عن الضمانات والمصالحة: تجربة الجنوب السوري

 

تواصل قوات النظام وأجهزته الأمنية تضييق الخناق على قادة وعناصر فصائل المعارضة المسلحة والناشطين المدنيين، الذين اختاروا طريق «المصالحة» بهدف البقاء في الجنوب السوري بعد سيطرة النظام عليه صيف العام الماضي. وقد تنوعت الأساليب التي تم استخدامها طيلة الأشهر الماضية، من اغتيالات طالت قادة الصف الأول لبعض هذه الفصائل، إلى اعتقالات بعد رفع دعاوى «الحق الشخصي» ضد شخصيات وقيادات في المعارضة، بالإضافة إلى القوائم الطويلة التي تضم أسماء آلاف المطلوبين للخدمتين الإلزامية والاحتياطية، والتي تم تعميمها على الحواجز ونقاط التفتيش، وهو الأمر الذي دعا إلى خروج مظاهرات احتجاجية، كان آخرها يوم الثلاثاء الماضي، تطالب الضامن الروسي بالوفاء بتعهداته التي تم الاتفاق عليها. 

ولا نستطيع أن نعرف ما إذا كان هذا المصير غائباً عن أذهان القادة العسكريين والوجهاء المحليين الذين لعبوا دوراً في إبرام «المصالحات»، وفي تشجيع الناس على البقاء في مناطقهم بدل الخروج إلى الشمال، لكن ظروفاً عديدة ومعقدة لعبت دوراً في ذهاب معظم المقاتلين والسكان في درعا والقنيطرة إلى هذا الخيار، من أهمها تراجع ثقة المكونات الأهلية العائلية والعشائرية في درعا والقنيطرة بقادة الفصائل من أبنائها، بعد أن بينت الحملة العسكرية عدم صحة التطمينات التي كانوا قد حصلوا عليها من داعميهم الإقليميين والدوليين، وفي الوقت نفسه تخوف هؤلاء القادة من تحمل نتائج وتبعات أي قرار لوحدهم، بعد أن تخلّى عنهم داعموهم قبيل المعركة الشاملة والحاسمة.

ترافق كل ذلك مع وعود وتطمينات روسية بعدم محاسبة قادة الفصائل، والسماح لهم بالاحتفاظ بسلطتهم ضمن مناطقهم في حال الدخول في «المصالحات»، وفي الوقت نفسه وعود وتطمينات مشابهة لوجهاء العائلات والعشائر، تقضي بحماية أبنائهم الذين يشكلون قوام الفصائل التي خرجت عن حكم الأسد، لينتهي كل ذلك إلى رأي غالب بضرورة القبول بالتسويات وفق الضمانات الروسية، اتفق عليه معظم قادة الفصائل والوجهاء المحليين في الوقت نفسه.

وبالنتيجة، فإن قلّة قليلة رفضت تلك المصالحات وآثرت الخروج إلى الشمال السوري، فيما ذهبت النسبة العظمى إلى «المصالحات» بالاعتماد على الفكرة القائلة بضرورة عدم إفراغ المنطقة من مكوناتها بالتهجير إلى الشمال، وفي الوقت نفسه بضرورة حماية المدنيين وتجنيبهم ويلات القصف والدمار، الذي أوقعته أسراب الطائرات الروسية بالمناطق التي رفضت هذا الخيار، مثل بلدتي الحراك وبصر الحرير في الريف الشرقي.

لم تغب الفصائلية ذات البعد العائلي والعشائري عن مناطق الجنوب السوري بعد عقد التسويات، فقد التحق كل فصيل بجهة عسكرية مختلفة تابعة للنظام، بهدف ضمان الحماية للمنطقة والمكون الأهلي الذي يمثله الفصيل، والحفاظ على بعض السلطة والميزات، فكانت فصائل ريف درعا الغربي من نصيب الفرقة الرابعة والأمن العسكري، في حين كانت فصائل ريف درعا الشرقي من حصة الفيلق الخامس التابع لروسيا، ولم تغب إيران عن تقاسم «الكعكة البشرية»، فكان لها نصيب محدود من العناصر الذين التحقوا بميليشيات تابعة لها.

لكن النظام ما كان ليسمح لقادة الفصائل بالحفاظ سيطرتهم وسطوتهم التي استمرّت بشكل أو بآخر بعد توقيع «المصالحات»، وذلك لعلمه بقدرة هؤلاء القادة، أبناء العشائر والعائلات، على قلب موازين الأمور في حال تغيّر الظرف السياسي والعسكري، وخاصة مع عودة بعض التحركات الشعبية المعارضة، مثل كتابة الشعارات على الجدران والتظاهر. وهكذا بعد أن ساهم هؤلاء في تحقيق «المصالحات» التي يريدها النظام، بدأ العمل على القضاء عليهم تباعاً بكل الطرق الممكنة.

اعتقل النظام العشرات من قادة الفصائل المصالحين، خاصة أولئك الذين لم يتبعوا لجهة أمنية أو عسكرية بعد المصالحة، أمثال عثمان الجليحي الملقب «جدّي»، وعبد السلام البرغش الملقب «سلوم»، وزياد الناصر الملقب «الخليلي»، وهؤلاء جميعاً من مدينة إنخل، وقد اعتقلتهم المخابرات الجوية في تشرين الأول الماضي. ثم شملت الاعتقالات أيضاً أولئك الذي انضموا إلى جهات عسكرية أو أمنية في النظام، مثل ياسر الرشدان قائد لواء المهام الخاصة في فرقة مجاهدي حوران سابقاً، والذي تم اعتقاله في قبل الأمن العسكري رغم عمله لصالح ميليشيا النمر. وأيضاً تم اعتقال سليمان القداح القيادي في لواء فلوجة حوران، الذي التحق بالأمن العسكري بعد تسوية وضعه. وخالد الحريري قائد المجلس العسكري في بلدة بصر الحرير والمتحدث باسم فرقة عامود حوران، الذي بات يعمل بعد التسوية تحت قيادة الروس مباشرة، ثم تم اعتقاله في محافظة حمص، وقد تحدثت أنباء عن أن اعتقاله جاء أثناء قيامه بتهريب عائلات إلى الشمال السوري مقابل مبالغ مالية. مصطفى الكسم قائد لواء خالد بن الوليد في درعا البلد، وقد التحق بعد المصالحة بصفوف الأمن العسكري، وتم اعتقاله من قبل الفرقة الرابعة، ليخرج بعد يومين من الاعتقال بوساطة روسية. كما لم يقتصر ملف الاعتقال على القيادات العسكرية، بل تم اعتقال محمد أحمد شريف، قاضي الأحوال المدنية في محكمة دار العدل بحوران، ومعه قضاة آخرون سابقون من منازلهم، وذلك رغم تسوية أوضاعهم. 

فضلاً عن الاعتقالات، تم اغتيال قادة عسكريين سابقين عديدين، وكانت الجهة المنفذة دائماً مجهولة. وإذا كان هناك إشارات تفيد باغتيال بعضهم من قبل عناصر الحراك الثوري الشعبي، إلا أن ظروف اغتيال معظمهم تشير إلى مسؤولية النظام، كما في تصفية غانم جاموس رئيس مخفر شرطة داعل التابع لفصائل الجيش الحر، والذي اعتقل من قبل المخابرات الجوية بعد اقتحام منزله، ليجد الأهالي جثته صباحاً في محيط البلدة. وممن تمت تصفيتهم أيضاً يوسف الحشيش الملقب بـ «الجمل»، أحد القادة البارزين في جيش المعتز بالله، والذي تم اغتياله في بلدة مزيريب، وكان الجمل قد انضم إلى فرع الأمن العسكري، وقبل ذلك كان قد انضم بعد المصالحة إلى الفيلق الخامس قبل أن تحله روسيا في الريف الغربي من درعا منتصف أيلول الماضي. كذلك تم اغتيال مشهور كناكري، قائد في اللواء الرابع التابع لفصيل مجاهدي حوران، الذي كان قد ساهم في التسليم لقوات النظام مباشرة دون الوساطة الروسية، وهو أول قيادي من فصائل المصالحات ظهر على شاشات إعلام النظام و تحدث عن «تطهير داعل من المسلحين». كذلك تم اختطاف ثم تصفية منصور الحريري القيادي السابق في لواء فلوجة حوران، وعمر الشريف القيادي السابق في جيش اليرموك، وتشير تقارير إلى أن تصفيتهما تمت من قبل حزب الله اللبناني.

يهدف النظام من خلال هذه الاغتيالات والاعتقالات إلى سلب المكونات الأهلية العشائرية والعائلية فعاليتها تماماً، عبر اغتيال واعتقال القادة الذين يمثلون هذه المكونات في التشكيلات العسكرية، وهو ما يمهد الطريق لإدراج لعناصر التابعين لهؤلاء القادة مباشرة في القطاعات العسكرية، أفراداً وليس جماعات، إذ يصبح العناصر في غياب قادتهم مجرد مقاتلين يمكن الزجّ بهم في جبهات متفرقة. وبالرغم من تمديد المهلة المتفق عليها لالتحاق المطلوبين بالخدمة العسكرية لستة أشهر أخرى، وذلك بهدف تخفيف الاحتقان بعد الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، إلّا أن ما حدث خلال الأشهر الماضية يعني أن النظام مصرّ على قطاف ثمار المصالحة كلها، بما فيها سلب المجتمع المحلي أي قدرة على التأثير والفعل.