عن سوتشي نتحدث

إلى (م)

 ​​​​​​مقدمة

تحتلُّ مؤتمرات السلام بأشكالها مكانة بارزة في التاريخ المعاصر، سواء في الذاكرة الجمعية الشعبية، أو لدى دارسي التاريخ الأكاديميين. هي مناسباتٌ استثنائية: اجتماعاتٌ مدنيةُ الطابع تتكثف فيها تفاصيل الحروب؛ يحضرها حفنةٌ من الأشخاص المُفتَرَض تمثيلهم لملايين المتحاربين المتخاصمين؛ ويمكن الاستشهاد بمخرجاتها، سلبية كانت أم إيجابية، كمحطات قابلة للتوصيف والقياس في سير حروب طويلة معقدة، غائمة ومتشابكة. لا تنفصم هذه المؤتمرات عادة عن هوية المكان المضيف الذي يصبغها بأطياف مختلفة، تاريخية وسياسية وثقافية، والعكس صحيح. هكذا أصبحَ لـ «فيرساي» و«بوتسدام» و«ريكيافيك» و«الطائف» و«مدريد» و«أوسلو» وقعٌ فريدٌ وذو شجون على مسامع هؤلاء الذين نُوقِشَ مصيرهم ومصير أوطانهم فيها.

هذا، ربما، بعضٌ مما جال في خاطر فلاديمير بوتين الذي أراد مؤتمر سوتشي نقلةً حاسمةً في مسار الثورة-الحرب السورية، وفي تورط روسيا فيه على كلٍّ. يحاول هذا النص أن يبتعد، قليلاً لا أكثر، عن التحليل السياسي المباشر لمؤتمر سوتشي، ويسبر عوضاً عن ذلك جانباً من تاريخ المدينة المعاصر الذي قد لا يفوقه تاريخ مدينة روسية أخرى التصاقاً ببوتين والبوتينية؛ ويرسم سرده مقطعاً طولانياً ممتازاً في روسيا بوتين، وما يميزها من فساد وسلطوية وحروب أجنبية جائرة، وعبادة الشخص ومَسْرَحَة السياسة. في مقاومتنا لأهواء بوتين وإرادته في معركة سوتشي، قبل مؤتمرها وبعده، لا بديل عن التعرف على ساحة المعركة.

دم ودفء وداتشات

تتوسط سوتشي الضفة الشرقية للبحر الأسود، وتكون بهذا منفذاً بحرياً لبلاد القوقاز التي لا تختلف كثيراً بإثنياتها الثلاثة والخمسين وتاريخها المأساوي المعقد عن منطقة البلقان، نظيرتها على الضفة المقابلة. هكذا إذاً كانت سوتشي، القرية الشركسية الوادعة، حاضرة في تجاذبات الإمبراطوريتين العثمانية والروسية وصراعهما حول السيطرة على البحر الأسود، الذي أخذ شكل سلسلة من الحروب التي مال التفوق فيها مع الزمن للثانية على الأولى. أصبحت سوتشي رسميا تحت سيطرة الروس بعد معاهدة أدرنة (1829)، وكان لها أن تشهد عن قرب الفصل الدموي التالي في تاريخ القوقاز، حين أتمت روسيا القيصرية إحدى أبكر التجارب المعاصرة في التطهير العرقي وأكثرها نجوزاً، فقتلت أو هجَّرَت ثلاثة أرباع سكانها من الأقلية الشركسية المسلمة. هُجِّر الشركس نحو الجنوب، تركيا وسوريا والأردن، براً وبحراً عبر موانئ البحر الأسود القريبة، وكانت سوتشي إحدى أهمها.

ارتبطَ مصيرُ المدينة لاحقاً بجغرافيتها الفريدة روسيّاً: موقعها الجنوبي ومناخها تحت المداري وإطلالتها على البحر الأسود من جهة وجبال القوقاز الشاهقة، التي تربو ارتفاعاً على جبال الألب، من جهة أخرى. ففيما اشتهرت المدينة في روسيا بداية القرن الفائت بما تنتجه من الشاي (الأكثر «شماليةً» في آسيا)، جاءت شهرتها العالمية المبكرة خلال فترة حكم جوزيف ستالين (1924-1953) الذي اتخذَ فيها «داتشا»، أو بيتَ إجازة، على عادة القياصرة الروس. كان داتشا ستالين، «البستان الأخضر»، بناءً غريباً يتناسب مع شخصيته المثقلة بالبارانويا والعُصابات: أصرَّ أن يطلى المبنى بلون أخضر فاقع يماثل لون الغابات المحيطة، لم تُستَخدم أية مسامير في البناء واستُعيضَ عنها بالصمغ، واحتوى القصر على مسبح قليل الارتفاع يناسب قامته القصيرة ويضاف له الملح دورياً ليتجنب ستالين، ذو الشخصية المنطوية، الذهاب بنفسه إلى البحر.

هناك في سوتشي التي تقع جنوبَ سميّته ستالينغراد وشمالَ مسقط رأسه في جورجيا، أمضى ستالين جُلَّ أشهر الصيف في سنوات حكمه، وكان يسافر إليها بانتظام رغم بعدها عن موسكو (1600 كم) وعزوفه المرضي عن استخدام الطائرات. ومنها وقَّعَ أوامر المجاعة الأوكرانية والإعدامات السياسية في الثلاثينات، قبل أن تتحول المدينة إلى مركز الاستشفاء الأول للجنود السوفييت خلال (الحرب الوطنية العظمى)، كما يحلو للروس أن يسموا الحرب العالمية الثانية.

مع نهايات الحرب، في 1944، لم تكن سوتشي بعيدة عن «عملية عدس1»، كما لقَّبَت وقتها المخابراتُ السوفيتية NKVD، سَلَفُ الـ KGB، جريمةَ التطهير العرقي الواسعة التي ارتكبها ستالين بحق نصف مليون من الشيشان والأنغوش الذين تم ترحيلهم إلى وسط آسيا للاشتباه بتعاطف بعضهم مع العدو النازي.

stlyn.png

ستالين في قصره في سوتشي، وإلى جواره ابنته سفيتلانا، ووراءه ربيبه وخليفته لافرينتي بيريا
ستالين في قصره في سوتشي، وإلى جواره ابنته سفيتلانا، ووراءه ربيبه وخليفته لافرينتي بيريا

بعد الحرب، أُتِمَّ في الخمسينات بناء قصر بخاروف روتشي الذي حمل اسم نهر قريب، وأصبح بدوره داتشا الزعماء السوفييت، من سنوات «الذوبان» الإصلاحي لخروتشوف (1953-1964)، إلى سنوات المرض الأخيرة لبريجنيف (1964-1982). خلال هذه الأخيرة، في عام 1981 تحديداً، زارَ النقيب الشاب في الـ KGB فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين سوتشي مع صديقته وزوجته المستقبلية، واستعرضَ شبكة علاقاته الوليدة ليؤمن إقامتهما في إحدى الشقق الصغيرة المجاورة والمخصصة لحرسِ القصر. كان هذا اقتراباً يديرُ الرؤوس من مركزٍ من مراكز الحكم في الاتحاد السوفيتي، لم يكن أي منهما يتوقعه أو ربما يطمح إلى أكثر منه بكثير.

كان على الثنائي، إذاً، أن ينتظر 19 عاماً قبل أن يعودا مجدداً إلى القصر نفسه، لا مساكن حرسه هذه المرة. خَلَبَ البحر الأسود وسماؤه الصافية لُبَّ بوتين منذ أمضى «معسكراً إنتاجياً» في أبخازيا (جورجيا) في عمر العشرين، فاتخذَ من سوتشي مقراً أساسياً للحكم واستقبال الضيوف. في قصر بخاروف استقبلَ بوتين أصدقاءه شيراك وشرويدر ليُدينوا معاً غطرسةَ جورج بوش وإمبرياليته. وهناك في 2007 استقبلَ بوتين أنجيلا ميركل المعروفة بالخوف من الكلاب، هو وكلبه الضخم، ليسألها ببراءة مصطنعة «هل تخافين الكلاب؟». هناك، أيضاً، وبعدها بعشر سنوات، تلقّى بوتين عناق بشار الأسد الحار قبل اجتماعه اليوم التالي بأردوغان وروحاني، ليرسموا معا ملامح (مؤتمر سوتشي).

إلى جانب «قصر الضيافة» ذاك، لبوتين «قصر شعب» في جبال المنطقة، كلّف بناؤه مليار دولار على الأقل، وتم «التبرع» به من مجموعة من رجال الأعمال الروس. أدارَ بوتين من سوتشي، جزئياً على الأقل، أزمات حكمه المبكرة التي كثيراً ما اختارت أشهر الصيف لتحتدم، والتي كانت أولها كارثة الغواصة النووية كورسك (آب 2000) التي تضافر فيها تهالك العتاد العسكري الروسي مع انعدام الشفافية وسوء التواصل ضمن قنوات القرار الرسمي، وتعفّفِ روسيا عن الاستعانة بالخبرات والمعدات الغربية، ليحسموا معاً مصير أعضاء طاقم الغواصة الـ 118 البائسين. طغى بعدها على سنوات فترة بوتين الرئاسية الأولى شبحُ حرب الشيشان، التي وصلت إحدى آخر فصولها وأكثرها وحشية في أيلول 2004، حين احتلت مجموعة من الجهاديين الشيشان والداغستانيين مدرسة أطفال في بيسلان، في جمهورية أوسيتيا الشمالية جنوب القوقاز، وكان العالم على موعد مع عرض جديد لرثاثة أداء وسوء تنسيق أجنحة المؤسسة الأمنية-العسكرية الروسية، واستهتار الدولة الروسية بحياة مدنييها، لتحصد الأزمة أكثر من 300 من الضحايا، نصفهم من الأطفال. استغلَّ بوتين هذه الفاجعة لإقرار حزمة من القوانين التي قوضت استقلالية المؤسسات الديموقراطية الروسية الغضّة، فيما عُرِفَ بعدها بـ «ثورة أيلول».

لم تنتهِ هناك علاقة روسيا وبوتين العنيفة مع القوقاز؛ فمع ترسيخه لسيطرته على مفاصل الدولة خلال فترة حكمه الثانية، وعلى خلفية حرب العراق والبرود المتصاعد في العلاقات مع أميركا، كان إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا، الحليف الروسي التاريخي، في شباط 2008 حافزاً لإحدى آخر مشاريعه الرئاسية قبل تبادله المناصب مع رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف.

خلال الأسابيع التالية، عزَّزَ بوتين القوات الروسية المتواجدة في أبخازيا (المقاطعة الجورجية الساحلية المُتنازع عليها)، بحجة حماية مشروع لبناء سكة قطار تصلها بسوتشي، الواقعة مباشرة إلى الشمال. توالت الأحداثُ تباعاً وصولاً إلى الحرب الروسية الخاطفة في آب، والتي كرَّسَت انفصال أبخازيا إلى جانب أوسيتيا الجنوبية، ليُراكم بسببها الثنائي بوتين-ميدفيديف شعبيةً محليةً إضافية، ويُعَقِّدَا إلى ما لا نهاية عملية انضمام جورجيا إلى حلف الناتو، ويؤمّنا بشكل مريح المنطقة المحاذية جنوباً، والبعيدة سبعة كيلومترات فقط عن المدينة الأثيرة، سوتشي.

جودوقراطية

لا جديد هنالك في إدمان الأنظمة القمعية، من النازيين حتى السوفييت وما بينهما، على اتخاذ الرياضة والرياضيين مطيّةً لتحقيق أهداف سياسية محلية وخارجية. إلا أن تشابك عالم بوتين بصفته الشخصية والعامة مع الرياضة يشكل حالة استثنائية تستحق التأمل.

بدأ اهتمام بوتين بالرياضات القتالية بطفولته المبكرة في سانت بطرسبرغ، ليننغراد آنذاك، بدءاً بالملاكمة بتحريضٍ من والده المُستاء من قلّة انضباطه في مدرسته الابتدائية، لينتقل سريعاً بعمر الثالثة عشرة إلى رياضة الجودو الأكثر مناسبة لقامته الضئيلة. أتقنَ بوتين الجودو وخاضَ منافسات احترافية في أنحاء الاتحاد السوفيتي، مُمارساً الرياضة بانتظام لم يقطعه إلا انتقاله إلى ألمانيا الشرقية عام 1985. عاد إلى الرياضة مجدداً مع انهيار الاتحاد السوفيتي وعودته إلى مسقط رأسه، إلى درجة تفكيره الجدي، مع تعثّر مسيرته المهنية في دهاليز بيروقراطية سانت بطرسبرغ أواسط التسعينات، باعتزال السياسة والانتقال لتدريب الجودو كمهنة بديلة. لحسن حظه، وسوء طالعنا، كان له أن ينتقل لموسكو ويتابع مسيرته السياسية متسلقاً سُلَّمَ السلطة الروسية بسرعة تخطف الأنفاس، ليقفز بين مناصب إدارية مختلفة في الكرملين، ومنها إلى رئاسة جهاز المخابرات الفيدرالي (FSB)، وريث الـ KGB، فرئاسة الوزراء، ليصبح أخيراً رئيس روسيا رسمياً في اليوم الأول من الألفية الجديدة. خلال السنوات القليلة التالية، أحاط بوتين نفسه بحلقة وثيقة من الأصدقاء القدامى مضموني الولاء من زملاء الدراسة والـ KGB وبيروقراطية سانت بطرسبرغ؛ ولكن بخاصة من رفاق الطفولة والشباب في نادي الجودو، الذين أصبحوا نخبة روسيا الجديدة: بليونيرات في صناعات النفط والفودكا، وزعماء لأحزاب سياسية موالية للكرملين، وقادة لتشكيلات عسكرية بريتورية مختلفة، ليشكلوا معاً (جودوقراطية Judocracy) على ما اصطلحَ كاتبُ في الشأن الروسي. حافظَ بوتين، كذلك، على علاقته مع مدرب الجودو من أيام طفولته، ونسج الإعلام الرسمي سردية رومانسية تعزف على ثيمة المعلم-التلميذ، وصولاً لأدائه الدرامي في جنازة المدرب.

بينما كان اهتمام بوتين برياضة كالجودو، التي ساهم بتأليف كتاب وصناعة فيلم عنها خلال رئاسته، حقيقياً، وفيما ساهمَ ولعه بالرياضة عموماً، ربما، في علاقته الرومانسية ببطلة الجمباز الأولمبية ألينا كاباييفا بعد انفصاله عن زوجته، تطلَّبَت شخصيته السياسية-الإعلامية المصممة بعناية لتعكس صورة «الذكر ألفا» التظاهرَ المسرحي في كثيرٍ من الأحيان بممارسة نشاطات رياضية أخرى، كالهوكي والتزلج والصيد والغطس وركوب الأحصنة على ما يُذَكِّرُ بموسوليني، «الرياضي الأول» Il primo sportivo d'Italia. وكما تَوَّجَ هذا الأخير حكمه الفاشي باستضافة كأس العالم لكرة القدم مرة، والفوز به مرتين، طمح بوتين لتحقيق هكذا إنجاز رياضي مزدوج، استضافةّ ونتائج، وكان لهذا الطموح أن يمر بمدينته الروسية المحبذة.

فيما كان على الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الاشتراكي عموماً، الانتظار لأكثر من ستة عقود لتصل الألعاب الأولمبية الصيفية إلى موسكو في 1980، انقضى القرن العشرين كاملاً دون أن تتذوق الألعابُ الشتويةُ صقيعَ بلاد السوفييت وورثتهم الروس من بعدهم. لم تمنع مرارة المقاطعة الغربية الواسعة لألعاب موسكو، على خلفية الغزو السوفيتي لأفغانستان قبلها بأشهر، القيادة السوفيتية من التفكير بالعمل تجاه استضافة الألعاب الشتوية، ولكن سرعان ما أُزيحت هكذا مخططات إلى أسفل قائمة الأولويات السوفيتية في عقد الثمانينات الصاخب، واستبعدَ انفراطُ عقد الاتحاد السوفيتي في نهايته ثلاثَ مدنٍ مرشحةٍ من أصل أربع (في كازاخستان وأرمينيا وجورجيا). كانت رابعة المدن هي سوتشي.

بعد ترشحين روسيين فاشلين (لسوتشي لاستضافة الألعاب الشتوية في 1995، وموسكو للألعاب الصيفية في 2005)، نجح بوتين في 2007، بإقناع اللجنة الأولمبية بقدرة سوتشي على استضافة الألعاب الشتوية لعام 2014. لأجل هذا سافر حول العالم إلى جواتيمالا، واستنفر كل ما يملكه من كاريزما، وقرأ، في حالة نادرة، خطابه كاملاً بإنجليزية شديدة الروسية وارتباكٍ بادٍ، ليختمه بجمل فرنسية من الواضح أنه تمرّنَ عليها طويلاً. لم ينتظر نتائج التصويت يومها، وعلم بتفوّقِ سوتشي بالكاد على منافستها آنذاك المدينة الكورية بيونغتشانغ (حيث جرت الألعاب الأولمبية منذ أسابيع) في طائرة العودة، ليُستَقبَلَ استقبال الأبطال في موسكو، مع الكثير من «روسيا قد قامت» و«هذا التصويت يدلّ على مكانة روسيا في العالم».

صَهْرُ الرياضة بالسياسة

كان الحصول على شرف استضافة الأولمبياد في سوتشي أحد أهم إنجازات فترة بوتين الرئاسية الثانية (2004-2008) التي انتهت بتسليمه دفة الرئاسة، لا القيادة، إلى ديمتري ميدفيديف، المحامي الشاب ونائب رئيس الوزراء ذي التوجهات الليبرالية. بعد انتقال السلطة السلس، وفي حين استمرَّ بوتين بالسيطرة عموماً على مفاصل الدولة وطبقتها الحاكمة من موقعه كرئيس للوزراء، لم يلبث أن اختلف مع ميدفيديف في تعامله الرخو مع أزمتي 2008 الكبيرتين، الحرب الجورجية في الصيف والأزمة المالية العالمية في الشتاء. تصاعدت هذه الخلافات باضطراد طوال فترة ميدفيديف الرئاسية اليتيمة (2008-2012)، لتبلغ ذروتها على خلفية الربيع العربي وتداعياته. في شباط 2011 افترقت تصريحات الرجلين الإعلامية حول أحداث الثورتين التونسية والمصرية (ضربَ بوتين المثال بحماس وثورة الخميني كـ «نتائج مخيبة للإرادة الشعبية»)، قبل أن يقرر ميدفيديف بعدها بأسابيع الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار يخوّل للناتو التدخل العسكري في ليبيا، مُخالفاً الرأي التقليدي للمؤسستين الدبلوماسية والعسكرية، ومعهما، بطبيعة الحال، بوتين الذي عبَّرَ عن امتعاضه علناً. كان لميدفيديف خلال الأشهر القليلة القادمة أن يحلم باستمراره في سدة الحكم لفترة ثانية، قبل أن يُنهي بوتين تساؤلات روسيا، والعالم، «ويُعْلِم» رئيسه خطة تبادلهما السلطة مجدداً عبر ترشّح بوتين للرئاسة، والتي أعلنت في بدايات كانون الأول 2011. ساهم هذا الإعلان المستفزّ في إثارة مظاهرات شعبية روسية حاشدة كانت وما زالت الأكبر في فترة حكم بوتين والأكثر تهديداً لعرشه؛ المظاهرات التي أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية حينها هيلاري كلينتون تأييدها الكامل، ما أورثها سخطاً بوتينياً خاصاً. كان لهذه المظاهرات أن تتراجع أمام مزيج من القمع والتنازلات من قبل المؤسسة الأمنية الروسية؛ وكان لبوتين أن يعود مُنتخَباً إلى الرئاسة في ربيع العام التالي لفترة رئاسية، من ست سنوات هذه المرة (2012 - 2018)، متبادلاً المواقع مجدداً مع ميدفيديف بحركة غدا الروس المغرمون بالشطرنج يسمونها ساخرين مناورة (التبييت)؛ وكان لسخطه، لأجل المفارقة، أن يساهم في حرمان كلينتون بعدها بخمس سنوات من وصولها هي لسدة الرئاسة الأميركية.

حظي رئيس اللجنة الأولمبية الدولية على شرف اللقاء الرسمي الأول لبوتين بعد تتويجه رئيساً لفترة ثالثة، أو لعلها رابعة، في أيار 2012، كإشارة جديدة على مركزية الألعاب الأولمبية القادمة في الأجندة الرئاسية. وفيما كان رقم 12 مليار دولار الذي تعهد بوتين بإنفاقه على ألعاب سوتشي للجمهور في جواتيمالا قبل سنوات غير مسبوق بحد ذاته (كلفت ألعاب فانكوفر الشتوية في 2010 عشرة مليارات دولار)، توسعت نفقات الأولمبياد لتصل إلى أربعة أضعاف هذا التقدير المبدئي، لتكون فرصة ذهبية لإغناء الشركات الروسية الحليفة لمراكز القوى المختلفة في السلطة. رغم هذه الدرجة من البذخ، ورغم هَوَس بوتين الشخصي بالأولمبياد، لم تلتزم ورشات الإعمار بجدولها الزمني. هكذا وصل بوتين في جولة تفقدية في شباط 2013، قبل عام من الحدث المزمع، «ليتفاجأ» بتعثر العمل وبالتوسع الانفجاري للنفقات، وليستجوب مرافقيه المتلعثمين عن اسم المسؤول عن هذا الفشل. هذا المسؤول، رجل الأعمال قوقازي الأصل أحمد بلالوف الذي شغل في آنٍ معاً منصباً مسؤولاً في اللجنة الأولمبية مع بقائه على رأس شركته الخاصة للإنشاءات، في تزاوج عجيب ومتكرر في روسيا بين الدولة الرسمية والقطاع الخاص، «تصادف» كونه حليفاً مالياً مقرباً لميدفيديف، ولَم يلبث أن فرَّ من البلاد خلال أيام قليلة قبل أن يموت مسموماً بعدها بأسابيع.

يشكِّلُ مشهدُ جلد المسؤولين العلني هذا مثالاً ناضجاً على فنّ الاستعراض المسرحي السياسي الذي أتقنه بوتين وفريقه الإعلامي عبر سنوات حكمه المديدة. تلاقي هكذا مشاهد (وهنا عينة معبرة) نجاحاً شعبوياً واسعاً، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، لدى معجبي بوتين في الغرب، والذين يميلون ليكونوا ذكوراً بيضاً على أقصى يمين ويسار الطيف السياسي. على طريقة (الإله في الآلة deus ex machina) التي كان ينهي بها الإغريق مسرحياتهم، يظهر بوتين في مركز المشهد وحيداً مسيطراً ومتقمصاً شخصية القائد المخلّص المُستدعَى لدى احتدام الأزمات، كإفلاس مصنع أو إضراب للعمال أو إخفاق إحدى الوزارات في مشاريعها، أو طفو فضيحة فساد، أو ربما حرب أهلية في بلد بعيد، ليهنئ بعض المسؤولين أحياناً أو يوبخهم غالباً أمام شاشات الإعلام بطريقة درامية لاذعة، فيوضّح مواطن الخلل، الشخصي والمؤسساتي، لدى المستمعين الصاغرين (على ما يذكّرُ بأسلوب بشار الأسد نفسه في لقاءاته مع مجلس الوزراء، ومنها الاجتماع الشهير عشية مجزرة الساعة، الذي نوه فيه عن فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة).

خلال الـ 2013، العام المُفضي لألعاب سوتشي، كان تأمين الأولمبياد من هجمات إرهابية محتملة على رأس أولويات المؤسسة الأمنية الروسية. فبعد سنوات من التهدئة والهدوء في جمهوريات القوقاز ذات الأغلبية المسلمة، نشطت حركة أمنية-قمعية واسعة شملت بخاصة جماعة (إمارة القوقاز)، التنظيم السلفي-الجهادي الذي ورث بقايا المقاومة الشيشانية المشوهة، والذي حثَّ أميره دوكو عمروف أتباعه على استهداف الألعاب الأولمبية بكل الطرق الممكنة، قبل أن تتمكن المخابرات الروسية من قتله بالسمّ بعدها بأسابيع. عرفت تلك المرحلة، كذلك، وعلى ما ترجّحه مصادر متقاطعة، غضَّ نظر مخابراتي عن «هجرة» مئات المقاتلين القوقازيين، الشيشان أساساً، إلى أرض الخلافة الداعشية اليافعة. شَهِدَ ذلك العام تصاعد التوتر مع الغرب عموماً إزاء تكريس بوتين سلطويته وتبنيه سياسات رجعية متعددة ومعادية لحقوق المثليين، ومع الولايات المتحدة خصوصاً، مع إيواء روسيا للمبرمج الأميركي المنشق إدوارد سنودن وكنز المعلومات الذي جلبه معه. على هذه الخلفية، لم يتردد بوتين كثيراً باستغلال هجوم الغوطة الكيماوي في آب والاستجابة لنداءات «السلام لا الحرب» العالمية، التي اتخذ أحدها شكل رسالة شخصية من البابا فرانسيس إلى بوتين، ليُبرِمَ ندّاً لندّ مع الأميركيين الصفقة سيئة الذكر، التي تُفكِّكُ سلاح جريمة الكيماوي بإشراف مرتكبها.

كان حفل افتتاح الأولمبياد، الذي قاطعه الساسة الغربيون وأنتجه مدير القناة الروسية الأولى الذي يشرف على خطابات بوتين واستعراضاته العسكرية، مبهراً وذا سوية تقنية عالية. إلى ذلك، بدا تصميم الحفل خلاصة مُكثفة في صنع الأسطورة الوطنية الروسية في العهد البوتيني ما بعد-الحرب الباردة. يبدأ الحفل باستعراض الفتاة ليوبوف (حب) الأبجدية الكيريلية، مع إرفاق كل من حروفها بمبعث من مباعث الفخر في الوعي الجمعي الروسي: من بوشكين وديستوفسكي إلى تشايكوفسكي وتشيخوف، ومن جدول مندلييف الدوري إلى يوري جاجارين وسبوتنيك. مرَّ العرض مرور الكرام على العقود السوفييتية السبعة، لا بلّ نوه بأسماء مثقفين روس ككاندنسكي وشاچال ونابوكوف كانوا قد قضوا جل حياتهم في المهجر لعداوتهم مع السلطات السوفيتية. شهدت اللحظة المحورية في الحفل عطلاً فنياً في إنزال إحدى الحلقات الأولمبية الخمس، ليكون ذلك مثالاً جديداً على عسر ولادة أولمبياد سوتشي، يضاف إلى تندّرِ الصحفيين الأجانب على عدم اكتمال بناء القرية الأولمبية وانتشار الكلاب الضالة فيها، واستغلال معارضين محليين فرصة التفات العالم إلى بلادهم لإثارة احتجاجات سياسية مختلفة حول الفساد والاضطهادات العمالية الواسعة المحيطة بمنشآت سوتشي، هذا إضافة إلى اعتراضات شركسية خافتة على إقامة هذه المنشآت فوق مقابر جماعية لضحايا الإبادة الشركسية التي كان للأولمبياد أن يحلّ في ذكراها الـ 150.

رغم كل هذا وغيره، حصد بوتين النتائج السياسية، وحتى الرياضية، المرتجاة، ليتصدّر الفريق الروسي قائمة الميداليات وتبلغ شعبية بوتين ذروة لم يعرفها منذ الحرب الجورجية في 2008، فكان توقيت هذه الدفعة الجديدة من الرأسمال السياسي مناسباً لمقامرته القادمة: أوكرانيا.

أجنحة من شمع

وقفت مدينة تومسك السيبيرية دقيقة صمت في اليوم التالي لهزيمة المنتخب الروسي للهوكي أمام نظيره الكندي، في ألعاب فانكوفر الشتوية في شباط 2010. كانت تلك الخسارة في الرياضة الروسية الأثيرة، تفصيلاً جديداً يُضاف لأداء الفرق الروسية المخيب في ذلك الأولمبياد، الذي انتهى وروسيا في المرتبة الحادية عشر (بمجموع الميداليات، السادسة ذهباً)؛ الأداء الروسي الأسوأ في التاريخ.

لم تكن هكذا نتائج مقبولة من دولة ستستضيف الألعاب الأولمبية في الدورة القادمة، وهكذا انبرت أجهزة الدولة الروسية المختلفة للتصدي لهذا التحدي الرياضي. أشارت نتائج إحدى التحقيقات الداخلية إلى فساد المنظومة الرياضية المادي (كلَّفَت إقامةُ وزير الرياضة الروسي فيتالي موتكو لعشرين يوماً في فانكوفر دافع الضرائب الروسي 1400 دولاراً في الليلة، صُرَفَت من بين ما صُرفت على 97 وجبة إفطار). لم يكن هذا كافياً، بطبيعة الحال، للإطاحة بالوزير، الصديق الشخصي لبوتين، بل كُلِّفَ عوضاً عن ذلك بالإشراف على التحضير الروسي الرياضي لسوتشي، والذي كانت درة عقده العملية الاستخباراتية السرية: Operation Sochi Resultat.

بمساعدة وإشراف لصيق من قبل الـ FSB، تم تصميم منظومة معقدة بهدف التغطية على استخدام الرياضيين الروس الواسع للمنشطات المحظورة، قبل وخلال الألعاب الأولمبية. في حَرَم القرية الأولمبية، أعدّت المخابرات الروسية، التي اشترك 100 على الأقل من أعضائها بهويات مزيفة مختلفة في هذه العملية، مخبراً بديلاً للمخبر الرسمي الذي يعمل تحت إشراف دولي، واستطاعت استبدال عينات التحليل بشكل يومي عبر فتحة سرية في جدار المخبر، ما ضمن في النهاية تصدّر الروس لقوائم ميداليات سوتشي مع نهاية الألعاب الأولمبية.

كان الثالث والعشرين من شباط 2014، يوماً فاصلاً في تاريخ روسيا بوتين، ليس فقط لأنه شهد حفل الأولمبياد الختامي، بل لكونه اليوم الذي اتخذ فيه بوتين بعد اجتماع مع فريقه الأمني استمرّ طول الليلة السابقة قرار غزو أوكرانيا، مستفيداً، جُزئياً على الأقل، من طفرة رأسماله السياسي الداخلي التي أحدثتها ألعاب سوتشي. جاءَ هذا القرار الفارق بعد يوم من تتويج الانتفاضة الأوكرانية بفرار الرئيس المخلوع فكتور يانوكوفيتش إلى حليفته روسيا على طريقة زين العابدين بن علي. بمغامرة ارتجالية، لم تتضح تفاصيلها للعالم الخارجي وحتى لمسؤولي الخارجية الروسية نفسهم لأسابيع عديدة، أرسل بوتين قوات غير نظامية (ما عُرِفَ بعدها بـ «الرجال الصغار الخضر») لتجتاح شبه جزيرة القرم بحجة حماية الأقلية الإثنية الروسية هناك. ضُمَّت القرم رسمياً باستفتاء جرى خلال أسبوعين وحصدت الـ «نعم» فيه 96.7٪ من الأصوات، لتوسِّعَ روسيا بهذا حصتها من شواطئ البحر الأسود شمالاً، بعد أن توسَّعَت جنوباً بضمها لأبخازيا الجورجية في غزوتها السابقة.

كانت نتائج العملية الروسية في أوكرانيا مختلطة. فهي من ناحية حققت أهداف بوتين بجرِّ الحكومة الجديدة إلى نزاع أهلي مفتوح، ومعاقبة الانتفاضة الشعبية الأوكرانية قبل أن تصبح أمثولة مغرية للروس أنفسهم، كما عرقل ضمَّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، أي انضمام محتمل لأوكرانيا إلى صفوف الناتو لاحتواء حدودها على «أراض متنازع عليها»، كما أن ضمَّ القرم، بما تحمله من قيمة معنوية وتاريخية وشاعرية لدى الروس منذ انتزعتها كاثرين العظمى من أيدي العثمانيين، ساهم في تكريس شعبية بوتين وخطابه الوطني الشوفيني المتصاعد (أيد 88٪ من الروس عملية ضمّ القرم حسب استطلاع لمركز دراسات محايد). من ناحية أخرى، سهّلَ التدخل الروسي مهمة التيار السياسي الأوكراني المعادي لروسيا والمحابي للغرب، كما لطّخَ سمعة روسيا في العالم، وبخاصة بعد إسقاط طائرة الخطوط الماليزية المنطلقة من هولندا على يد انفصاليين روس، فتم طرد روسيا من مجموعة الـ G8 التي كانت قمتها التالية لتكون في سوتشي في صيف الـ 2014، وأُقِرَّت ضدها عقوبات اقتصادية غربية مهينة ومؤلمة. تضافرت هذه العقوبات مع هبوط أسعار النفط في نهاية الـ 2014 لتؤدي لكساد اقتصادي مع بداية العام الجديد، والذي ربما دفع بوتين، إضافة للرغبة بامتلاك أوراق ضغط تخرجه من عزلته الدولية، إلى «الانسحاب نحو الأمام»، والتدخل عسكرياً في سوريا في أيلول من العام نفسه.

bwtyn.png

بلغت شعبية بوتين، حسب مركز ليفادا غير الحكومي، ذروتين لها: بعد حربي جورجيا (آب 2008) وأوكرانيا (آذار 2014)
بلغت شعبية بوتين، حسب مركز ليفادا غير الحكومي، ذروتين لها: بعد حربي جورجيا (آب 2008) وأوكرانيا (آذار 2014)

لم تمنع القبضة الحديدية التي أحكمها بوتين على السياسة والمجتمع في روسيا خلال فترته الرئاسية الحالية من ظهور أصوات معارضة متفرقة. أحد أبرز هؤلاء كان بوريس نيمتسوف، الفيزيائي اللامع والمسؤول السابق في حكومة يلتسن وأحد المرشحين لخلافته، الذي اتجه لمعارضة بوتين مع بداية حكمه. كشف نيمتسوف تفاصيل الفساد الذي طغى على عملية التحضير لأولمبياد سوتشي، وكان صوتاً مركزياً في معارضة التدخل الروسي في أوكرانيا. من سوتشي كذلك بدأت تفاصيل الغشّ الممنهج برعاية الدولة المخابراتية الروسية بالتسرب بعد انتهاء الأولمبياد بأشهر، ليصاب مديران سابقان لإدارة مكافحة المنشطات الروسية بأزمات قلبية قاتلة في الشهر نفسه، ويفرّ مسؤول ثالث، د. جريجوري رودشنكوف، إلى الولايات المتحدة خوفاً على حياته. احتفظ رودشنكوف، الذي كان قد تقلَّدَ وسام الصداقة من قبل بوتين شخصياً لجهوده في «التحضير لسوتشي»، بمذكرات علمية تشرح بالتفصيل عملية «نتائج سوتشي» وشكلت هذه مادة دسمة للفيلم الوثائقي إيكاروس الذي فاز بالأوسكار مؤخراً، حيث يُقدِّرُ ردوشنكوف بأن نصف ميداليات الروس الثلاث والثلاثين في سوتشي جاءت نتيجة استخدام المنشطات غير الشرعية.

اغتيل بوريس نيمتسوف بدم بارد على بعد أمتار من مبنى الكرملين، واختار رودشنكوف النفي مدى الحياة بهوية جديدة بعيداً عن عائلته المحتجزة في روسيا، بينما أكد بوتين على كون رودشنكوف خائناً ومريضاً نفسياً، مُكذِّباً جميع الادعاءات المسيسة برأيه بشأن مسؤولية الدولة الروسية عن تنظيم الغشّ الرياضي الممنهج، وداعياً إلى «فصل الرياضة عن السياسة»؛ هذا فيما تمت ترقية وزير الرياضة موتكو، المولع بوجبة الإفطار، ليصبح نائباً لرئيس الوزراء.

بوتنغراد، الحرب والسلام

حلّت منذ سنوات قليلة الذكرى المئوية الثالثة لبناء بطرس الأكبر، القيصر المؤسس للإمبراطورية الروسية، عاصمَته الجديدة، منفذاً بحرياً يقربه للدول الأوروبية التي أعاد تشكيل امبراطوريته الوليدة على شاكلتها. سانت بطرسبرغ، أو «المدينة فوق العظام» كما لُقِّبَت لما استنزف بناؤها من آلاف الجنود والسجناء والفلاحين الأقنان، ستبقى عاصمة روسيا لقرنين من الزمان وتكون مسرحاً لحفنةٍ من الثورات التي سينقل زعيم آخرها، فلاديمير لينين، صفة العاصمة بعيداً عن المدينة المضطربة، ومن ثم يسبغ عليها بوفاته بعد سنوات قليلة في آن اسماً جديداً، وخليفةً بائساً يحكمها هو جوزيف ستالين. ستقع ليننغراد خلال الحرب بين عامي 1941 و1944 ضحية لأسوأ حصار عسكري في القرن العشرين، وربما في التاريخ، ليحصد حياة أكثر من مليون إنسان ويترك آثاره عليها وعلى الوعي الجمعي الروسي لعقود. عند حلول الذكرى السبعين لنهاية الحصار، طرحت القناة التلفزيونية المستقلة الوحيدة في روسيا على مشاهديها سؤالاً للنقاش: هل كان من الأفضل لمدينة ليننغراد أن تستسلم للجيوش المحاصِرة لتنقذ حياة مئات الآلاف من أبنائها؟ لم يبقَ السؤال أكثر من دقائق معدودة على موقع القناة، قبل أن يُزالَ أمام عاصفة من الاعتراضات والإدانة من قادة الرأي والأحزاب السياسية والبرلمان الروسي، والمتحدث باسم الرئاسة الروسية الذي تحدث عن الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها.

تجد هذه الهستيريا دون شك أحد أسبابها في هوية أهمّ أبناء سانت بطرسبرغ الأحياء، فلاديمير بوتين، الذي مات أخوه الأكبر في الحصار، وكادت والدته أن تموت بدورها من الجوع. ولد بوتين بعدها بسنوات، قبل أشهر من وفاة جوزيف ستالين، وعاش لتتجاوز سنوات حكمه لروسيا مؤخراً جميع أسلافه المعاصرين عدا ستالين نفسه، حتى اللحظة. على طريقة سَميّ مدينته، سيستنزفُ بوتين خزائن دولته وحياة مئات من العمال المسحوقين المنحدرين بمعظمهم من الجمهوريات السوفيتية السابقة في تشييد بناء عاصمته الثالثة، سوتشي، أو «بوتينغراد» على ما تدرُج تسميتها باضطراد؛ العاصمة التي تَصَوَّرها رمزاً لحقبة جديدة تهيمن فيها روسيا على جيرانها وتعود أمجادها لها، ولقيصرها الجديد.

في سوتشي، وفي تشرين الأول 2015 بعد أسابيع من بدء التدخل الروسي في سوريا، ألقى بوتين خطاباً طويلاً ضمن منتدى فالداي السنوي، يروِّجُ لهذا التدخل ويربطه بما سواه. سخر الخطاب من التمييز الغربي بين مجموعات مسلحة متطرفة وأخرى معتدلة «تقطع الرؤوس بلطف أكبر»، ودون خجل، أخذ على المعارضة «لجوؤها للعنف لإخضاع البشر»، فيما انتقدَ الغربَ «لعدم اكتراثه بإرادة الشعوب التي يريد فرض أجندته عليها». إلا أن النقطة المركزية في خطابه كانت، كما هو مُتوَّقَع، التلويح بالحرب على الإرهاب كغاية سامية ينبغي أن توحد الإرادتين الروسية والغربية، الأميركية تحديداً، في وجه العدو المشترك. تُحيلُ هذه المناورة فيما تُحيلُ على التنازلات الواسعة التي استخلصها ستالين من الحلفاء عند نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي جبَّ انتصارُهُ في نهايتها حلفه الأثيم مع النازية في بدايتها. في مغامرته السورية، أراد بوتين أن يفتح صفحة جديدة مع خصوم الأمس، ليحاربوا معاً عدواً يهدد الحضارة الإنسانية جمعاء، وتصغر أمام واجب هزيمته أخطاء الماضي وخلافاته، ما ظهر منها وما بطن.

بعد عامين ونيّف على ذاك الخطاب، كان أيضاً لسوتشي، المتوسطة جغرافياً لمواقع حروب بوتين الثلاثة الأولى (الشيشان، جورجيا وأوكرانيا)، والأقربَ بين مدن روسيا لحربه الجديدة في سوريا، أن تستضيف مؤتمرَ سلامٍ لا يتفوق على رثاثة الإعداد له، إلا ركاكة أحداثه وهزالة حضوره، على أن يسوّق كتطور نوعي في مسار هذه الحرب، ويحصد نتائجها رصيداً إضافياً لخزائن بوتين أمام الداخل الروسي في الأسابيع المؤدية للانتخابات الرئاسية القادمة.

لا تنفصل مسرحية المشهد «المغشوش» في مؤتمر سوتشي عن مسرحَة السياسة في روسيا عموماً، وحربها في سوريا خاصة. فعلى مدى سنتين ونصف من الحرب، أعطت روسيا الأولوية عسكرياً لأعلى درجات الإبهار البصري، في سلسلة من الحركات الاستعراضية نصف الفاشلة (التي هدفت على ما يبدو للترويج للأسلحة الروسية، ثاني صادرات البلد بعد النفط): بدءاً من غرفة قيادة العمليات الهوليوودية، وإطلاق الصواريخ البالستية من بحر قزوين التي سقط جزء منها في الأراضي الإيرانية، وصولاً إلى الرحلة المتعثرة لحاملة الطائرات الروسية اليتيمة المتهالكة ذهاباً وإياباً إلى الشواطئ السورية، وأخيراً إرسال العينات القليلة التي تمتلكها روسيا من طائرتها الجديدة وغير المجربة، وربما غير العاملة، Su-57 إلى قاعدة حميميم دون أية ضرورة عسكرية كانت. أما سياسياً، فلم يوفّر الروسُ فرصةً لاستخدام تدخلهم في سوريا في بروباغاندا الحرب على الإرهاب، خارجياً كمدخلٍ لرفع عزلتهم الدولية ما بعد أوكرانيا، وداخلياً لتبرير الحرب على الإرهابيين «هناك قبل أن يأتوا إلى هنا»، لتجد أكثر فصول هذه البروباغاندا ابتذالاً مكاناً لها على مسرح فعلي، ولا عجب.

tdmr.png

أوركسترا ماريينسكي من سانت بطرسبرغ تؤدي للجنود الروس في أيار 2016، وبمشاركة عازف التشيلى سيرجي رولدوغن، صديق طفولة بوتين وأحد مبيضي أمواله
أوركسترا ماريينسكي من سانت بطرسبرغ تؤدي للجنود الروس في أيار 2016، وبمشاركة عازف التشيلى سيرجي رولدوغن، صديق طفولة بوتين وأحد مبيضي أمواله

إلا أن أهم المناورات السياسية الروسية الاستعراضية تبقى الإعلانات المتكررة، عن «إتمام المهمة» في سوريا، والعزم على «البدء بانسحاب القوات»، والتي كان أولها في آذار 2016، بعد أقل من ستة أشهر من بدء التدخل الروسي، وآخرها، حتى الآن، في كانون الاول 2017 عند زيارة بوتين لحميميم، تمهيداً لمؤتمر سوتشي اللاحق. لا غرابة هنا في استعجال بوتين الاستفادة السياسية من حملته العسكرية على سوريا، ورسم خط ولو كان وهمياً يعلن نهايتها. ففيما يعرف بوتين أكثر من غيره القيمة الكامنة للنزاعات العسكرية في حشد الدعم الشعبي الداخلي، وهو من وصل للرئاسة على موجة من الوطنية الروسية الطارئة التي أطلقتها حملة الناتو على كوسوفو وعزّزتها بداية الحرب الشيشانية الثانية، ومن ثم شاهد شعبيته تبلغ ذروتين جديدتين مع الحرب الجورجية وبعدها حرب أوكرانيا؛ يدرك، وهو المهووس بالتاريخ كغيره من الطغاة الرجعيين، ما فعلته الحروب المعقدة المستنزِفة بأسلافه، ومركزيتها في صياغة التاريخ الروسي بالذات؛ من إلغاء نظام القنانة الإقطاعي كأثرٍ متأخرٍ لهزيمة روسيا في حرب القرم أواسط القرن التاسع عشر، إلى الثورة الروسية (1905) التي أدت لإنتاج بداءة نظام برلماني دستوري كنتيجة للحرب الروسية-اليابانية الكارثية، وخليفتها البلشفية الأكثر شهرة، التي ما كانت لتحدث لولا الأداء المخزي لروسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، وصولاً للتورط في حرب أفغانستان، أحد عوامل انهيار الاتحاد السوفيتي الأساسية، وحتى حرب الشيشان الأولى التي كادت أن تكلّفَ بوريس يلتسن رئاسته.

إلى هذا، لا تشكو الحرب السورية المتحولة أبداً، بحال، من عجز في التعقيد والاستنزاف. في طور الحرب الجديد ما-بعد-الداعشي، على روسيا التي ترث المعضلة السورية بجسمها الأساسي، أن تحافظ على توازن قلق بين قائمة أطول من اللازم من التحالفات الهشّة المرحلية، مع أطراف لا تتطابق مصالحها إن لم تتناقض بل تتناحر صراحة. على هذه القائمة نجد إيران وربيبها بشار الأسد وتركيا وإسرائيل وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وربما دونالد ترامب الشخص، بعلاقته المشبوهة والغامضة مع الكرملين.

مع تقدم الزمن بالتورط الروسي الذي يغدو حثيثاً لإكمال عامه الثالث، ومع اختفاء داعش، الدريئة الثابتة الناظمة وأداة البروباغاندا الأسهل والأكثر بريقاً، ستزداد مهمة فلاديمير بوتين صعوبة في استخدام العنف الباطش والإعلام المضلل للتغطية على غياب استراتيجية حقيقية أو إيديولوجيا إيجابية توجه وتلجم جماح هذه الأطراف ذات العلاقات المتطورة والتموضعات المتبدلة باستمرار. هي مفارقة تمدد القوة الإمبريالية الزائد إذ يتولد ضعفاً، والتي تجلّت على مدى أسابيع هذا العام القليلة الماضية في أشكال متعددة، منذ استهلاله بقصف قاعدة حميميم بسرب من الطائرات المسيرة، تلاه تخلٍّ روسيٌ صارخٌ عن الحلفاء الأكراد أمام الاجتياح التركي، ومن ثم إسقاط طائرة روسية بصاروخ موجه، وموجة القصف الإسرائيلي الواسع لمواقع للنظام شهد بعضها تواجداً روسيا سابقاً دون أن تتصدى له أنظمة الدفاع الجوي الروسية، وأخيراً سحق التحالف الدولي المهين لقوة سورية-روسية مشتركة حاولت عبور نهر الفرات، والذي أوقع عشرات، إن لم يكن مئات، الضحايا الروس.

من مفارقات التدخل الروسي، كذلك، مُخاطرتُه بالتحييد النهائي للأمم المتحدة ودورها في تنظيم العلاقات والنزاعات الدولية ما بعد الحرب الباردة. فبخلاف الحاجة الروسية على المدى القريب لدور أممي فاعل يفرض حلاً نهائياً على أطراف النزاع المتعددة، ويقونن عملية إعادة الإعمار في سوريا، ترى روسيا، بمواردها البشرية المتضائلة وتأثيرها الثقافي الكليل واقتصادها شبه الريعي ذي الترتيب الثاني عشر عالمياً، والأصغر بين دول مجلس الأمن الدائمة، في مؤسسة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالذات منصة يتضخم فيها نفوذها، وتتعامل بندّيّة تمليها قوانين المجلس مع دول كالصين والولايات المتحدة. في تجاهلها المستمر والفاجر للقانون الدولي خلال السنوات الأخيرة، تبدد روسيا رصيداً طويلاً واستراتيجياً من «معاداة الإمبريالية» الأميركية حول العالم، كانت حرب العراق 2003 ركن الأساس فيه، وتؤسس «لشرعية» حروب للآخرين كحربها السورية، وتتنازلُ عملياً عن كل طريقة غير عسكرية لإيقافها.

أما المفارقة الكبرى فهي امتناع «المشكلة السورية»، من حيث المبدأ وفي كل زمان، على الحل النهائي الناجز باستخدام القوة، الأداة الأمضى في جعبة بوتين وصحبه. هذا إن لم يعنِ تصفية المواجهة العسكرية غير المتناظرة العاجل أم الآجل، انتقالَ المعركة بالكامل إلى ساحات الثقافة والسياسة والقانون، حيث لا تنفعُ البراميلُ أصحابَها.

كما كان للسوريين أن يرثوا أولاً المهمة الأصعب والأكثر الدموية في سني الربيع العربي العجاف وثوراته ضد الاستبداد المحلي، وثانياً أن يكونوا على الخطوط الأولى في التصدي لداعش، التجسيد الأكثف للتطرف الأصولي، هم اليوم ثالثاً رأس الحربة في معركة شرسة عالمية مع البوتينية وأنسالها المتشعبة.

لهذا المحتلّ الجبار القادم من بلاده الباردة، يُهدي السوريون تاريخاً طويلاً من لفظ المحتلين الجبارين على مشاربهم. إزاء استهتاره الفجّ بالحقيقة، يقفون وفي صدورهم حقٌّ لا مراء فيه. ولدى دوسه، إلى حين، على شتى القوانين والشرائع، يُحصون جرائمه التي لا تسقط بالتقادم. إذ تؤجج نزعاته الفاشية أكثر الانتماءات ضيقاً، يرفعون قيم العدالة والكرامة الكونية عالياً، وإذ يضطرب في استعراضاته الفارغة، يباهونه ويباهون العالم بأولئك الذين رقصوا في وجه الرصاص صادحين باسم حريتهم الوليدة. وفي حضرة سينيكيته التي لا ترى في أفئدة البشر كل البشر إلا السواد، لا يَنون يذكرون قصص أبطالهم التي تأبى أن تنتهي.

لها ولهم علينا الكثير.

  • 1. يأتي الاسم الحركي من تشابه بداية كلمة عدس بالروسية، «تشيتشيفتسا»، مع تشيتشنيا.