عن الضحيّة

نُشر المقال مطلع كانون الأول الماضي في مجلة CTXT الالكترونيّة الإسبانيّة.

استطاعت كلمة ضحيّة أن تتغلغل في مفردات لغتنا، وهي اليوم حمّالة تغيّرات دلالاتية هائلة، إذ تمكنت من مسح كلمات أخرى كثيرة. بمعنى أن أي إنسان مُغتصب أو مُحتجز أو مُعتدى عليه أو مُباد أو مهزوم أو مُستغَل أو مخدوع أو مقتول هو اليوم ضحيّة. ليس هناك في اللغة كلمات كثيرة حازت على هذا القدر من النجاح، ففي اللغة، كما في الحياة، يعني النجاح أن يتحدّث الناس عنك كثيراً، وهذا ما حصل لكلمة ضحيّة مقابل كلمات أخرى. تعني خسارتنا للكلمات أننا نخسر قدرات تعبيرية عن فروقات دقيقة، ما يعني كارثةً حقيقية، خصوصاً إن فكرنا في أصول المعنى المُعاصر لكلمة ضحيّة. إنه معنى مطلق النُبل، بل يمكن القول أنه انتصار لِسانيٌ غير مُتوقّع.

في معناها الحالي، وُلدت كلمة ضحية -أو بالأحرى تجوهَرت- خلال محاكمة إيخمان عام 1962. كانت هذه المحاكمة مرشّحة لأن تكون حدثاً عظيم الأهمّية، إذ كانت تلك أول محاكمة كبرى، بعد محاكمات نورمبرغ، سيتكرّس فيها معنى وبُنية مفهوم الجرائم ضد الإنسانية. كانت محاكمة مُكلفة وصعبة الحصول، لدرجة أنها، فعلياً، كانت نتيجة «هدية» قدّمها المدّعي العام الألماني، الذي كان قد اكتشف وجود إيخمان في الأرجنتين، لكنه اكتشف أيضاً أن محاكمته في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية لم تعد ممكنة. حينها، وبفعلٍ عادل وإن خارج عن القانون، قرّر إهداء الأدلة لإسرائيل اليافعة. كان من المُفترض أن تثبت المحكمة مَنهَجة الإبادة النازية، وآثارها السياسية والاقتصادية والمدنية، ووحشيتها، وأيضاً اعتياديتها. شارك المئات من الأشخاص بأرقامٍ موشومة على أذرعهم كشهود، وبعضهم فَقَدَ وعيه خلال الاستجواب. لم يكونوا قد تحدّثوا قط عمّا عاشوه، ولا حتى في إسرائيل، ففي هذا العالم الإنساني ليس من المُعتاد أن يتحدّث من عانى عنفاً منفلتاً عن مُعاناته.

كان من المُفترض أن تغيّر هذه المحاكمة العالم، أي أن تفسّره. وكثافة التغطية الإعلامية التي رافقت المحاكمة دليلٌ على هذه الإرادة. كانت أول محاكمة في التاريخ تُنقل مجرياتها إلى كلّ العالم، فقد كان يجري نقل مئات الأشرطة الفيلمية من تل أبيب إلى جميع أنحاء العالم بعد تحميضها كي يتم عرضها في النشرات الإخبارية. شاهد العالم المحاكمة في أيامها الأولى بهلع، ولاحقاً -يُروى لي- ببعض الملل، وفي النهاية، أدى انطلاق السباق الفضائي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة إلى تناقص الاهتمام بالمحاكمة. لسببٍ أو لآخر، يبدو أن الإنسانية عاجزة على متابعة أكثر من رسالة كبرى واحدة في الوقت نفسه، ويُفضّل أن تكون الرسالة مرتبطة بالصعود إلى السماوات أكثر من أن تتعلّق بالهبوط نحو الجحيم. لو راجعنا تلك اللحظة الآن، بعد عقودٍ، ببرود، لوجدنا أن كلمة ضحية، والتي فُكّ غِلافها في تلك المحاكمة، كانت الشيء الوحيد الذي أضافته تلك المحاكمة للحياة الإنسانيّة اليومية.

لم يتوقّف نمو كلمة ضحيّة منذ ذلك الحين، وقد تمكّنت من التغلغل في مفردات العالم الأول اليوميّة. لقد ألغى العالم الأول كلماتٍ أخرى كثيرة، فأي إنسان مُغتصب، أو مُعتدى عليه، أو مُحتجز، أو مُباد، أو مهزوم، أو مُستَغَلّ، أو مخدوع، أو مقتول، هو اليوم ضحيّة. قليلةٌ جداً تلك الكلمات التي لاقت هذا القدر من الانتصار، أو، بقولٍ آخر، لم يسبق أن هُزم هذا العدد الهائل من الكلمات. هؤلاء الناس المغتصبون، والمُعتدى عليهم، والمُحتجزون، والمُبادون، والمهزومون، والمُستغَلّون، والمخدوعون، والمقتولون يجدون أنفسهم اليوم وقد اعتُرِفَ بهم، ولكن يجدون أيضاً أنه قد تم استبدالهم بـ «ضحايا». أي تمّ تحويلهم إلى شحنة عاطفية. قد يحصلون على اعترافٍ بمعاناتهم، لكن دون أن يحصلوا على أكثر من هذا، مثل ردّ الاعتبار لهم، أو تعويضهم قانونياً. الضحية هي قيمة عاطفية وشاعرية، وبالتالي يستحيل جبر ضررها.

لم يسبق أن احتوى العالم الأول على هذا القدر الهائل من الضحايا، في الوقت نفسه الذي نجد فيه أقل درجات جبر الضرر في التاريخ. يبدو أن الأولى تؤدي إلى الثانية، وبالتالي يصير التركيز على واحدة مانعاً للاستفاضة في الحديث عن الأخرى.

لقد سُمِحَ لنا أن نكون ضحايا، لم يكن من الممكن أكثر من هذا.