عن كيف لا نتذكر الثورة

في الذكرى العاشرة لثورات 2011 العربية، لا نملك رفاهية تجاوز فعل التذكر. ولكن، بدلاً من إقامة نصب تذكارية توقعنا ضحية الحنين إلى الماضي أو الرغبة في رثائه، نختار أن نتذكر بدلالة الحاضر والمستقبل. نطرح أسئلة عن تأثير مرور الزمن في تغيير فهمنا للحدث الثوري الماضي، وعما يقوله لنا هذا الحدث، وما راكمه من أفكار وممارسات؛ عن إمكانية تشكل تقليد ثوري عربي، ونسبر أيضاً مساحات جديدة للسياسة اليومية و«السياسة الصغرى» تثور فهمنا للسياسة وفحواها في عالم ما بعد 2011 العربي. في هذا الاستدعاء المزدوج للموتى كما للأحياء، نهدف إلى مواجهة أسئلة سياسية قديمة وأخرى جديدة حول التاريخ والتعامل مع الماضي، وحول الأيديولوجيا والتنظيم والهوية الوطنية، وحول مواقع الممارسة السياسية التي تشكل واقعنا المُعاش الآن، وقد تلهمنا لإعادة تخيل المستقبل. لقد كان الزمن الثوري العربي أجمل الأزمان وأقساها: شكّلنا كذوات سياسية بما حمله من شجاعة وأمل وفعل مولد، وعاد وحطمّنا بما رافقه وتلاه من وحشية لا حدود لها، وأدخلنا في خضم كل هذا في لولبة خطابية لا تنتهي عن النجاح في مقابل الفشل.

في هذه السلسلة من النصوص القصيرة التي أعدها موقعا الجمهورية ومدى مصر، والتي تلت نقاشات بين كتّابهما، محاولة أولى لكسر هذه اللولبة. هي دعوة لتأمل العقد الماضي بوصفه تاريخاً، بعيداً عن السرديات الخشبية الجاهزة ثورية كانت أم ما بعد ثورية، ولتأمل غرف الصدى الفئوية أو الوطنية الضيقة، بما قد يكشف عن ديناميكيات وموضوعات وأصوات لم تحظ بالاهتمام من قبل. كمنصتين صحفيتين أسهمت لحظة 2011 في إنتاجهما، ندرك بشكل خاص كم الإنهاك والتكرار الذي تثيره النقاشات عن الربيع العربي لدى كتّابنا وقرائنا على حد سواء. وبالنسبة لنا، هذا أيضاً جزء من واقعنا المعاش وقسوته التي نختبرها في لحظات التأمل مع «ملاك التاريخ».

يغمرني التعب عندما يصبح فعل التذكر في المتن العام شديد التماثل. الصورة نفسها. والأسئلة ذاتها. ميدان التحرير بين الامتلاء والخواء. ماذا تبقى من الثورة؟ هل تبقى أي شيء؟ هكذا تضع صحفية التلفزيون الأوروبي السؤال أمامي، حالها حال صحفي الراديو الأمريكي. الكاميرا في مواجهتي وكذلك الميكروفون، الأولى تُعميني والثاني يعنّفني، ولكنهما لا يبحثان عن إجاباتي. الموضوع منتهٍ، وأنا مجرد كومبارس يؤكد على انتهائه. 

في محاولة لتجاوز دور الكومبارس، أحاول أن أسحب محاورتي الى منطقة ميتافيزيقية ما، وأحدثها عن السحر. السحر الذي يركبنا كزيّ خفي ويحرك أشياء فينا دون أن نعرف، واللحظات الخلاصية التي تظهر أمام أعيننا عندما نعي بهذا الخفاء. لم تفهمني، وربما تحولت في ذهنها إلى نفس دروشَتها صدمات متتالية. استمتعت داخلياً بمحاولتي، وما حركت عند محاورتي من تخيلات عن قواي العقلية.

بداية العام الماضي، دعتنا الصديقة سلمى شامل لمجموعة قراءة لأعمال فالتر بنيامين، ليس بدافع دراسة كتاباته في المطلق، ولكن بدافع مقاربتها كمنهجية للمعرفة. أصبحت لقاءاتنا الأسبوعية بمثابة تجسيد لما قد يدعونا له بنيامين أو حسبما فهمت: كيف نستحضر مقطع ما من التاريخ لتلبية احتياجات الحاضر؟ أصبح استحضار ما كتبه بنيامين محاولة لتلبية احتياج ما للحظة: احتياج للفهم مجدداً، أو محاولة الفهم بشكل مختلف، أو تهريب الفهم من عملية إنتاج المعرفة المهيمنة، بما يحتويه الفهم من فعل التذكر. تستوقفني أحياناً حالتنا: جماعة من المهنيين، أكاديميين وكتاب وفنانين وصحفيين، غارقون في فك شفرات كتابات جاءتنا من أربعينات القرن الماضي، مترجمة من لغتها الأولى ونقرأها معظمنا بلغتنا الثانية. أنجذب إلى طاقة محاولة الفهم هذه، بما فيها من مشاعر الارتباك في أحيان ونشوة الوصول لمعنى في أحيان أخرى. تبدو لي من أفضل محاولات التعامل مع الأزمة: كيف نكون ذوات سياسية في واقعنا الحالي؟ وكيف تكون سياسة ذواتنا نابعة من محاولة أصيلة للاشتباك مع الواقع بعيداً عن سهولة المسلمات؟ وما موقع التاريخ في هذه الخريطة؟

في عام 1940 كتب بنيامين نصاً عن مفهوم التاريخ مكون من 20 مقطعاً، قرأناها سوياً، مقطعاً مقطعاً، عبر عدة جلسات. كتبه قبل هروبه من فرنسا وقت تسليم اليهود للجستابو الألماني وانتحاره. أرسل نسخة من النص لصديقته حنا أرندت، ليس بغرض النشر، ولكنها سَتَعبُر بهذه النسخة في ما بعد الحدود الفرنسية-الإسبانية لتزور قبر صديقها على ضفاف البحر المتوسط وتسلّم نسخة النص لأصدقائه، لتصل لثيودور أدورنو، الذي يتولى نشره لاحقاً.

قد يلبي نص «عن مفهوم التاريخ»، بين أشياء أخرى، احتياجنا للإجابة عن سؤالين: كيف نجعل نظرية الزمن أكثر مواءمة لواقعنا الحالي ولالتزاماتنا السياسية؟ وكيف يمكننا التعاطي مع الماضي بشكل سياسي وليس فقط تاريخي؟

الأساسيات في مفهوم بنيامين عن التاريخ تبدأ من التحرر من استهلاك التاريخ كتطور خطي للأحداث، والنظر للوقت كشيء متجانس ومتراتب وخاوٍ، واستبدال ذلك بعملية لاستحضار مقاطع بعينها تتقاطع مع حاضرنا. تَظهر لنا هذه المقاطع في لحظات الاحتياج، لحظات الأزمة، وهنا يصبح تقاطع الماضي مع الحاضر لحظة مكثفة، لحظة سياسية. كنت أعيد قراءة نص بنيامين عندما استرسل صديق في الحديث عن لجنة المَعادي الشعبية للحفاظ على مكتسبات الثورة التي تكونت في 2011. استوقفني تذكره لهذه اللحظة وسألت نفسي: كيف أثرت هيمنة مركزية السردية الخطية لتاريخ الثورة على هذه الهوامش، هذه المقتطفات والشظايا التي لم نقف عندها كثيراً؟ في انتصاريته، هناك شيء من الشاعرية في اسم «لجنة المعادي الشعبية للحفاظ على مكتسبات الثورة». وفي هذه الشاعرية، هناك حس سياسي قد يعيد تنظيم فهمنا للسياسات الصغرى المكونة للمشهد الثوري الكبير. ناهيك عن ما هي اللجنة فعلياً، ومن هم أعضاؤها، وكيف يعملون، وما هي أهدافهم، وما هي علاقتهم بحي المعادي، في ثورة هيمن ميدان التحرير على مخيلتها الجغرافية؟ وما الذي يمكن أن تقوله لنا حالة هذه اللجنة عن علاقة المحلي بالسياسي وما هي أفق وحدود المحلي في الممارسة والكينونة السياسية؟ وما الذي كان يمكن أن يحدث إن أفسحنا مساحة السرد التاريخي لحدث الثورة لتضم قصة اللجان الشعبية بشكل أكثر جدية؟

تبدو لي لجنة المعادي الشعبية للحفاظ على مكتسبات الثورة كانحراف لتاريخ 2011 الملحمي كما نعرفه، وكما لقّنّاه لأنفسنا. يحدثنا بنيامين عن الانحرافات والطرق التي لم نسلكها، ويجعلنا نتساءل عن الإمكانيات الكامنة فيها. عند بداية الثورة وانسحاب قوى الأمن أمام حالة التصميم الثوري، ظهرت لجان شعبية من نوع آخر في المناطق المختلفة، هادفة بشكل أساسي إلى سد الفجوة الأمنية ولعب دور الدولة لحماية المناطق. ظهرت الاختلافات السياسية بمكوناتها الطبقية والجغرافية والجندرية في جسم هذه اللجان، وطاف على السطح مشهد القوة عندما يكتسبها الأشخاص أو يسترجعونها من الدولة. أصبحنا أمام استعراض لهذه القوة، كلٌ بحسب ما يمتلكه من أداة: أبناء حي الزمالك يقفون عند مداخل حيهم بالعوامات والأسلحة الآلية، وأبناء امبابة ينتظرون بالشوم وبأجسام رجولية ضخمة. تحولت اللجان هذه لهامش لا نلتفت له كثيراً في طريقنا من وإلى الميدان، ربما لأنه يربكنا أو يخرجنا عن الحالة المنسجمة المتطهرة التي فرضت نفسها على الميدان على اختلاف مكوناته هو أيضاً. كان هناك إيهام بالانسجام، حتى على مستوى خطوط الرفاقية والعداء داخل الميدان. كل شيء خارجه بات مربكاً، ربما لما يمثله من التعقيد الأصيل للواقع. قد تتشابه حالة فرض انسجام ما على الواقع هذه مع ما حاول القيام به صديقا بنيامين المقربان، ثيودور أدورنو والمؤرخ جيرشوم شولم، عندما غيّبا رسائله للكاتب المحافظ كارل شميت، والذي عبّر بنيامين فيها عن فضوله واهتمامه بمشروعه الفكري مراراً وتكراراً في مرحلة ما من حياته. تقول لنا محاولات قراءة هذا التقرب (بين بنيامين وشميت) أن الأمر يعود إلى البعد اللاهوتي في فكر بنيامين، وهو البعد الذي خلق مسافة بينه وبين المادية التاريخية التقليدية. بعيداً عن وساطة أدورنو وشولم لتقديم بنيامين لنا كمفكر ثوري وتقدمي متجانس، أتساءل عن سر هذا التقرب، وما يمكن أن يوحيه لحلحلة ثنائية الثورة والثورة المضادة، الثنائية التي تبحث عن أريحية سياسية في خلق حدود خيالية بين الأشياء. ماذا لو لم يكن هناك مساحة فاصلة بين العالمين؟ أين نقف وكيف نشتبك؟

في استحضار اللجان الشعبية المحلية على اختلاف أشكالها، تعجبني حالة فتح غرف الماضي التي لم تُفتح. يشير بنيامين لهذه الغرف كحاويات للمستقبل يجب علينا تخليصها. يستدعي الأمر التوقف عن النظر إلى الماضي كصورة أبدية، ولكن كمجموعة من التجارب.

أجلس على الجانب الآخر من المكالمة منتظرة السؤال الصحفي الحتمي الذي سننهي به الحوار أخيراً: هل انتهت الثورة؟ الإجابة بنعم قد تخلصني من هذا المأزق المتكرر. والإجابة بلا قد توحي بسذاجة سياسية من المستحيل ألا أكون تجاوزتها بعد كل هذه السنوات. أجد مزيج من الانضباط الفكري، والتحرر الفكري في الوقت نفسه، في دعوة الابتعاد عن منطق اكتمال السردية التاريخية ومقاربة التاريخ كشيء غير مكتمل. أحاول أن أجد كلمات تصف استمرار الماضي عبر فعل التقاطه في الحاضر، في أوج الأزمة، في قمة الشعور بالانسداد، وأن الفعل السياسي يكمن هنا. لا أعرف إن كانت ستستخدم كلماتي في النهاية. فعشرية الثورة تأتي كنُصب زمني صلب، نُصب تذكاري يُعنوِن زوال الحدث وينعيه.

ربما علينا أن نتجاوز العشرية هذه، وكل العشريات.