عن نجوم لا تنطفئ: من أم كلثوم إلى داليدا

 

تخذلنا اللغة العربيّة حين نحاول ترجمة كلمة star، فهي مذكّر بالعربيّة إن أردنا أن نحيل إلى نجوم السماء، أما «النجمة» فهي الشجرة. نتحذلق هنا في محاولة للحديث عن معرض النجمات: من أم كلثوم إلى داليدا الذي أقامه معهد العالم العربي في باريس مؤخراً، والذي يضيّع الزائر والفضوليّ والمهووس بين أثواب وإكسسوارات نجمات الغناء العربي منذ مطلع القرن العشرين. الأمر أشبه بمن يدخل كبسولة زمن متحفيّة، ما فيها منمّق ومرتّب ليحكي لنا عن «العصر الذهبي» للفن في العالم العربيّ. سنتجاوز التعميم هنا، انصياعاً للنوستالجيا، وتقديراً لفن التذكّر أثناء المشي في المعرض.

تَرافق المعرض مع صدور كتاب يحمل ذات العنوان، يحوي مجموعة من النصوص والدراسات التي تناقش الحركة النسويّة الفنيّة في العالم العربي، وتاريخ «النجمات»، و كيف لعبت المغنيات والممثلات والمنتجات دوراً في تحرير المرأة، بصورة أدق، وهذا ما نفترضه نحن، في «خروجها من الصالون» نجماً أو نجمةً. 

نحاول قراءة الكتاب عبر تسلسل الأمكنة، أي عبر خطوات الانتقال من الفضاء الخاص إلى العام، وكيف تحركت المرأة العربية (تعميم هنا لا بد منه) جسداً وصوتاً من المنزل إلى خشبة المسرح ثم شاشة السينما، مروراً بالفضاء العام (المقهى، الشارع…). نتبنى هذه القراءة استطراداً على النص الأول في الكتاب الذي أنجزته ليلى دخلي، وفيه حديث عن الصالون، بوصفه «مساحة استقبال في فضاء خاص، مساحة تتيح للعالم أن يحضر في (الداخل)»، وكأن الصالون العتبة الأولى نحو الخارج، هو مساحة متوسطة، صاحباته من البرجوازيات، كمي زيادة وهدى شعراوي، وفيه تقرأ النساء الأدب بصوت عالٍ، ويغنين ويعزفن، ويدعين بعض الرجال، وعوضاً عن اقتحام الحياة العامة مباشرة، تدرج الداخل في التسلل إلى العموميّ إلى حد ميوعة الحدود بينهما، خصوصاً أن تلك الفترة ارتبط بالأحداث الكبرى، كالحرب العالميّة الأولى، و«بداية الحداثة» وظهور النزعات الوطنيّة واستقلال الفئات الاجتماعيّة، أي التحول من «رعيّة» إلى «مواطنين».

هذه «الصالونات» البرجوازيّة لا تمثّل الجميع في مصر ولبنان وسوريا. صحيح أن هناك موقفاً نقدياً ونسوياً لوضعية المرأة تبنته القائمات عليها، لكننا هنا لا نتحدث عن كل «النساء». بعض حركات التحرر الوطني حينها، وشقها النسويّ، وجدت في التقليديّة وتبني الرموز الدينيّة أسلوباً لمقاومة الاستعمار، كما في الجزائر ومصر، وكأننا هنا أمام طبقتين، «سافرة» تنشط من الصالون، و«محجبة» تحتج في الشارع. نستخدم هذه الألفاظ التي تظهر في الكتاب، في محاولة للتحرك ضمن المكان الذي «تظهر» فيه النساء، ففي الصالون لا تعتبر الواحدة «سافرة»، بل سيدة مجتمع راقٍ، تهتم بالأدب والكتاب والنضال الثقافي، ومَن في الشارع تناضل ضد الاستعمار، وتسعى للتحرر عبر حجابها.

هنا يمكن تلمس التقسيم الطبقي الذي ارتبط بتبني الرموز الدينيّة ودلالاتها النسويّة والسياسيّة، فنزع هدى شعراوي لحجابها في الشارع، ومشيها «سافرة»، هو الأهم، لا صورها «سافرة» في الصالونات، أي أشكال «التحرر» بين الخاص والعام مختلفة، وقد تكون «حريميّة» في بعض الأحيان، ونقصد هنا أن الداخل بكل تحرره، ولو كان مفتوحاً على الخارج، لا يبيح الظهور في الفضاء العام بل الإطلالة عليه.

الخروج من الصالون

بدأ الخروج من «الصالون» مع نهاية الحرب العالميّة الأولى، وظهرت النساء في المقهى وعلى خشبة المسرح، وافتُتحت «الكازينوهات»، وظهرت التسجيلات الجماهيريّة، وولد شكل فنّي جديد، إذ انتشرت الطقطوقة التي تخاطب الجميع لا «النخبة»، أغنية قصيرة نسبيّة، ذات كوبلية متكررة. كما اقتحمت النساء عالم الاستعراض مع الضوابط المحيطة به، حتى ولو كانت تظهر على الخشبة بصورة رمزيّة، إذ نقرأ في الكتاب عبارة، تشعل المخيّلة، مفادها التالي: «منيرة المهدية، أول امرأة مسلمة تصعد على الخشبة مع فرقة عزيز عيد، بدون حجاب، متنكرة بزي رجل، حيث لعبت عام 1916، دور المغني سلامة حجازي».

لا يمكن إنكار أن الموهبة الفنيّة لعبت دوراً في فتح الباب أمام «النجمات». لكن دور «الرائدات» تمثل بقدرتهن على تشكيل السوق. فمنيرة المهدية، صاحبة لقب سلطانة الطرب، امتلكت كاباريهاً خاص بها، وتسجيلاتها الخاصة؛ وبديعة المصابني امتلكت صالة الرقص الخاصة بها، ورعت جيلاً من الراقصات؛ ذات الأمر مع عزيزة أميرة، أول منتجة وممثلة؛ يمتد هذا الأثر حين الانتقال لاحقاً إلى شاشة السينما والأفلام الغنائيّة، إذ نتتبع السير و«الأدوار» المميزة لكل واحدة من تلك الرائدات اللاتي عملن خارج الصالون، لا فقط بمواهبهن، بل بتملكهن للخشبة التي يقفن عليها، في محاولة لجعل القطاع الفنيّ الخاص مستقلاً وفي ذات الوقت يحابي المؤسسة الرسميّة والسلطة السياسيّة.

صناعة النجمـ/ة 

يظهر القسم الثاني والثالث من الكتاب كمحاولة لرسم معالم سير بيوغرافية لـ«نجمات الشرق»: أم كلثوم، أسمهان، وردة الجزائريّة، فيروز، لننتقل بعدها إلى نجمات السينما والدور «الوطني» الذي لعبته الشاشة والإنتاجات السينمائيّة، وكيف استقل شكل السينما الغنائية في مصر ثم تراجع، ونتعرف خلال ذلك على سعاد حسني، ليلى مراد، تحيّة كاريوكا. تعدد هذه المواهب، و«ظهورها» علناً، لا ينفي السياقات الذكوريّة التي تحيط بهن، لكن ما يثير الاهتمام والإعجاب هو تعدد المواهب التي تمتلكها الواحدة منهن: الغناء، الرقص، التمثيل، وهنا لا يمكن تجاهل النوستالجيا التي تعتلي من يطالع الكتاب، وهو يشاهد الصور والأفيشات، ويقرأ كيف زلزلت أم كلثوم باريس حين غنت على خشبة الأوليمبيا، هذا «التاريخ» نفسه تحول إلى موضوعة فنيّة، تتناولها أفلام السينما والكتب المصورة (يا ليل يا عين لميا زيادة)، ناهيك عن حضور تلك النجمات في الأشكال الموسيقيّة الإلكترونية، وعن شاشات يظهرن فيها أمام جموع من الراقصين في الحفلات، كما نرى في الإلكترو-طرب، وغير ذلك من الاستعراض والإنتاج الموسيقي الذي يوظف نجوم تلك الفترة صوتاً وصورةً.

نتعرف أيضاً على الأساليب التي تُصنع عبرها «النجمة» في نظام الاستديو، نتأمل صور الكواليس، والأفيشات، والأزياء المتعددة. هي محاولة لتحرير «النجمة» من الشاشة عبر الإضاءة على الأدوار التي يمكن أن تلعبها خارجها. بالطبع هذا لا ينطبق على جيل الرائدات. الخشبة فقط هي مساحة الاستعراض، والمناسبات الرسميّة، في حين يمكن أن نرى صور سامية جمال في الكواليس أمام مرآتها. الصورة هنا ساحرة، بل تفتح الباب أمام المخيلة، فـ«الصورة، كل ما لسـ(ت/نا) موجوداً فيه».

نحن من نقرأ ونحدق ونحنّ إلى تلك الفترة، والألق الذي فيها، ولو كان هشاً، ويكشف عن نظام هيمنة خفيّ، وهنا نكتشف من هم الغائبون من هذه الصور، رجال يحيطون بالنجمة، ينحتون حياتها وصورتها والأدوار التي تلعبها، وهذا ما نتلمسه في بعض الحكايات التي تشرح «نظام النجوم» الذي أوصل السينما المصريّة إلى العالميّة، وطبيعة الأدوار التي تلعبها «النجمات»، وهذا ما يعيدنا إلى منيرة المهديّة، التي تنكرت كي تصعد على الخشبة لأول مرة بزيّ رجل. التنكر هنا دور، وحتى إن كشفت «النجمة» لاحقاً عن جنسانيتها و«أنوثتها» يبقى الدور قائماً. الخروج من «الصالون» افترض تنكراً؛ غياباً ما في الصورة؛ غيابنا نحن، المشاهدين، المتعاطفين، «المحبّين»، والأهم، المعنيات بالنضال النسويّ، وكأن ما نراه في الكتاب من صور لا يوثّق، بل يُشفّر، ويشير إلى ما هو غائب، وهذه الإشكالية متكررة في التعامل مع تلك الفترة: التوثيق والاحتفاء والمتحفيّة ذو قيمة تأريخيّة، لكن متابعة سير هذه النجمات تكشف دوماً عمّا هو غائب، فداليدا رمت بنفسها من الشرفة، وسعاد حسني رمت بنفسها أيضاً من الشرفة، أما صباح فتتعدد ميتاتها العلنيّة، وفيروز تحولت إلى إرث وطني. لا نعلم إن كان هذا جزءاً من «الحقيقة» أو «الحكاية»، وهل فعلاً الاكتفاء بهولوغرام لتحية كاريوكا ترافقه موسيقا الإلكترو-طرب هو فعلاً الخطوة الأخيرة للخروج من «الصالون».