بين صانع الخطاب أي الفنان، والمُرسَل إليه أي المتلقي، والغايات المرجوة من هذا التواصل عبر الخطاب الفني.

الهزل وتحرير العقل (ديكارت)

درسَ رينيه ديكارت خطاب الهزل والمفاهيم المتصلة به كالفرح، والضحك، والبهجة، والسخرية، وغير ذلك، في معرض تفسيره لنشوء الانفعالات الإنسانية، إذ خصص له دراسة مفصّلة ودقيقة في كتابه انفعالات النفس، الذي كان آخر مؤلفاته. ويتبين من تفكيك الفيلسوف للانفعالات وتصنيفها أن خطاب الهزل غير مخصوص عنده بانفعال محدد من الانفعالات النفسية الستة التي رصدها، وهي: التعجب والحب والكره والرغبة والفرح والحزن. وإنما الهزل هو حصيلة تفاعلاتها الدقيقة والمعقدة.

يقول ديكارت في انفعالات النفس: «إن السخرية أو الاستهزاء هي نوع من الفرح ممزوج بالكره يأتي من أننا نلمس عيباً صغيراً في شخص نعتقد أنه يستحق مثل هذا العيب. في قلبنا كرهٌ لهذا العيب وفرحٌ أن نراه عند ذلك الذي يستحقه. وحين يحصل هذا بغتة فإن مفاجأة التعجب تكون سبباً في أننا ننفجر ضاحكين. غير أن هذا العيب يجب أن يكون صغيراً لأنه لو كان كبيراً لما استطعنا أن نعتقد بأن صاحبه يستحقه، إلا إذا كان من طبيعة سيئة جداً، أو كنا نحمل له كثيراً من الكراهية».

يستخلصُ المؤلف عبد الله الكدالي من كلام ديكارت أمرين أساسيين:

الأمر الأول يتصل بتقييد الأخلاق للهزل وضرورة رسم حدود أخلاقية له، وهذا ما يتبين في تمييزه بين استهزاء معتدل تناول العيوب الصغيرة التي يقدر الإنسان على تحمّلها، وهو مقبول عنده لأنه يقع في حدود المسموح بها أخلاقياً، وبين انفعال آخر لم يذكره بالاسم، وإنما تنطبق عليه سمات الدنيئين الحقودين، أو الحُسّاد الذي لا يهمهم سوى الإضرار بسعادة الآخرين.

الأمر الثاني يتعلق بالأثر المادي الذي يلازم الضحك، فهو نتيجة تجسد الأثر الفيزيولوجي للانفعالات المتفاعلة، أو لتفاعل انفعالات مخصوصة. فالضحك إذن شأنه في ذلك شأن البكاء، والتنهدات، والإغماء، والارتجاف، وغير ذلك، استجابةٌ مادية أو فيزيولوجية تومئ إلى حدوث تغير مفاجئ ما في الحياة الداخلية أو الانفعالية.

فالانفعالات برأي ديكارت كلُّها صالحة ونافعة شرط أن تكون خاضعة لمقتضيات العقل. وهكذا فإن السخرية المرحة والمضحكة فضيلةٌ محمودةٌ لأنها تهذب الأخلاق وتنمي الذكاء وتنشط القدرات الذهنية، أما السخرية المفرطة فرذيلةٌ منبوذةٌ ومرفوضة، لأنها تدمّر الأخلاق وتخرّب قيم الجماعة.

الهزل وتعقيل الحرية (سبينوزا)

يقوم الموقع الذي يشغله باروخ سبينوزا في التأريخ للنظر الفلسفي في علاقة الهزل بالأخلاق، على الأساس المنهجي والرؤية الفلسفية اللذين أرسا عليهما نظرته إلى موضوع الأخلاق عموماً، وإلى علاقة الأخلاق بالهزل على وجه الخصوص، وهو الذي قدّمَ دراسة علمية برهانية للأخلاق في كتابه علم الأخلاق.

يرى سبينوزا أن الخير لا يصدر عن الخوف من الموت، وإنما هو صادرٌ عن البحث المستمر عن النافع بوصفه قانوناً للحفاظ على الكيان. ويرى أن الأفكار الخرافية هي الصفة المناسبة لتلك الأفكار التي تجعل الخير فيما يجلب الحزن. إذن يقف سبينوزا ضد الأفكار التي تُقدِّمُ الحزن على الفرح، ويرى في هذا الخصوص أن الخوف هو سلاح الخرافة الذي تقاوم به العقل، وتمكنت به من الاستمرار والبقاء. يقول في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة: «فالخوف إذن هو السبب في وجود الخرافة وفي الإبقاء عليها وتقويتها».

إن لهذه الرؤية الأخلاقية أثراً عميقاً ليس على نظام القيم وفلسفتها فحسب، بل على الأساس الفلسفي للإبداع عموماً، والإبداع الأدبي تخصيصاً. فالمشروعية الأخلاقية التي كانت تستند إليها التراجيديا وبنت عليها رؤيتها للإنسان والكون والجمال وهيمنت بها على الساحة الإبداعية، قد تهدمت على يد سبينوزا، وفقدت كثيراً من المسوّغات والمبرّرات، وهذا ما أفسح المجال للكوميديا وخطاب الهزل لكسب المشروعية في التعبير عن قيم الجماعة وتمثُّل مقوماتها الجمالية، ومن ثم ليتبوأ مقدمة الأشكال الإبداعية، بل ويصير دالّاً على الكمال البشري وعلى نضج ملكاته وقدرته العقلية والإدراكية.

لقد استطاع سبينوزا برؤيته النقدية ومنهجه الاستنباطي الرياضي تشريح وتفكيك التصور الخرافي للقيم والأخلاق، الذي يسعى إلى تكريس ثقافة التثبيط والتيئيس. لذا كان سبينوزا واعياً بالارتباط الوثيق والضروري بين العقل والحرية، فالعقل لا يمكن في نظره أن يمارس وظيفته الحقيقية إلا إذا كان حراً، لأن الحرية لا تجتمع مع الخرافة كما أن العقلانية لا تنشأ في ظلّ الاستبداد.

يُضمر هذا الربط موقفاً إيديولوجياً وسياسياً عبر عنه بوضوح في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة، حيث يكتب: «إن الغاية من تأسيس الدولة ليس تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء، بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخداماً حرًا دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معاً دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقة من قيام الدولة».

الهزل والروح (كانط)

يحصر إمانويل كانط خطاب الهزل بالجسد دون الفكر، فالهزل برأيه لا يحمل على التفكير وإنما يحقق المتعة فحسب. كتب كانط في نقد مَلَكَة الحكم: «إن الموسيقى والفكاهة هما صنفان من اللعب يحتويان على أفكار جمالية أو تمثّلات فكرية، لكنهما، في نهاية الأمر، لا يحملان على التفكير، وإنما يمكن أن يسببا متعة نظراً لسرعة تناوبهما لا غير، وبهذا يشيران بوضوح كاف إلى أن التنشيط يتم بهما جسمانياً فقط، حتى لو كانت الأفكار هي التي تثيره».

وعلى هذا الأساس، اقترن مفهوم الضحك عند إمانويل كانط بالانفعال أو اللامعقول من جهة، وبالمفاجأة والزوال أو العدم من جهة أخرى. يكتسب خطاب الهزل برأي كانط هذه الصفات من تكوينه الانفعالي، وهي صفاتٌ تسمه بالنقص وانعدام الفائدة، وتوقعه في أسفل ترتيب أشكال الخطاب.

الهزل والوعي الذاتي (كيركجورد)

يميز سورين كيركجورد بين مراحل أساسية في حياة الفرد يدعوها بالمراحل الوجودية، وهي في تعاقبية تطورية تنقسم إلى: المرحلة الحسّية المباشرة، المرحلة الحسّية غير المباشرة وهي المرحلة الجمالية، والمرحلة الأخلاقية.

الإنسان في المرحلة الحسّية - الجمالية محكومٌ باللذة والألم وما يترتب عليهما، وفي المرحلة الأخلاقية محكوم بالخير والشر وما يترتب عليهما. فالمرحلة الحسّية المباشرة عند كيركجورد تشبه مرحلة الطفولة، بل هي مشابهة للمرحلة الفموية عند سيغموند فرويد، كما يرى المؤلف إمام إمام في كتابه مفهوم التهكم عند كيركجورد. ولقد شبّه بعضُ الدراسين المرحلة الحسّية المباشرة عند كيركجورد بما يسيمه علماء النفس «الهو»، فهي مرحلة تهيمن فيها اللذة والشهوة وتخلو من القيم والمبادئ، لأن الفرد فيها يفتقد إلى الحرية من جهة وإلى التفكير من جهة أخرى، بسبب عدم القدرة على التمييز بين ذاته وبيئته وعالمه، إذ المرحلة الحسية المباشرة لا تمايز فيها بين الذات والبيئة المحيطة بها، وتبدأ عملية التمايز في الظهور بالتدريج، وشيئاً فشيئاً كلما نمت اللغة وتطور معها الفكر.

ولذلك فإن التحول إلى المرحلة الثانية، الناتج عن التهكم، هو تطورٌ وسموٌّ من الأسفل نحو الأعلى، من الصبا إلى الرشد، من اللاوعي والغريزي إلى الوعي والاكتساب.

في كتابه بعنوان كيركجورد، يكتب فريتيوف برانت: «الأفراد الجماليون عند كيركجورد يرون اللذة هي الهدف من الحياة. إنهم يعيشون من أجل اللحظة الراهنة ويبحثون عن المتعة الشديدة. إن الجماليّ لا يلمس إلا سطح الحياة وفي محيط الحياة الهامشي. أما بالنسبة للإنسان الأخلاقي فيكون معنى الحياة هو العيش بمقتضى المسؤولية والواجب. وعلى حين أن الجمالي يعيش دائماً وهو ابن اللحظة، يعيشُ الأخلاقي في الزمن، بمعنى أن حياته لها استمرار تاريخي، ويكمن العامل الحاسم في اختياره أن يعيش حياته تحت سيادة مقولتي الخير والشر ومقولات الأخلاق، على حين يظل الجماليّ خارجها ولا يسمح لنفسه أن تسترشد إلا بالمقولات الجمالية، مثل اللذة والضرر والجمال والقبح والمصلحة والعبء والاهتمام وعدم الاكتراث».

وهكذا يلعب التهكم عند الفيلسوف كيركجورد دوراً في تكوين وعي الفرد، في انتقاله بين مرحلتين من مراحل الوجود أو الحياة، المرحلة الجمالية والمرحلة الأخلاقية. وعلى هذا الأساس يكتسي التهكم عند كيركجورد طابعاً تطورياً ومضموناً إدراكياً أو معرفياً، فهو ليس مجرد شكل تعبيري خال من أي معنى كما يذهب إلى ذلك هيغل، وليس موقفاً تدميرياً وتخريبياً للقيم والأخلاق، وللفن أيضاً، وإنما هو نهجٌ من التحصيل والإدراك يطوِّرُ به الإنسان إدراكه للحقيقة والوجود، ويتجاوز به بدائيته التي اصطلح عليها هذا الفيلسوف بـ «المرحلة الحسّية».

التهكم إذن، هو صلة وصل بين مرحلتين من مراحل الحياة، المرحلة الجمالية والمرحلة الأخلاقية، إذ لا يمكن في نظر كيركجورد الانتقال إلى المرحلة الأخلاقية وإدراك مضامينها القيمية إلا من طريق التهكم. وبالتالي فإن نشوء الهزل، مرتبط عنده بعنصرين أساسيين، هما، الوعي واللغة، وهما عنصران مترابطان يستلزم كل منهما الآخر.

يكتب إمام إمام في كتابه كيركجورد رائد الوجودية: «إذا كانت الفلسفة تبدأ من الشكّ، فإن الحياة الشخصية الأصلية تبدأ من التهكم، وهكذا أراد كيركجورد أن ينقل نتائج الفلسفة إلى الحياة الشخصية بحيث يعيشها المرء ويستحوذ عليها».

الهزل والتقويم المجتمعي (برغسون)

الضحك في نظر هنري برغسون علامة الإنسان، فهو أبرز علامة يمتاز بها الكائن البشري من باقي أصناف الحيوان، ففي كتابه الضحك، اعتبرَ أن الإنسان هو الحيوان الذي يعرف كيف يضحك، فكل شيء من حيوان أو جماد لا يضحك إلا إذا كان فيه بعضٌ من الإنسان، بعض من التفكير والتدبير، لأن الإنسان يضحك بهذا الفكر الذي يميز بين الثابت والمتغير، بين الأصل والفروع، ويحدد به الخصوصي والمشترك: «من أجل فهم الضحك، يجب وضعه في وسطه الطبيعي الذي هو المجتمع، ويجب بشكل خاص تحديد وظيفته المفيدة، التي هو وظيفة اجتماعية: تلك هي، ولنقلها منذ الآن، الفكرة الموجِّهة لكل بحوثنا. إن الضحك يجب أن يتجاوب مع بعض متطلبات الحياة المشتركة. إن الضحك يجب أن تكون له وظيفة اجتماعية».

وعلى هذا الأساس كان تمييز برغسون بين خطاب الهزل أو الكوميديا وخطاب التراجيديا بناءً على الأبعاد الفردية والجماعية المُعبَّر عنها في سلوكيات الأفراد وتصرفاتهم، ففي التراجيديا يكون مصير الفرد مثيراً للشفقة، أما في الكوميديا فيكون الفرد علامة على فئة أو جماعة. في الدراما، حتى عندما تصور لنا الأهواء أو العيوب، فإننا لا نعود نفكر في هذه العيوب، بل في الشخص الذي تجسدت فيه، ولهذا فإن عنوان الدراما غالباً ما يكون اسماً علماً. وبالعكس فإن الكثير من الكوميديا يحمل اسما مشتركاً: البخيل، المقامر.

يتابع برغسون في كتابه الضحك قائلاً إن الفرد لا يكون موضوعاً في خطاب الهزل، من حيث هو ذات لها مشاعر وأحاسيس، وإنما الموضوع هو الجماعة أو الفئة المصنفة من قبل المجتمع وفقاً لهذا السلوك الخارج عن النظام القيمي أو الأخلاقي، كفئة البخلاء، أو فئة البُلداء، أو غيرهما. الضحك بهذا المعنى ضربٌ من الخطاب التقويمي.

يكتب زكريا ابراهيم في كتاب سيكولوجية الفكاهة والضحك: «ومن هنا فإن الأخلاق تتصل عند برغسون في موضوع الهزل بالميكانيكا اتصالاً دقيقاً وواضحاً، إذ لمّا كان سبب الضحك في نظر برغسون هو تصرف الإنسان كما تتصرف الآلة بغير تمييز أو تكيّف أو مرونة، فإن من الطبيعي أن تكون وظيفة الضحك عنده هي القيام بدور المقوِّم الاجتماعي الذي يتطلب من كل فرد منا حظاً غير قليل من المرونة والتكيّف مع الحياة».

الهزل والصراع الاجتماعي (باختين)

كشف ميخائيل باختين في دراسته لتاريخ نشوء الهزل وتوظيفه في الاحتفالات الشعبية وفي بعض الأجناس الأدبية، الأجناس السردية على وجه الخصوص، أبعاداً مختلفة لعلاقة الخطاب المضحك بالنظام القيمي والأخلاقي. فهو يرى أن نشوء الهزل وتوظيفه في الأشكال التعبيرية والاحتفالية القديمة لم يكن تلبية لميولات فردية، ولا استجابة لرغبات عابرة، وإنما هو استجابة لحاجة جماعية، ولضرورة ثقافية – اجتماعية للتعبير عن موقف محدد تجاه ما هو سائد ومُهيمن قيمياً وثقافياً.

ومعنى ذلك أن نشوء خطاب الهزل اقترنَ بتشكل وعي جماعي نقدي له رؤية خاصة تجاه العالم، رؤية نقدية وتحررية وثائرة على الوضع القائم، على الإيديولوجية الرسمية السائدة. ويسمي باختين هذه الرؤية أو هذا الموقف بـ «الموقف الكرنفالي من العالم»، لأن خطاب الهزل تشكّلَ أولاً في نظره، في الاحتفالات الشعبية الكرنفالية قبل أن ينتقل بعد قرون عدة إلى باقي أشكال التعبير والإبداع، انتقالاً تمّت المحافظة فيه على الروح الكرنفالية.

وهذا ما يفسر موقف المؤسسة الرسمية في العصر الوسيط، الرافض لخطاب الهزل، وحرصها الشديد على إبعاده عن كل مظاهر الحياة العامة وعن كافة الأشكال التعبيرية التي تُجسد السلطة الرسمية وتؤسس لنظامها القيمي والثقافي. لقد تمت إزاحة الضحك من الشعائر الدينية ومن الطقوس الإقطاعية والدولتية، ومن قواعد اللياقة الاجتماعية، ومن كل أجناس الإيديولوجيا السامية.

موقف السلطة الرسمية من الضحك مبنيٌّ على إيديولوجيتها الزهدية التي تكرّس القمع من جهة، وتزرع الاستسلام والتلذذ بالألم والمعاناة من جهة أخرى. فالسلطة الرسمية تسعى إلى تكريس ثقافة الخضوع والخوف، ولذلك تتوجس من خطاب الهزل الذي يستبدل التبجيل بالنقد، والخضوع بالحرية، والخوف بالانتصار.

الهزل في الجنون الاحتفالي ينتقد الصرامة العقلية الرسمية ونزوعها نحو تقييد الحقيقة وعزلها عن العالم المادي وفصلها عن التطور والتغيير والتعدد، فالهزل بذلك حاملٌ لقيمة النسبية والتعدد، والنزوع الثوري لخطاب الهزل جعله يعارض كل أشكال التقنين وسنّ المعتقدات، لأن المعتقدات والقوانين تحدُّ من حرية الإنسان ومن فاعليته، وتضعه دوماً في موضع المتهم والمذنب.

خاتمة

يكتب المؤلف عبد الله الكدالي في الخاتمة: «تاريخ الضحك تاريخ الإنسانية، تاريخ الحضارة، ولذلك كان البوابة التي طرقها الفلاسفة لبناء الدولة المثالية، المدنية، الديمقراطية، التقدمية، العادلة تارةً، ولبناء الفكر تارةً أخرى».

يرى المؤلف الكدالي أنه ومهما تباينت التفسيرات والتسويغات وتفرعت مذاهب الأخلاق وفلسفاتها في مقاربة الهزل والكشف عن وجوه علاقته بالأخلاق والقيم، فإنها جميعاً محكومة برؤيتين فلسفيتين كبيرتين: 1- رؤية تجديدية ثورية تناصر الهزل وتدافع عن الحق في الضحك سبيلاً للدفاع عن الحق في التفكير. 2- ورؤية تنابذ الهزل وتعاديه وتدعو إلى لفظه وإبعاده من الحياة العامة والخطابات الإبداعية سبيلاً لتوفير الاحتماء وتحقيق الاستقرار واستمرار الجنس البشري.