عواطف خارجة عن السيطرة

 

اعتقد جو غولدبرغ أن تراجعه عن قتل حبيبته لوف بعد أن علم أنها حامل بطفله، في الحلقة الأخيرة من الموسم الثاني من مسلسل يو (2019-2021)، قد يقوده إلى تراجع كامل عن أسلوب حياته هذا كقاتل متسلسل، ويفتح أمامه إمكانية الحياة بشكل آخر كفردٍ من أسرة نموذجية، تنتقي الابتعاد عن وسطها السابق  في لوس أنجلس حيث في كل زاوية هناك ذاكرة دامية، أو بقايا جريمة، لتعيش في الموسم الثالث الذي بثته نتفلكس مؤخراً، في ضاحية يقطنها أثرياء، وتحاصرها كاميرات المراقبة. إلا ذلك لن يستمر بالتأكيد، فالقاتل المهووس جو لم يعد وحيداً، هناك اليوم إلى جانبه لوف التي تستسهل حمل الفأس وشق رأس أول امرأة تستشعر خطرها على حياتها الأسرية.

المجرم «الجينتل»، الهادئ، خرج من بين رفوف المكتبة النيويوركية التقليدية التي عمل بها منذ طفولته، محاصَراً بطبقات ذاكرة متعددة رسمت له طريقاً لا يحيد نحو الجريمة، من الطفولة التي استخدم فيها المسدس دفاعاً عن أمه، إلى المدرسة التي عانى فيها من التنمّر، إلى المكتبة حيث قبع في زنزانة زجاجية تتوسّط قبوَها تحت سلطة مالكها الموتور، الزنزانة التي ستصبح مسرحاً لجرائمه في نيويورك، ثم أمثولة للجريمة الكاملة في مخيلته، يبنيها حيثما قادته الأقدار خلف قصة عشق يتمسّك فيها معتنقاً خيالات سكوت فيتزجيرالد الرومانسية، ومتشرباً تفاصيل العشق في عصر الجاز، ومستعداً ليكون بطل رواية أي قصة حب تواجهه، وينتهي فيها إلى سلسلة جرائم تنتهي بقتل المرأة التي يحبها.

الشخصية السيكوباتية للقاتل المتسلسل طالما كانت بناءة للمتعة والتشويق في الدراما تاريخياً، وعادة ما تُبنى قصصها بسياقات مختلفة، فهي إما استحضار ذواكر مجرمين يقبعون في السجون لهم نظرياتهم في الحياة والموت كما في فيلم ذا سايلنس أوف لامبز (1991) رائعة جوانثان ديم، أو في مسلسل مايند هانتر (2017- 2019)، أو تبنى على الحدث - الجريمة معتمدة على شخصية الفرد القاتل وسلوكه كما في عشرات الأعمال التي تتباين سويتها من تجاري بحت لا يمتد أثر له إلى ما بعد إغلاق شباك التذاكر، إلى أعمال أكثر تعقيداً تطرح أسئلة فلسفية مثل ذا هاوس ذات جاك بيلت (2018) لرائد الدوغما لارس فون ترير، والذي يبدو الأقرب ببعض مكوناته إلى يو بتماثل فكرة القفص الزجاجي المخفي فيه مع البيت المبني من الجثث في الفيلم، إضافة إلى أداء بين بادغلي بطل المسلسل الذي حملت تفاصيل أدائه الكثير من التشابه مع أداء مات ديلون في الفيلم. إنما وبعيداً عن كل النماذج السابقة باختلاف طروحاتها وتقييماتها الفنية والتجارية، يذهب يو إلى البيئات المحيطة بالقاتل  - في كلٍ من الثلاثة مواسم هناك بيئة مختلفة - ليستخلص مبرر وأدوات صناعة الجريمة كخلاص روحي له في كل علاقة عاطفية يخوضها. البيئات وشخوصها ومكوناتها ومعاصرتها للواقع الحالي جعلت من حياة جو، قصة قاتل معاصر، لا يظهر من حياته للعلن أكثر مما يظهر لنا من حيوات كل من حولنا، أما ما خفي من تلك الحياة، فهو الأقرب لوجه جو الحقيقي.

حقق المسلسل المقتبس من رواية تحمل الاسم ذاته للكاتبة الأميركية كارولين كيبنس، بمواسمه الثلاثة شهرة ونجاحاً كبيرين بحسب مؤشرات المتابعة وتصويتات النقاد والجمهور على منصاتٍ مختصة، وتصريحات نتفلكس المواكبة لمواسمه التي جذبت ملايين المتابعين، تخطى الموسم الأول وحده الـ 40 مليون متابع وفقاً لتصريحات نتفلكس هذه، بمقومات روائية لعبت الدور الأساسي بزيادة شعبية العمل، وتميّزه أو حتى نخبويته بجانب من الجوانب، فليست القضية مجرد تشويق يسكن تفاصيل العمل، وكلّما ابتسمت فتاة في وجه البطل، سننتظر تفاصيل قتلها، وأسلوب أخفاء الجثة، ومن ثم تضليل الجمهور حول الفاعل، إنما هي سرد نفسي مواكب لسلوكيات القاتل، يختصّ فيه الراوي بتلخيص ما يعتمل داخل البطل بجمل واضحة فاقعة، تبرر له الجريمة أمام نفسه، وتجعله يرى العالم حوله بعين واحدة، ويعبّر عن نفسه بلسانين، لسانه الذي لا يعني ما يقول دائمأً، ولسان الراوي الذي يصيب المعنى والعبرة، ويأخذنا باتجاه الجريمة بخطى ثابتة، منتظرين الحيثيات لا أكثر. لا يقتصر دور حوار القاتل مع نفسه على لعب دور منجاته النفسية والأخلاقية مما ارتكب وحسب، بل ويورّط الجمهور في التبرير أحياناً.. إن لم يكن تبرير الجريمة، فتبرير ما بعدها.. وقد يجرك لتقول أنت كمتابع، بأن تقطيع الجثة بعد الجريمة، مبني على مسببات واقعية: «إنه لم يقطّع الجثة لأنه سادي ويهوى تقطيع الجثث، بل لأنه لا حل آخر للتخلص منها».

الجريمة في عصر السوشل ميديا، واحدة من أهم أطروحات العمل الأساسية، حيث لم يعد هناك جريمة بعيدة عن المنصات، ليس بالإعلان عنها وأثرها، وإنما بتفاصيل القيام بها، فهذه الصفحات على فيسبوك وإنستغرام هي سلسلة هرمية بعين مجرم محترف مثل جو هي أداة يتتبع بها أثر من يؤثرون سلباً على مجرى علاقاته العاطفية، يخترق حساباتهم ويراقبها وصولاً إلى اللحظات الحاسمة التي ستكون السوشيال ميديا شريكته في الجريمة وأداته الأساسية لارتكابها.. يحمل «يو» جواباً على سؤال صادم لم يسبق لأغالبنا أن سأله بالتأكيد: «ماذا يعني أن يسيطر القاتل على هاتف ضحيته بعد إخفاء الجثة؟» الإجابات هنا مفصّلة على مقاسات سيناريوهات الجرائم، فسيلعب القاتل هنا بالجغرافيا، وهناك بالزمان، وفي مكان آخر بالاثنين معاً بالإضافة إلى توريط من شاء عبر التواصل معهم باسم الضحية. سيؤكّد لنا جو ببراعة أن السوشيال ميديا سهّلت الكثير في حياتنا، ليس على مستوى التواصل فقط، بل أيضاً على مستوى ارتكاب الجريمة.

عدة معالم تغيّرت بشكل واضح في الموسم الجديد، أولها مركزيّة شخصية جو، حيث بدا المسلسل وكأنه لم يعد مقيّداً بالالتزام بسيطرة البطل المهووس بالنساء اللائي يحبّهن إلى درجة قتلهنّ، ولم يعد المحرّك الرئيسي للجريمة أو للحدث بشكل عام، ولم تعد السيناريوهات الداخلية التي يجريها مع نفسه، هي الإطار النفسي الوحيد المسيطر، بل باتت لزوجته لوف مكانة أكبر في عالم الجريمة تلك، لدرجة أن جو بات عنصراً ملحقاً في مجموعة من الجرائم أكثر من كونه فاعلاً، يلملم آثار جرائم زوجته القاتلة غير المحترفة، والتي يمكن إن ترِكت وحدها أن تترك بقعة دم هنا، أو رسالة هناك تفضي إلى الكشف عن الفاعل ببساطة، لكن ما يميّز جو في عالم الجريمة، هو أسلوب التخلص من الجثث والإيهام بالحقائق المزيفة التي ستجيب عن أسئلة الشرطة والمجتمع حول الجريمة. حضور لوف في الجريمة غيّر الكثير، بالدرجة الأولى جعل جو مقيداً بما تفعله زوجته، تلك الأفعال المبررة بالنسبة له كونها دفاعٌ عن الحب، رغم محاولاته الدائمة لردعها عن الاستمرار في هذا الطريق والركون إلى حياة لا جثث فيها، لكن ما تقوم به في النهاية مشابه لما قام به سابقاً وما هو على استعداد للقيام به مستقبلاً.

من المتغيرات في الموسم الجديد أيضاً هو حضور الكوميديا، التي لم تحضر في الموسمين السابقين من المسلسل بشكل فاعل كما هي في هذا الموسم، ولئن كانت مقتصرة على شخصية فورتي شقيق لوف في الموسم الثاني، فهي متشظّية في الموسم الأخير ومسيطرة على بيئة كاملة من المترفين الأثرياء الذين يعيشون في ضاحية مادري ليندا، في ظل علاقات مزيفة وهوس بالسوشل ميدياً وبلعب دور «الإنفلونسر» على إنستغرام، والمشاركة في الفعاليات الأهلية التي لا طائل منها سوى مزيد من الشهرة، تلك البيئة التي كان هدف جو من الإقامة فيها هو التخلّص من أسلوب الحياة السابق، لكنها وبكل هذه الإشكاليات وفرت له ولزوجته بيئة مثالية لإخفاء الحقائق، ونسج الروايات الكاذبة سهلة التركيب حول الجرائم المتجددة.

يبالغ الموسم الثالث في استعادة طفولة جو بشكل لم نشهده في الموسم السابقة، ليقودنا نحو توازي مسارين، جريمة في الحاضر وأخرى في الماضي، حيث بات من النادر لحدث مؤثر في الواقع ألا يقودنا إلى مشهد من الطفولة، يقوّي من حجة الرواية في تبرير الحدث، ويفتح الباب نحو مفاجآت في الماضي لا في الحاضر فقط، بمعنى أن النبش في طفولة المجرم مسار روائي بدأ يأخذ مكانه في صلب الأحداث، وبدأ يتضمن الجريمة بشكلها كذاكرة بالأبيض والأسود، فاتحاً الباب لتبرير المزيد من الأحداث، وربط الماضي بالحاضر على لسان الراوي الذي سيقرأ المزيد في عمق شخصية جو وفهمه للأخرين، واضطراره لقتلهم.

في حوار من الحلقة الأولى في الموسم الأول، جمع بين جو وابن جيرانه الطفل باكو الذي سيكون شاهداً على إحدى جرائمه، يقول الولد خلال قراءته لرواية الفرسان الثلاثة لألكسندر دوما والتي أعاره إياها جو إن الناس في الرواية على الرغم من أنهم يقتلون بعضهم إلا أنهم يعاملون بعضهم بلطف، فيجيب جو بأن ذلك كان في القرن التاسع عشر، حين كان البشر لا يزالون يتحلون بالأخلاق. على هذا النهج تسير شخصية جو خلال 30 حلقة حتى الآن، القاتل المحب المثقف، الذي إن قتل فلأجل قضية سامية، وإن استطاع ألا يقتل عفا عن ضحاياه، يمكن أن يبكي بعيني طفل فوق جثة اقتلع أسنانها للتو، ينال احترام كل من حوله، مجدّ في عمله، بوجه بريء جذّاب.. عصري متقن للتكنلوجيا، مثقف واع يعرف قيمة الكتاب كما لا يعرفها أحد حوله، قادر على فعل أي شيء لحماية طفل من براثن صديق أمّه، عاشق صانع للمستحيل في قصص غرامه، لا يعيبه شيء كما يراه المجتمع، مشكلته الوحيدة أنه قاتل متسلسل.

بطاقة العمل

سيناريو سيرا غامبل – غريج بيرلانتي و12 كاتباً آخرين
بطولة بين بادغلي – فيكتوريا بيدريتي – إليزابيث ليل – أمبير تشيلدرز
إخراج 17 مخرج بينهم سيلفر تري و ساشا ألكساندر وجون سكوت
سنوات الإنتاج الموسم الأول 2018
الموسم الثاني 2019
الموسم الثالث 2021
الجهة المنتجة نتفلكس – وارنر براذرز