عيون تشيح النظر عن الشاشة

 

تحتل قضية المعتقلين والمغيبين قسراً مكاناً متقدماً في المشهد السوري العام. أصبحت هذه القضية أكثر حضوراً في الإعلام بعد تراجع الجانب العسكري، والسياسي بدرجة أقل، وإن كانت أشد ارتباطاً بالبُعد السياسي للقضية السورية دون أن تكون سياسية بحتة. جهود كبيرة تصبّ في صالح التذكير بأوضاع المعتقلين وعدم نسيان قضيتهم، تحضر فيها صورهم وأسماؤهم وذكرياتهم، ويتضح فيها أيضاً حجم الآمال التي يتشبث بها أهالي المعتقلين بأن يكونو بخير أو على قيد الحياة على أقل تقدير.

على هامش هذه الجهود، ودون إدراك لأثر ذلك، يتم أحياناً نشر معلومات تفصيلية وإشاعتها بين الناس، تتضمن تفاصيل اعتقال أو تعذيب بعض الأشخاص. يكون الغرض من نشر هذه المعلومات أحياناً هو التشديد على مدى إجرام النظام ووحشيته، وحث الآخرين على التعاطف مع المعتقلين والعمل على إيجاد حل لقضيتهم. بيد أن ما يقع في الزاوية العمياء لمن ينشر هذه المعلومات على الملأ هو ما تُخلّفه من أثر على بعض أهالي المعتقلين وأصدقائهم، وهو أثر قد يكون قاتلاً في بعض الأحيان، أو مؤذياً للغاية على الصعيد النفسي على الأقل. لا شك في أن النظام يستخدم طرقاً وحشية للغاية في تعذيب المعتقلين، ولكن من المرجح أن إقحام تفاصيل هذا التعذيب في مخيّلة أهالي المعتقلين يسبّب صدمات نفسية قاسية لهم، وقد يكون أحياناً مُهدِّدة لحياة من لا يستطيع احتمال تخيُّل ابنه أو صديقه في ذلك المشهد بالتحديد.

يقول الأخصائي النفسي بيركو سلمو في حديث للجمهورية.نت إن «إشاعة مثل هذه التفاصيل، وخاصة إذا كانت تُقال لأهالي المعتقلين عن أبنائهم، قد تؤدي إلى ضرر نفسي شديد لهم، فالصدمة لا تحدث فقط عن طريق التعرض للحدث القاسي أو رؤيته، بل عن طريق سماعه أيضاً في بعض الأحيان. ويقول بعض أهالي المعتقلين الذين عرفوا عن تفاصيل التعذيب إنهم لا يستطيعون إخراج مشهد ذويهم وهم يتعرضون لها من خيالهم». ويضيف سلمو أن «بعض أهالي المعتقلين الذين كانوا يعيشون على أمل خروج ذويهم تم تشخصيهم باضطراب ما بعد الصدمة بعد رؤية أبنائهم أو أقاربهم في صور قيصر».

يشير سلمو إلى أنه يتفهم إلى أي مدى قد يكون الموضوع معقّداً، فهناك رغبة لدى كثيرين بفضح النظام، وهي نابعة من رغبتهم بتحسين أحوال المعتقلين أو حل قضيتهم. بيد أن المشكلة، بحسب ما يقول، هي في «إشاعة هذه المعلومات والتفاصيل ليراها الجميع دون الاكتراث بما يمكن أن يترتب على ذلك».  

الماء الساخن بانتظارهم

أميرة عبد الله، التي اعتقل النظام السوري والدها وأخوها وابن عمّتها قبل سنوات، تقول في حديث للجمهورية.نت إن «فكرة الاعتقال بحد ذاتها كبيرة للغاية، ويصعب على الإنسان التعامل معها إذا لم ينسها. كل ما خطرت لي فكرة اعتقال والدي وأخي أحاول إبعادها عن رأسي لكي أستطيع إكمال يومي، لأنني قد أغرق إذا فكّرت بها، ولا أستطيع متابعة حياتي. حين قرأت رواية القوقعة، وكان ذلك قبل أن يتم اعتقال السوريين بهذا الشكل العشوائي بعد الثورة، كنت أُسقِط أحداث هذه الرواية على الأشخاص الذين أحبهم، وكانت تراودني الكوابيس أحياناً حيال ذلك. حين عُرضتْ صور ملف قيصر صرت أبحث عن صور والدي، وكنت أعود لإحدى الصور مراراً لمقارنتها بملامح والدي، لكن شعوري الداخلي كان هو محاولة رفض أن تكون هذه الصورة واقعية».

تضيف أميرة أن مشاعرها تتجه نحو نكران فكرة وجود والدها في صور قيصر: «أقول لنفسي إن هذا ليس حاجبه مثلاً، ثم أفقد القدرة على الاستمرار بالتمعّن في الصورة. قد يكون هناك طريقة عقلانية في مقاربة الأمور واستنتاج شيء غير ما يدفعني الأمل للإيمان به، ولكن هذه العقلانية سأتركها لنفسي، ولن أفرضها على والدتي أو عمّتي مثلاً. أنا لست في سوريا ولديّ ما يشغلني في الحياة، لكن والدتي وجدتي وعمتي ما زلنَ في سوريا، وليس بجانبهنّ من يقوّيهنّ، وما زلنَ يمتلكنَ الأمل في عودة أبنائهنّ. كانت أمي كل يوم تُسخِّن الماء وتجهّز المناشف لعودتهم. كيف يتجرأ أحد ما على حرمانهنّ من هذا الأمل الذي يقاتلنَ لإبقائه بارقاً وحيّاً؟».

تقول أميرة إنه حتى لو كان هناك حقيقة دامغة مشفوعة بأدلة تؤكد الخبر السيء، إلا أنها ترفض التسليم بها أو محاولة فرضها على ذوي المعتقلين: «لا يجب أن يتم تداول هذه المواضيع باستهتار، وأعتقد أن مزيداً من التنظيم والحساسية مطلوبان في هذا الشأن. أظن مثلاً أن على الجهات العاملة في التوثيق، أو الجهات التي تمتلك معلومات حساسة، أن تختار شخصاً قوياً يستطيع التعامل مع الأمر من العائلة ليكون على اطلاع على ما يخص المعتقلين من أقاربه، وأن يتم إطلاع هذا الشخص على احتمالية تأثير هذه المعلومات عليه من الناحية النفسية، وتقديم دعم نفسي له للتعامل مع آثار ذلك».

لا أريد لأمي أن تفتح الفيسبوك

سيدة فلسطينية سورية، رفضت ذكر اسمها لاعتبارات أمنية، قالت في حديث للجمهورية.نت إن شقيقها اعتُقل عام 2014 من قِبَل النظام السوري، وبعد أشهر من ذلك استلم والدُها هوّيته من فرع القابون. كان والدها قد ذهب إلى الفرع للسؤال عن ابنه المعتقل برفقة عدد من عائلات المعتقلين، فسلّمهم النظام هويات أبنائهم. «على إثر ذلك الخبر، قررتْ عائلتي مغادرة سوريا».

شقيق السيدة كان في مخيم اليرموك، ولم يكن عليه أي مشكلة قانونية من أي نوع. كانت هي حينها في لبنان، وحدّثها شقيقها قبل خروجه من المخيم بيومين، فوعدته بالذهاب لملاقاته في دمشق فور خروجه من المخيم. لم يتوقعوا إطلاقاً أن يتم اعتقاله، إلا أنه اعتُقل مع نحو 1500 شخص، ما زال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم، في حادثة حاجز علي الوحش الشهيرة. تذكر السيدة أنها ما زالت تأمل في أن يكون شقيقها على قيد الحياة، وأنها لا تستطيع تخيّل فكرة غيابه من الحياة: «لا أعرف ما الذي يمكن أن يحصل حين أصدّق هذه الفكرة. ما زلت حتى اليوم أسأل عنه وأستقصي أخباره، فالنظام دائم الكذب والمراوغة، ما الذي يدفعني لتصديقه الآن؟». وتشير إلى أن خبر اعتقاله كان كالصاعقة، وأحدث لها ولعائلتها صدمة كبيرة، ولكن الفكرة التي تبقيها صامدة حتى اليوم هو أنه قد يكون على قيد الحياة.

تعمل السيدة كأخصائية نفسية في أوروبا اليوم. تقابل لاجئين وتستمع إلى قصصهم المروِّعة، ولديها طرق لاستيعاب الصدمات التي تتعرض لها لدى سماع هذه القصص. تشكر الرّب لأن أمها لا تمتلك حساباً على فيسبوك، فهي لا تستطيع احتمال هذه الأخبار المتداولة. حين تحدثت مع والدتها إحدى المنظمات العاملة في التوثيق عن اعتقال ابنها، لم تكن على ما يرام لعدة أيام تلت: «التفاصيل التي يمكن لذوي المعتقلين التعرض لها تسبب الكثير الألم والمعاناة لهم. من يدري كم شخصاً أصيب بأزمات نفسية وصحية خطيرة، قد تكون مهدِّدة للحياة، لدى الاطلاع على صور قيصر أو سماع تفاصيل تعذيب ابنه أو أحد المعتقلين معه؟».

تقترح السيدة، بدلاً من إشاعة تفاصيل معلومات عن المعتقلين والتعذيب والضحايا، أن يكون الوصول إلى هذه المعلومات محدوداً ومقيَّداً، وأن يمتلك ذوو المعتقلين الحق باتخاذ قرار الوصول إلى هذه المعلومات أو عدمه، بعد الإحاطة بكافة أبعاد هذه الخطوة وإمكانية تأثيرها عليهم: «أتفهم أن يرتاح بعض أهالي المعتقلين لفكرة وفاة ذويهم بسبب عدم رغبتهم في أن يكونوا معرّضين للتعذيب، ويجب أن يكون لهؤلاء الحق في الوصول إلى المعلومة، لكن لا يجب أن تكون هذه المعلومات متاحة على النطاق العام ليراها الجميع، فلا أحد يمتلك الحق بحرمان الأهالي من الأمل الذي يساعدهم على تخفيف المعاناة والاستمرار في الحياة». وتضيف أنها «تريد لجهود التوثيق والمحاكمة الاستمرار، إلا أنه يجب قوننة ذلك ومراعاة مشاعر الناس وقدرتها على الاحتمال. وأعتقد أن هناك آليات متاحة لتقييد الوصول إلى هذه المعلومات دون الإضرار بالمسار العام للقضية».

المسألة في عيون أحد العاملين في التوثيق 

رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا هي واحدة من المنظمات العاملة في مجال توثيق الاعتقال والاختفاء القسري، ويقول مؤسِّسوها إنهم من الجهات القليلة التي غاصت في تفاصيل قضية الاعتقال إلى هذا الحد، إذ تعمل على توثيق التعذيب والحياة داخل مراكز الاحتجاز، ولديها منشورات تتناول هذا الأمر. 

يؤكد دياب سرّيّة، أحد مؤسِّسي الرابطة، أنهم لا يهدفون في عملهم إلى زيادة جرعة الألم التي يعاني منها أهالي المعتقلين والمختفين قسراً، ولا إلى استجداء التعاطف مع الناجين، مشيراً إلى أن نظرتهم تنطلق من مقولة كان سجانو صيدنايا يرددونها للمعتقلين: «إذا كنتم محظوظين وخرجتم أحياء وتحدثّتم عما حدث معكم، فلن يصدقكم أحد». كشْف الحقيقة وقول ما جرى في مراكز الاحتجاز السورية هو هدف الرابطة، بحسب دياب: «هذه الأماكن ليست سجوناً يوجد فيها حقوق وواجبات، إنها معسكرات موت منتشرة على مساحة البلاد. هي سلاح استخدمه النظام مثل البراميل المتفجرة والكيماوي، وعلى رأس هذه المعسكرات سجن صيدنايا الشبيه بمعسكرات النازيين في الحرب العالمية الثانية. لقد تمكن العالم من معرفة ما جرى في هذه المعسكرات بعد سقوط النازية، لكن ما يجري في السجون السورية ما زال مستمراً ولا يستطيع أحد الوصول إليه، وهنا تكمن ضرورة التوثيق والحديث عن هذه الفظائع».

توثيق عمليات التعذيب التي جرت في سجن صيدنايا ونشر تفاصيلها «ناتج عن رغبة بعض الناجين في إيصال صوتهم والتجربة التي مروا بها، فالناجي من التعذيب بحاجة إلى الكلام عمّا تعرّض له، وإيصال صوته يشكل ردّ اعتبار معنوي له، وجزءاً من عملية التعافي من آثار الاعتقال والتعذيب النفسية»، بحسب سرّيّة.

ويضيف أن الرابطة «تقدّر تماماً الأثر الصعب الذي يتركه سماع قصص وروايات التعذيب على مشاعر عائلات المعتقلين والمختفين قسراً، وأن هذا الأمر دفعهم إلى وضع تحذير على غلاف كتاب سجن صيدنايا خلال الثورة السورية الذي أصدرته الرابطة في تموز (يوليو) الماضي، ويتضمن في بعض جوانبه الحديث عن تفاصيل تعذيب قاسية ووصف للحياة في سجن صيدنايا». يذكر سرّيّة أن الرابطة «ترددت كثيراً في نشره، وكان ذلك مثار جدل ضمن الفريق الإداري، الذي انقسم إلى مجموعتين: إحداها فضلت عدم النشر حرصاً على مشاعر العائلات، وأخرى فضلت النشر من أجل الحقيقة والحفاظ على السردية السورية من النفي والتكذيب».

يؤكد دياب على أهمية الحفاظ على السردية بعد عشر سنوات من الثورة، تكريماً للضحايا والناجين، الذين يمتلكون حق الحديث عن تجاربهم ونشرها، خاصة في ظل إنكار النظام وتعتيمه على الفظائع التي يرتكبها في السجون، وامتناع إمكانية توثيقها وكشفها عبر جهات مستقلة، وينوّه إلى تقديره واحترامه لمشاعر أهالي المعتقلين والمختفين قسراً، ولحقّهم في عدم التعرض للمعلومات التي تخص ذويهم إذا اختاروا ذلك. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الأهالي أيضاً هم جزء من ضحايا إجرام النظام، وقد يكون من السديد التفكير في الكيفية التي يمكن لجهود التوثيق وكشف الجرائم أن تستمر، بالتوازي مع الحرص على حماية الأهالي من الأذى النفسي.