عن موقع الكاتب في الإنتاج الدرامي السوري

 

الاهتمام بمقولة الدراما السورية وسبر محتواها يُحيلنا بالضرورة للبحث عن كُتّابها، فنجاحُها في ملامسة الواقع هو في النهاية نجاحٌ لنصّها، ولقُدرة الكاتب على اختيار حالاتٍ تتواصل مع المشاهد. وقد أخرج لنا التعاون الناجح بين الكُتّاب والمخرجين والفنانين العديد من الأعمال التي ما تزال حاضرةً في أذهان المشاهدين، مثل هجرة القلوب إلى القلوب وأحلام كبيرة وتخت شرقي. ورغم أن هذه الأعمال استغلّت ركود الدراما المصرية في التسعينات، التي كانت مسيطرةً على هذا النوع الفني، إلا أنها لم تتمتع حتى ولو ببعض المساحة الحرة التي كانت الدراما المصرية قادرةً على تبنيها. فالدراما السورية، وبما أنها ابنة واقعها، تعاني من التحرك في فضاءٍ مغلق ومحصور ومراقب يتدخل بكل تفاصيل الحياة في البلاد. لذا فإن ما يُقدَّمُ على الشاشة، حتى إن خرج عن سلطة الدولة كمنتجٍ فعلي، إلا أنه لا يخرج عن سلطتها في تحديد المسارات المسموحة والممنوعة. تحدّت الدراما السورية ذلك كله، وحاولت أن تناقش واقعها بطريقةٍ أو بأخرى، وتتغلغل في حياة الناس وهمومهم، منطلقةً من نافذتين صغيرتين كسبتهما خلال فصول معاركها: هما الدراما الاجتماعية والدراما التاريخية.

عن النص، عن الكاتب!

مُساءَلُة قيمة الكاتب السيناريست في دورة حياة المسلسل التلفزيوني تعني البحث عن اللحظات المهمة التي قدّمت فيها الدراما السورية نصاً حقيقياً وواقعياً، وقادراً على فهم متطلبات السوق، وما بينهما التحوّلُ من فن درامي تلفزيوني إلى صناعةٍ رائجةٍ ورابحة. هذه مشكلة تعانيها كل الأنواع الفنية في العصر الحديث، حيث الصراع على أشدّه بين تعريف الفن وما هو الفني وما هو الصناعي أو التجاري. إلا أن مقاربتنا هنا هي للحديث ضمن إطار المسلسل الدرامي السوري نفسه، وضمن آلياته وطرق عمله. وبالتالي تصبح مساءلة قيمة الكاتب السيناريست محصورةً هنا في نقاش حضوره وغيابه في الأوساط الدرامية، وبحثه المستمر عن مركزٍ ما. وعليه فإنها مناقشة مفتوحة لفكرة «الكاتب هو الحلقة الأضعف».

كتاب الدراما نجوم/متهمون

صعدت الدراما التلفزيونية السورية في زمنٍ قياسي، وأصبحت دراما عربية تناسب أذواق المشاهدين من المحيط للخليج. وشكلت مفهوماً جديداً للنجوم، على غرار الدراما المصرية. نجومٌ طغوا على الفضائيات العربية، حتى المصرية منها، وصار يتم استقطابهم في أي محفلٍ أو مسلسلٍ أو برنامجٍ حواري. وبذلك تمّ وضعهم في الواجهة بالتزامن مع تفريغ المثقف السوري من حضوره أو قدرته على النقاش، فصار النجم التلفزيوني فاعلاً في كل أشكال الحياة العامة السورية. تَرافَقَ ذلك طبعاً بأن صار للعاملين في هذا القطاع في سوريا نوعية أجورٍ لا تُقارن بأيٍّ من الأنواع الفنية المختلفة، فضلاً عن النفوذ والسلطة التي أصبحت متاحةً للفاعلين الأساسين فيها، مما شكل نوع صناعة مختلف عما يحيط به في سوريا، تتحكم في بعضه شركاتٌ تابعةٌ لأفرادٍ ومسؤولين في السلطة. كما بدأت بالاحتفاء بهذا الفن الشركاتُ الخاصة، التي لعبت دوراً في خروج الدراما إلى الفضائيات العربية، مما أدى لارتفاع الأجور بشكلٍ تصاعدي. ولكن حتى ضمن هذه الصناعة، هناك تفرقةٌ واضحةٌ في الأجور تجعل من أجر الكُتّاب الأقلَّ على السلم، بينما يأخذ نخبة نجوم الصف الأول والمخرجون الحصة الأكبر. وقد حاولت المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي عام 2011 تحديد قائمة الأجور، فكان أجر تأليف الحلقة الواحدة من النص الجاهز للتنفيذ تلفزيونياً (تأليف، سيناريو، حوار) خمسون ألف ليرة سورية كحدٍّ أدنى، ومئة وخمسون ألف ليرة كحدٍّ أعلى. فيما أجر المخرج عن الحلقة الواحدة يتراوح بين ستين ألف ليرة ومئتين وخمسين ألف ليرة سورية للمسلسل المعاصر، ويصل الحد الأعلى إلى ثلاثمئة ألف ليرة سورية في المسلسل التاريخي. أما الحد الأعلى لنجوم التمثيل، فقد يصل عن الحلقة الواحدة إلى نصف مليون ليرة سورية. يوضح هذا أن أجر الكاتب التلفزيوني عموماً أدنى من أجور بقية الفاعلين في الدراما، وأنّه لا يوجد تناسب أبداً بين مهماته وأجره.

يخوض نص الكاتب التلفزيوني أول معاركه حين يكون ورقياً، فيدخل أروقة الرقابة ويتعرّض دوماً لقصٍّ وتعديلٍ وفقاً لمزاج السلطة، فيخرج من تلك المرحلة مشوهاً عجائبياً، وقد لا يخرج إلى النور بعدها. وفي حالة تجاوز النص التلفزيوني لهذه المرحلة، يمكنه متابعة حياته نحو التصوير والإنتاج. طبعاً في هذه المرحلة يبدو اسم الكاتب أهم قطعة في شطرنج العملية الفنية، فهو المسؤول الأول والفعلي عن هذا المسلسل أمام الجهات المعنية. وبذلك فالجُرأة في الطرح، أو تجاوز الخطوط الحمراء، أو أي نوعٍ آخر من التحايل هنا يتحمل مسؤوليته الكتّاب وحدهم، الذين يتشعّب عملهم لرسم حوارٍ متناسقٍ لعددٍ من الشخصيات على مدار 30 حلقة. وبذلك يمكننا القول إنه ضمن العملية السلطوية لرقابة النص الدرامي يكون الكاتب هو محط الأنظار والاهتمام، وبذلك تشمل الرقابة على النص بحثاً عن خلفية الكاتب وتوجهاته، وهي رقابةٌ أمنيةٌ أكثر من كونها رقابة ثقافية. كل التحديات التي يواجهها الكاتب بالتركيز على فكرة أنه هو صاحب النص ومقولته الأخلاقية ستعود عليه فقط بالأثر السلبي، في حين أن النجاح هو نجاحٌ لجميع طاقم العمل، وبالأخص لمخرجه.

السيناريست والعمل التلفزيوني

مع ازدياد قوة الدراما التلفزيونية السورية وارتفاع تكاليف إنتاجها وتقديمها، صار الطلب على نصوص أو أفكار للسباق الرمضاني أكثر إلحاحاً. وكما كل المجالات الفنية الأخرى في سوريا، صارت دائرة كتّاب السيناريو ضيقةً وتعتمد على العلاقات. ويتعلق دخول أي أسماء جديدة، بشكلٍ رئيسي، بشبكة المعارف التي ستقدّم هذه النصوص للجهات الإنتاجية المختصة، وبذلك كثرت التوترات التي تتهم أعمالاً درامية بسرقة أفكار ونصوص من كتاب شباب دون الإشارة لهم أو دون تقديم بدل مادي لهم. حتى في الأوساط الأكثر ضيقاً، تردَّدَ كلامٌ كثيرٌ عن تحريفٍ قام به المخرجون أو المنتجون وصل حد إلغاء نصوص الكتاب، على الرغم من مكانتهم، والأمثلة كثيرة ومتنوعة من العالم الدرامي التلفزيوني. وقد حدث أن اتهم هاني السعدي يوسف رزق بشكلٍ واضح بتشويه نصه. ولا يخفى على أحد الإشكالات الكبيرة بين رافي وهبي كاتب مسلسل العراب - نادي الشرق مع الشركة المنتجة «كلاكيت»، ما دفعه للانسحاب من كتابة الجزء الثاني، رغم أنه كان قد بدأ فعلاً بكتابته. فيما وجَّهَ السيناريست خلدون قتلان اتهاماً صريحاً لمخرج مسلسل الكاتب، رامي حنّا، بسرقة نص له بعنوان «الخونة»، كان قد عرضه عليه قبل سنوات. وتطول القائمة بشكلٍ لافتٍ للانتباه حول مجموعة لا بأس بها من الأعمال الدرامية السورية، ما يحيلنا إلى سؤال حق المؤلف.

عموماً، لا يتبع كتّاب السيناريو في سوريا إلى نقابة الفنانين لعدم اعتبار الكتّاب فنانين، ولا يضمهم أيضاً اتحاد الكُتّاب لعدم الاعتراف بالسيناريو التلفزيوني كنوع أدبي، ولذا فلا حقوق واضحة أو ميثاق مع كتّاب السيناريو. وغالباً ما تكون العقود مع الشركات المنتجة هي عقود شراء لكامل حقوق النص، مع أحقية التعديل والتغيير دون ضوابط ناظمة، كما ألمحت أمل حنا في نقاشها لعلاقة نصوصها مع المخرجين.

الكاتب والأفكار

كانت فترة أول الألفينات لحظةً مهمةً على صعيد توسيع مساحة الرقابة السلطوية على المسلسلات السورية، إذ خرجت الكوميديا «الهادفة» إلى أماكن جديدة، وأصبحت لوحات بقعة ضوء مثالاً عن الجرأة والقدرة على انتقاد أغلب أركان السلطة، بما فيها الرقابة الفنية نفسها، وحتى انتقاد السلطة الأمنية في البلاد مع لوحات مثل «الرجل البخاخ» و«تحقيق أمني» لعدنان الزراعي في الجزء السادس، و«حدث في السينما» إعداد مازن طه عن قصة لإبراهيم صموئيل. ومن ثم مسلسل عالمكشوف الذي انتهج الطريقة ذاتها في تقديم لوحات كوميدية ناقدة، أخرجت سكتشات «أمل ما في». وبذلك ظهرت مجموعة من الكُتّاب الذين تصدّوا لفكرة كتابة الكوميديا (رافي وهبي، ممدوح حمادة، عدنان زراعي، مازن طه، دلع الرحبي وغيرهم). لكن في لحظةٍ زمنيةٍ ما، توقفت الآلة الكوميدية السورية عن تقديم الجديد وعادت إلى استنساخ ذاتها والوقوع في التكرار، كما حدث مع بقعة ضوء 7 وأبو جانتي عام 2010.

ومع سقوط الكوميديا، ظهرت المسلسلات الدرامية الجريئة التي تجابه المحظور مع الكاتب فؤاد حميرة مثلاً ومسلسلات مثل غزلان في غابة الذئاب 2006 وممرات ضيقة 2007، أو سامر رضوان بدايةً في لعنة الطين 2010 وليس انتهاءاً بـدقيقة صمت 2019. ورغم محاولة صنّاع الدراما السورية رفع سقف النقاش في مرحلةٍ ما، إلا أنهم عادوا وخسروا كل مكاسبهم حينما سمحوا بتهميش الكاتب/السيناريست وجعله كبش الفداء. وقد خرج سامر رضوان من غير رجعة في 2013 من البلاد، وسقط ممدوح حمادة في فخ ضبوا الشناتي الممتلئ بالإرجاعات غير الموفّقة التي لا تتناسب مع السياق الفعلي في سوريا، وتم تغييب عدنان الزراعي في المعتقل كمثالٍ حي على حلول السلطة ضد كل الأفراد والفاعلين، فيما لم تتم محاسبة قصي خولي مثلاً على دوره في الولادة من الخاصرة كثائر في 2011، وكأنَّ النور الساطع من نجومية الممثلين والممثلات كان ملاكاً حارساً لهم من كل شرٍّ وسوء. وعلى هذا تم اعتبار الكاتب/السيناريست المسؤول الأوحد أمام أي سلطة أمنية، وهذا ما بدا جلياً مع قصة سامر رضوان مع نصه دقيقة صمت، الذي خرج نجومه تباعاً ليعلنوا نفيهم القاطع لمحاولات الكاتب الزج بهم في معاركه مع النظام السوري، في حين حصدوا نجاح هذا المسلسل بشكل واضح وكبير.

ختاماً، تحتاج الإضاءة بشكلٍ مفصّل على دور الكتّاب إلى إفراد صفحاتٍ لكلّ مَنْ ساهم في الكتابة لدراما انتشرت وتوسعت ولامست حين صَدَقَت. وقد حاولت المقالة إلقاء الضوء على بعض المفاصل، التي قد يبدو اليوم، مع سواد الأفق، أنها تخوض نقاشاً عقيماً في البحث عن نصٍّ يمكنه ملامسة واقع السوريين على اختلاف أماكنهم وآلامهم. لقد خسرت الدراما السورية فاعلها الأساسي، وهو الكاتب صاحب الفكرة، وما زالت تصارع مع الاعتراف بذلك.