عن جدوى الصراخ في مواجهة حرب الإبادة على الغوطة الشرقية

 

عندما تُصدِرُ الخارجية الفرنسية بياناً يقول إن ما يجري في الغوطة الشرقية انتهاكٌ للقانون الدولي الإنساني، وعندما تُصدِرُ إحدى مؤسسات الأمم المتحدة، اليونيسيف، بياناً مقتضباً تقول فيه إنه «ليس هناك كلمات يمكن أن تنصف الأطفال القتلى»، فهذا قد يعني أنه لا جدوى من الصراخ.

لماذا ينبغي أن نصرخ بالعربية والإنكليزية والفرنسية وكل لغات العالم؟ الجواب بسيط، كي يعرف العالم ما يجري فيتحرك لإيقاف الإبادة. لكن العالم يعرف، ولا يفعل شيئاً، وهكذا تكتمل دائرة الشعور بالعجز، ويبدو حتى الصراخ فارغاً من أي معنى.

يقول ديمستورا إن ما جرى في حلب يمكن أن يتكرر في الغوطة، والأمم المتحدة نفسها كانت قد اعتبرت أن عمليات التهجير في سوريا قد ترقى إلى جريمة حرب، وديمستورا هو مبعوث الأمم المتحدة. الأمم المتحدة تعرف إذن، فلماذا ينبغي أن نصرخ، وما الجدوى؟!

نصرخ كي تتحرك قوى شعبية فاعلة في العالم وتضغط على حكوماتها؟! لا يبدو هذا كلاماً ذا معنى، لأن معرفة ما يجري في سوريا بالنسبة لشعوب العالم باتت أمراً بالغ الصعوبة، خاصةً بعد أن أغرقَ صحافيون وأكاديميون ومؤسسات إعلامية وأحزاب سياسية، من سائر أنحاء العالم، الفضاءَ الإعلامي بالأكاذيب والأضاليل والحقائق البديلة حول أن ما يجري في سوريا هو حرب الحكومة الشرعية ضد جماعات إرهابية، هذا إذا افترضنا أن هناك قوى شعبية يمكن أن تضغط لتغيير سياسات الدول. ثم عن أي دولٍ نتحدث؟! إذا لم تغير روسيا سياستها، فإن بقية دول العالم لا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا عبر التحرك خارج ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما لا يبدو أن أحداً ينوي فعله. دماء السوريين وأعمارهم لا تستحق هذا على ما يبدو.

حتى صور الضحايا والفيديوهات لم تعد تحرك ساكناً، لم يعد أحدٌ يريد مشاهدتها، أو يحفلُ بها. قالت لي سيدةٌ مقيمةٌ في الولايات المتحدة بالأمس، بعد أن أرسلتُ لها فيديو يُظهِرُ انتشال أطفال من تحت الأنقاض في بلدة حمورية: «وما أدراني أنه لم يكن في المبنى نفسه مجموعة لجبهة النصرة، وما أدراكَ أنت نفسكَ أيضاً؟ لا شيء بين أيديكم يثبت أن النظام يتعمد استهداف المدنيين».

كنتُ سأواجِهُ كلامها بالغضب والصراخ في السنوات السابقة، أما اليوم فكان الأمر مختلفاً، حاولتُ ألّا أصرخ، وحاولت أن أقول لها إن وجود مجموعة لجبهة نصرة أو غيرها في أي منطقة لا يبرر القصف العشوائي، وإن استخدام قذائف غير موجهة على مناطق فيها مدنيون هو جريمة، ومخالفةٌ لقوانين الحرب الدولية. حاولتُ أن أقول لها إن من يحاصر الغوطة ومن تسبَّبَ بكل هذه الحرب هو النظام السوري، وإن ما يجري في الغوطة عبر القصف والحصار هو «قتل أعضاء من جماعة بشرية، وهو إلحاق أضرار جسدية جسيمة بأعضاء جماعة بشرية، وهو إخضاعُ جماعة بشرية، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً»، وهي حرفياً من الأفعال المكونة لجريمة الإبادة وفق القوانين الدولية. لكن هذا لم يجدِ نفعاً، فهي قالت إن الفصائل في الغوطة تستهدف أحياء سكنية في دمشق بقذائف غير موجهة أيضاً، وهي جريمةٌ أيضاً وفق قولي أنا نفسه. أجبتها أنني متفقٌ معها بخصوص هذا الأمر، ولكن هل ارتكاب فصيل مسلح مخالفات لقوانين الحرب الدولية، يبرر ارتكاب جريمة الإبادة بحق سكان المنطقة التي يتمركز فيها هذا الفصيل؟ ثم كيف يمكن وضع ارتكاب مخالفة لقوانين الحرب على قدم المساواة مع جريمة إبادة جماعية ممنهجة واضحة ومعلنة تتم في وضح النهار. ثم هل يمكن أن ننسى إن استمرار الحرب أصلاً ناتجٌ عن رفض النظام الامتثال للقرارات الدولية، عبر مواصلته رفض نقاش الانتقال السياسي.

تدحرجت كرة الحديث وتشعبت، وغرقنا في تفاصيل لا نهاية لها، حتى بات واضحاً أن الحديث عبثيٌ تماماً، ولذلك انتهى بقولها إنها تتضامن مع الضحايا المدنيين جميعاً، وتدين كل الأطراف التي تتعمد قتل المدنيين بمن فيهم النظام الديكتاتوري في دمشق، وتصلّي كي تنتهي هذه الحرب اللعينة.

كان هذا مثالاً عن عدم الجدوى والعجز، لكن الأمثلة تطول ولا تنتهي، فلماذا نواصل الحديث والصراخ؟ وهل هناك ما يمكن لنا فعله لإيقاف الإبادة في الغوطة الشرقية؟ لا شيء سوى أن نأمل بضغطٍ دوليٍ على النظام يجبره على إيقاف القصف، والأرجح أن صراخنا لن يأتي بهذا الضغط. وحتى الصمود العسكري لفصائل المعارضة في الغوطة أمام الحملات البرية ليس مفيداً بهذا الخصوص، لأنه يمكن أن يمنع النظام من السيطرة على الأرض، ولكنه لن يوقف الاستباحة من السماء، ولن يوقف الحصار والموت بسبب نقص الأدوية والغذاء، وربما يمكننا أن نأمل أن صموداً كهذا قد يجبر النظام على تغيير حساباته، لكن صراخنا أيضاً ليس مؤثراً هنا كثيراً، بل المعادلات العسكرية ومواقف الجهات الداعمة للفصائل، وقيادة الفصائل نفسها وسياساتها.

هل ينبغي أن نطلب من القوى العسكرية والأهلية الفاعلة في الغوطة الاستسلام؟ هو سؤالٌ آخرٌ يضجّ في أذهان كثيرين، ويبقى مفتوحاً بلا أجوبة، وأول ما يُعيق الوصول إلى جواب بخصوصه هو أننا لا نعرف على وجه اليقين ما إذا كان هذا خياراً مطروحاً عليهم أصلاً، وما هي شروط هذا الاستسلام ومتطلباته. التهجير؟! أم الخضوع الكامل والاستسلام لما يختار النظام أن يفعله بهم، على نحو ما كان يحصل بين المنتصرين والمهزومين في عصور مظلمة سحيقة؟! وهل هناك جهة دولية قالت إنها على استعداد لضمان سلامة المدنيين في حال استسلم المقاتلون؟! وهل يحق لنا أن نطلب من المقاتلين الاستسلام لنظام لا يزال يقتل منهجياً تحت التعذيب في السجون؟ نحن الموجودون خارج الحصار والحرب لا نملك إلا أن نحترم خيار المُحاصَرين أياً كان.

هل نصمتُ إذن؟ وننتظر حصيلة توازنات القوى الدولية وحصيلة الموازين العسكرية؟ ليس هذا خياراً أيضاً، لا يمكننا أن نقبل موت أهلنا بصمت.

لا نعرف نحن المقيمون خارج أرض المعركة والحصار ما الذي ينبغي على أولئك الموجودين داخلها أن يفعلوا، لكننا لا ينبغي أن نصمت. هناك توثيقُ الجريمة بهدف البحث عن العدالة، وهناك الصراخ والكتابة والكلام كي تبقى الجريمة حيّةً في ذاكرة العالم، وهناك التضامن مع أهلنا المحاصرين والمعرضين للموت، وهناك كتابة التاريخ كي لا نترك لأولئك «المنتصرين» أن يكتبوه على هواهم.

قد لا نملك فعل ما يوقف الإبادة، لكننا نملك أن نشير إليها وإلى رُعاتها بوضوح، ونملك أن نفكّر فيما جعلها ممكنةً في وضح نهار التاريخ، ونملكُ أن نفكّر فيما قد يؤسس لعدم تكرارها.

والأهم، إذا كنا خارج المعركة والحصار والموت، فإننا لسنا خارج الحكاية، وإذا كنا نشعر بالذنب والعجز والتقصير، ونلوم أنفسنا على أشياء نعتقد اليوم أنه كان ينبغي لنا فعلها سابقاً، فإن ما نستطيع القيام به هو أن نفعل الآن ما ينبغي فعله في هذا الوقت، وهو ألّا نسمح بتجهيل الفاعلين والقتلة والتطبيع معهم، وألّا نقبل برواية «الحرب الأهلية التي يتحمل مسؤوليتها الجميع». الحرب السورية اليوم هي نتاج قمع ثورة شعبية عظيمة بكل صنوف الأسلحة، هذه حكايتنا التي ينبغي الدفاع عنها بكل الوسائل، لأنها وحدها من تنصف الضحايا وتحفظ كرامتهم.

ينبغي أن نواصل الصراخ، وأن نواصل التفكير أيضاً في كل ما جرى ويجري، هكذا فقط يمكننا الدفاع عن أنفسنا في وجه سلطات العالم الفاسدة، وهكذا فقط يمكننا أن نساهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح.