عن الفقدان تحت ظلال سيوف داعش

 

«الجنة تحت ظلال السيوف»، عندما قرأتُ هذه العبارة للمرة الأولى في نهاية 2013 على مدخل مدينة الرقة لم أكترث لها، وضحكتُ كعادتي من كل ما يصدر عن داعش، والحقيقة أن ما لفتَ انتباهي وقتها هو أن الحائط كان قد تمَّ طلاؤه مؤخراً، فَرُحتُ أحاولُ أن أتخيلَ ما كان مكتوباً عليه قبلها، هل كانت عبارات ثورية، أم واحدةً من عبارات النظام؟

بعد مرور العام الأول ثم الثاني على وجود التنظيم، أصبحَ الوضع مختلفاً كلياً، والأحكام التي كنتُ أُصرّحُ بها باستهزاءٍ من «دولتهم» غالباً، أصبحت مزيجاً من الحقد والتعاطف وجلد الذات والشعور بتحمل قسم كبير من مسؤولية هذه الكارثة. وفي كل مرة أزور الرقة كنتُ أحاولُ جاهدةً الجلوس بالقرب من النافذة على الجهة اليمنى، لأقرأ ما كُتِبَ على الجدران، ودائماً كان هناك جملٌ جديدة، باستثناء تلك الجملة قد بقيت على حالها، ولكنني لم أعد أفكر بما يمكن أن يكون قد كُتِبَ قبلها على الجدار نفسه، وأصبحتُ على يقين تام بأن ما يجب أن يكتب هو: «الجنة تحت أقدام الأمهات»، خاصةً بعد أن تضاعفَ عدد الملتحقين بداعش، وبالتالي تضاعفَ وصول تلك القطع الصغيرة من الورق إلى أهالي عناصر التنظيم: «خبر الوفاة والتعزية».

هي عبارةٌ عن قصاصات صغيرة من الورق، التي كُتِبَ على كل واحدة منها اسمُ الفقيد، يقوم مكتب الموتى بتسليمها لأهله، وتسليم جثته أيضاً في حال توفرها، وهو ما يحدث في حالات نادرة جداً، إذ غالباً ما يتم الدفن في أرض المعركة، أو يتم الانسحاب وترك الجثمان في حالات القصف العنيف، فلا يوجد له أثرٌ بعدها أبداً.

تلك القطعة الصغيرة من الورق هي ذاتها التي تلقتها أم محمد قبل أكثر من عام ونصف، عندما توقفت سيارة التنظيم أمام منزلها صباحاً. أمسَكَت الورقة وأخبرتهم أنها لا تجيد القراءة، ليخبرها أحدهم أنها تحتوي على خبر وفاة ولدها البكر محمد، ويتابع: «لكم مبلغٌ من المال تعزيةً من الدولة، وقدره 700 دولاراً»، وهو المبلغ ذاته الذي يُسلَّمُ تعزيةً لكل من فقد ولده مع التنظيم.

انهارت أم محمد، وبدأت بالصراخ عليهم وشتمهم ورميهم بالحجارة حتى وقعت أرضاً، أما هم فلم يكترثوا، وتابعوا طريقهم بزفِّ بشرى الموت للأمهات. «إنهم حفارو القبور» كما تصفهم أم محمد، فمحمد ابن التسعة عشرَ عاماً، الشاب المبتسم الهادئ، لم يكن يُظهِرُ أي ميول لداعش، وكلما أشتدَّ النقاش حولهم كان يكتفي بالصمت والمتابعة فقط.

منذ بداية الثورة، وبعد انقطاع التدريس في ريف دير الزور الغربي بسبب القصف المستمر من النظام، نسيَ محمد فكرة إكمال تعليمه، وأصبح إسقاطِ النظام أكبر اهتماماته. في البداية حاول الالتحاق بجبهة النصرة أو الجيش الحر، العدو الأول لداعش، فرفضَ أهلُه ذلك بسبب قتال هذه الفصائل لبعضها بعضاً في دير الزور. حاولوا بشتى الطرق إقناعه، فعرضوا عليه دفع تكاليف هجرته إلى البلد الذي يختاره ليكمل تعليمه، فرفض. ثم حاولوا تزويجه فبدأوا ببناء بيت له، وعرضوا عليه أن يختار أي عمل يحبّ ليعطوه رأس المال الكافي للبدء به، لكنه رفض كل المغريات التي يمكن أن تؤثر بمن هم في مثل عمره، وكان يأخذ حديثهم على محمل المزاح.

حتى جاء اليوم الذي ذهب فيه محمد إلى السوق لجلب الخضار من أجل الغداء، تقول والدته: «وقفَ على باب المطبخ وقال لي: أم محمد، أنا ذاهب إلى السوق. فودَّعتُهُ وفي قلبي غصّةٌ أخبرتني أنه لن يعود. استعذتُ بالله من الشيطان وأكملتُ عملي، لكن تلك الغصّة كانت تزداد كلما تقدَّمَت۟ عقارب الساعة من الظهيرة ولم يعد، حتى عاد ابن جارنا بدراجته والخضار وأخبرني أن محمد أوصاه أن يعيدها إلى المنزل، وقال إنه التحق بمعسكر للتنظيم في مدينة حمص».

منذ ذلك اليوم حلَّت الكارثة في قلب أم محمد، التي توقفت عن الأكل لأيام على أمل أن يصلهُ خبرٌ عن حالها فيعود، حتى أنهكها المرض، ولم يَعُد. لم تترك عائلة محمد مسؤولاً في التنظيم دون أن تطرق بابه بحثاً عن ولدها دون جدوى، لم يجدوا سوى رسالة كان قد تركها في كتبه قبل اختفائه، يعتذر فيها من أمه وأبيه ويدعوهم إلى أن يسامحوه على قراره، قائلاً إنه لن يعود أبداً، وكتبَ فيها أنه لم يعد يستطيع أن يستوعب حجم الظلم الذي لحق بهم وبالثورة من كل العالم، والصمتُ على هذا يؤرق روحه، لذلك اختار الالتحاق بداعش آملاً أن ينال الشهادة!!

تقول أمه: «كعادته، أوفى بوعده ولم يَعُد». مرَّ اليوم عامٌ ونصف على مقتله، ولا تزال أم محمد تجوب المدن من الحدود العراقية شرقاً حتى حلب غرباً وحمص شمالاً، تبحث عنه، فهي ترفض فكرة أن يكون ميتاً دون قبر يدلُّ على ذلك، وهي في داخلها ترفض فكرة موته كلها، وكانت تردِّدُ دائماً كلما التقيتُها بحكم وجودنا في القرية ذاتها: «كنتُ كل مساء أقوم بجمع الحجارة من الطريق المؤدي إلى المسجد خوفاً عليه أن يتعثر بأحدها عندما يذهب إلى صلاة الفجر، ليته تعثَّرَ بأحدها وفقد قدمه، فبقي عندي ولم أخسره كاملاً، ليته تَعثَّر».

تُلملمُ دموعها، وتدعو ألّا تطول بها الحياة حتى تراه.

فالحياة التي كانت طويلة لدى أم محمد، قَصُرت أمام أم حسن، لتموت في الأربعين من عمرها حزناً وقهراً بسبب التحاق ولدها بداعش. ينتمي حسن ابن التاسعة عشرة لعائلة انحازت للثورة منذ بدايتها، الأب مريض سرطان، ومع ذلك سافرَ منذ بداية الثورة إلى مدينتي حمص وحماة، وعمل على انشقاق ولديه من ثكنتيهما العسكريتين في جيش النظام بنفسه، ليبرئ نفسه أمام الله قبل وفاته. التحقَ أولاده بالثورة، وكان راضياً كل الرضا عن ذلك، مؤمناً أن النصر يحتاج إلى تضحية، وحتى في أيامه الأخيرة لم يمنعه مرضه من أن يحمل سلاحه ويرابط ليلاً على مدخل قريته لصد هجمات النظام المتوقعة.

لا يغيب عن بالي وجهه المتعب وهو في أيامه الأخيرة، وكلما رآني كان يطرحُ عليَّ السؤال ذاته: «متى ننتصر يا خالو» كما يحبُّ مناداتي. بعد وفاته ظهر تنظيم داعش، فالتحقَ ولده الرابع حسن بهم فور ظهورهم في دير الزور. كان طفلاً في الرابعة عشر من عمره، تفتحت عيناه فوجد داعش وجبهة النصرة أمامه على الأرض، وطائرات النظام في السماء، فحزَمَ أمتعته وكانت وجهتُه الجبهة، ولكنه في الطريق التقى بصديقه، الذي أخبره أنه إذا كان يريد الجهاد الحق، فإن عليه بداعش. التحقَ بهم مبرراً ذلك بأن العالم كله يقاتلهم إلى جانب النظام، فيما التحق صديقه صاحب النصيحة بالنصرة وقُتِلَ بعدها بنحو سنة!!

حاول أهله وأقرباؤه منعه دون جدوى، وأكثر من استمرّ بالمحاولة «حتى الموت»، كانت والدته. كانت نقطة رباطه على أطراف مدينة دير الزور من جهة الرقة، وكان ريف دير الزور الغربي في مطلع 2014 مقسماً بين داعش والجيش الحر. وفي ظلّ الاشتباكات المستمرة بين الطرفين، كان يصعب التنقل بسيارات، فكانت الأمّ تسير على قدميها لتتجاوز أربع بلدات يسيطر عليها الجيش الحر، وتصل إلى البلدة الخامسة حيث داعش، لتجلس على مدخل مقره العسكري تنتظر أن يُسمَحَ لها بالدخول، أو أن يرِقَّ قلبه ويخرج هو إليها، ودائماً كانت تبوء محاولاتها بالفشل، وتنتهي بالصدام مع عناصر التنظيم، حتى أصبحت معروفة لدى الجميع، فهي لا تغادر المكان حتى يجبروها على ذلك بالقوة. وفي أكثر من مرة كانوا يتقدمون إليها بالدبابة ويضعون فوهتها على جسدها مهددين إياها بالموت علّها تبتعد، لتصرخ بهم: «أقتلوني وريحوني من هالعذاب». وفي أحيانٍ أخرى كانت تنهال عليهم بالضرب بالحجارة، أو تبدأ بنثر التراب فوق رأسها والبكاء، حتى يصل بهم الحال إلى أن يتعاطفوا معها ويتحدثوا إليها بأن ولدها هو من يرفض مقابلتها، وأنه لا أحد يستطيع أن يجبره على لقائها، وهكذا في كل مرة كانت تعود خائبة متعبة مكسورة. في كل مرة كنّا نسألها باستغراب عندما تعود عن كيفية تجاوزها لحواجز الجيش الحر التي كانت تمنع الناس من الاقتراب من مناطق داعش، فتجيبُ بأنها كانت كلما اقتربت من حاجز تدعي الجنون، وتبدأ بالحديث مع نفسها، وهكذا لا يقتربُ أحدٌ منها.

بَقيَت على هذه الحال شهوراً، كلما سَمَحَت لها صحتها بالسير تذهبُ صباحاً وتعود مساءً تجرُّ خيبتها، حتى أهلكها الحزن ونالَ منها المرض وتوفيت بأزمة قلبية. بقي أولادها أيتاماً، وبقي حسن في التنظيم دون أن يحضر عزاءها حتى. أكمل بعض أولادها محاولاتها بعد وفاتها، ودائما كان جواب حسن: «توفيت والدتي بسببي ولم أترك، ولن أترك، لا تحاولوا حثّي على ذلك»، حتى أصابهم اليأس جميعاً، فجمعوا إخوتهم الصغار وهاجروا هرباً، وخوفاً من أن يلتحق واحدٌ آخرٌ منهم بدولة الموت تلك، ولا يعود.

كان حسن صغيرَ السن وقليل الخبرة في الحياة، على عكس أبي خالد ابن الأربعين عاماً، الرجل المشهور في بلدته بحبه للضحك، وقدرته على إضحاك الناس مهما كان حالهم عن طريق النكتة التي يجيدها بجدارة. كان رجلاً مسالماً هادئاً ويتمتع بمكانة كبيرة لدى أهل القرية، والجميع يحترمه ويحبه ويقتنص الفرص للجلوس معه ومحادثته.

هو أبٌ لثلاثة أطفال صغار أكبرهم في العاشرة من عمره، وزوجٌ لامرأةٍ قصةُ حبِّهِ لها مضربٌ للمثل لدى أبناء قريته. لم ينقصه شيء، من المكانة الاجتماعية إلى المادية إلى الحب. كان تاجر أقمشة، ويمتلك أيضاً واحداً من أهمّ مشاغل الخياطة في ريف دير الزور. بدأت قصته مع التنظيم عندما أصبح يتردد كل أسبوع إلى الرقة حيث تسيطر داعش لجلب البضائع، فهي الجهة الوحيدة التي يقصدها المنحازون للثورة بعد تحررها من النظام لقضاء حوائجهم، وعندما يتأخر به الوقت ولا يستطيع العودة، يتقصد الذهاب للنوم في المسجد الذي يتردد إليه المهاجرون الأجانب والعرب من عناصر التنظيم، ويستمع إلى قصصهم وكيف قطعوا المسافات للوصول إلى سوريا، وهكذا حتى أُعجِبَ بهم والتحقَ بالتنظيم، رافضاً كل محاولات أهله وزوجته للعودة عن ذلك.

كان دائماً يحثّ زوجته على الصبر في حال وفاته، ويقول إنه ذاهب، وإن الدنيا قد خرجت من عينيه وقلبه، ولم يعد يرجو شيئاً سوى لقاء ربه. التقيتُ بها بعد موته في إحدى معارك التنظيم ضد النظام في مدينة دير الزور نهاية 2015، دون أن يصلهم شيءٌ منه سوى خبر مقتله، وسألتُها: «كيف حالك؟». أمسكت يدي بشدة حتى آلمتني، وكأنها تريد أن تُخرِجَ كل الغضب الذي في قلبها، وتصرخ بأنها ليست بخير، ولكنها اكتفت بالبكاء وقالت: «قلبي يحترق يحترق، كيف لي أن أُكمِلَ حياتي بدونه، فأنا لا أستطيع الوقوف لوحدي، وقد يطول بي العمر». تَرَكَت۟ يدي ومسحت دموعها بحزن عميق يختزل كل السنوات القادمة من المشقة والوحدة، وتابعت۟: «كان دائماً يوصيني بالصبر بعد وفاته، وأن أنتظر لقائه في العالم الآخر عند الله». للحظةٍ خشيتُ على سلامة عقلها من هول الصدمة، فهي تتحدث عنه وكأنه حاضر بيننا، وهي تعلم كم أكنُّ لهذا التنظيم من الحقد والكره المُعلَن للجميع، ولكن لم يُثنها ذلك عن سؤالي: «هل سيكون عند الله شهيداً كما كان يرجو؟!»، كأنها كانت۟ تنتظرُ منّا نحن في الجانب الآخر من الخندق أن نريح بالها ونخبرها أنه شهيد، وألّا نهاجمه كما كُنّا نفعل في حياته. كان سؤالها من أصعب الأسئلة التي مرّت على عقلي المثقل بحجم الموت الذي خلَّفَهُ ذلك الوباء، فأخفيتُ غضبي وأجبتُها: «الله أعلم، ربما سيُحاسَبُ كلُّ من قُتِلَ على نيته التي خرج بها». لم أَزِد أكثر، والتزمتُ الصمت، فمن أنا لأوزِّعَ صكوك الغفران على الناس. هنا دائماً كان يكمن الخجل.

لكنني كنتُ حزينةً جداً لأنه مات في الجانب الآخر من الخندق، حزنتُ لأن رجلاً بطيبته وأخلاقه ما كان يجب أن يموت معهم، لو مات إلى جانبنا ما حزنتُ هكذا، ولكنتُ أطلقتُ الزغاريد التي كُنّا نزفُّ بها شهداء الجيش الحر، والتهاني التي كنّا نستخدمها بدل كلمات التعزية.

لم يكن ذلك حالي وحدي، بل كان حال كثيرٍ من المنحازين للثورة. أنتَ مؤمنٌ بمبادئك وموقفك الثابت تجاههم، لكن من المستحيل أن يتحجر قلبك وأنت تراهم يُقتَلون في محرقةٍ صنعها الطغاة لهم، إذ ليس من السهل أن تحافظ على نفسك وأنت محاصر في بقعة سوداء، كل شيءٍ فيها بالغ الصعوبة والتعقيد والضياع. دائماً كنتُ أقول لصديقاتي إننا سنحتاج لمصحٍّ نفسيٍ كبيرٍ يستوعب كل أهالي المنطقة الشرقية بعد خلاصنا من داعش، لكي نسترد توازننا بعد أن جُرِّبَت بنا كل أشكال الطغيان.

التقيتُ كثيراتٍ ممن فقدنَ أولادهنّ وأزواجهنّ، بعضهنَّ صديقات، بعضهنَّ الآخر قريبات أو جارات، وكثيراتٌ منهنَّ غريبات. كان الحزن الذي يخيم على وجه من فقدت ولدها مع داعش مختلفاً عن أي حزن آخر عَرفتُه، حزنٌ موشومٌ لن يزول. كأن تلك الأمهات قد قُتِلَنَ مرتين، مرةً عندما التحق أولادهنَّ بداعش، ومرةُ عندما قُتِلوا في تلك المحرقة.

كان أكثر ما يثير الانتباه، أن الأمهات كُنَّ يَجُبنَ القرى والمقرّات الخاصة بالتجنيد والمعسكرات التدريبية ومنازل القادة بحثاً عن أولادهنّ، فالجميع على ثقة بأن مصير من يلتحق بالتنظيم الموت الحتمي، كُنّا نشمُّ رائحة الموت في منازل أهلهم ونعتبرهم في عداد الموتى منذ اللحظة الأولى لذهابهم، وحدهنَّ أمهاتهم كُنَّ يتمسكنَ بأملٍ لا وجود له سوى في مخيلتهنّ. محمد وحسن وأبو خالد، كآلاف الشباب غيرهم، ربما يكون قد غُرِّرَ بهم باسم الجهاد وإقامة شرع الله، لكن ما زاد الأمر سوءاً حالةُ اليأس والإحباط التي أصابت الجميع نتيجة استمرار النظام لسنوات في القتل بكل الأسلحة، حتى المحرمة منها دولياً، دون أي تحرك دولي لإيقافه، فيما سارعت الدول العظمى والعربية إلى تشكيل التحالفات، وضخّ الملايين في سبيل قتال داعش.

أمام هذه الازدواجية وحالة اليأس والخذلان، التحقَ كثيرٌ من الشباب بالتنظيم، بعضهم رأى فيه الحقّ، وبعضهم رأى فيه السبيل الوحيد للخلاص من النظام، وبعضهم الآخر قد يأس من كل شيء، فوجد فيه خلاصه من الظلام الذي لا تُرى له نهاية. والآن بعد أن شارفت لعبة الموت على الانتهاء، لم يبقَ هنالك سوى بقايا تلك القبور شاهدةً على كارثة العصر، وبقيت عبارة الجنة تحت ظلال السيوف لتخبر كل من يدخل الرقة من دير الزور أو العكس، أن الأولاد قد فقدوا الجنة وأن الأمهات أيضاً فقدنَ الأولاد.

منذ مغادرتي دير الزور في أواخر 2016، وشعورُ الهروب والتخلي عنهم لا يفارقني أبداً، لكنّي الآن أشعرُ أن الله قد منَّ عليَّ بالغربة، لأنني لن أُجبَر على رؤية أولئك النساء اللواتي انطفأَ في عيونهنَّ الأمل، بعد أن أنتهى كل شيء ولم يرجع أحد.