عيون شاخصة على المفترقات

 

كانت السنوات العشر الأخيرة عاصفة على جميع الأصعدة في معظم البلدان التي شهدت موجات الربيع العربي. هذه السنوات شهدت التحول الأكبر والأهم في التاريخ المعاصر لهذه البلاد، إذ حاولت فيها الشرائح المهمّشة والمقموعة، لأول مرة، تحدّي الأنظمة القمعية والوحشية التي حكمتها على مدار عشرات الأعوام.

تفاوتت نتائج هذه الثورات في البلدان العربية، فاستطاع التونسيون والمصريون والليبيون واليمنيون الإطاحة بأنظمتهم، ثم انتكس هذا السير باستيلاء الثورات المضادة مجدداً على الحكم، أو الغرق في الفوضى، إلا أن سوريا تبدو استثناءً بين كل هذه البلدان، لكونها البلد الوحيد الذي لم يسقط نظامه رغم ارتكابه الجرائم الأفظع. لن نسعى في هذا المقال إلى التحليل المحض للأحداث السياسية والعسكرية، بل سنحاول الإضاءة على تفاعل السوريين وجدانياً وعاطفياً مع ما جرى خلال هذه السنوات، ورسم خريطة لمشاعرهم التي تحولت من الأمل المفعم بالطاقة في البدايات إلى الإحباط العام والقبول المرير بفشل الثورة في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى التصالح مع غياب القدرة على العودة القريبة إلى سوريا التي نحلم بها.

ومضات من العقد اللاهب

كانت المشاعر التي سادت لحظة اندلاع الثورة في سوريا مركّبة وحادة، فالأمل الذي تفجّر في نفوس الملايين على وقع الصرخات الأولى كان ممتزجاً بالرهبة تلقاء الحدث الهائل. هذه المشاعر كانت نتيجة معاينة الحياة المتدفِّقة بعد رقاد يشابه الموت، وقد اعتبرها كثير من السوريين لحظة ميلاد لهم. كثير من الاعتبارات والمعاني ماتت لديهم بموت هذه المشاعر، بما يكفي لدفعهم بقسوة إلى عدمية يحاولون اليوم تجاوزها وتوليد المعنى عبر طرائق ومقاربات أخرى.

كان لكل عام من هذه الأعوام العشر ثيمة خاصة به، أو عنوان عريض تدور الأحداث في ظله. كان 2011 عام التظاهر السلمي وشهد الفرز الحاد بين النظام ومؤيديه من جهة، ومعارضيه من جهة أخرى، وتصاعدت فيه حدّة شعارات الثورة حتى وصلت إلى مطلبها الأكثر جذرية، وهو إسقاط النظام، إلى جانب بدء الانشقاقات عن قوات النظام وتشكيل الجيش الحر. كان سقوط النظام لدى كثير من السوريين حينها «مسألة وقت»، ففي ذلك العام سقط بالتوالي كل من بن علي في كانون الثاني، ومبارك في شباط، والقذافي في آب، ما أدى إلى حالة يقين عام بأن كل الأنظمة التي تواجه شعوبها ستسقط في النهاية.

كان العام 2012 هو عام المجازر والقتل الجماعي على يد النظام، وفي موازاة ذلك كان التسلّح يزاحم مشاهد المظاهرات ويطغى على المشهد، إلى جانب اتّضاح حجم التدخل الإيراني لصالح النظام. في هذا العام بدأت فصائل الجيش الحر بالتحول نحو الأسلمة وتلقّي التمويل من دول متضاربة المصالح، وبرز إلى جانبها بشكل متصاعد اسم جبهة النصرة التي بدأت بتنفيذ عمليات انتحارية والبروز إلى الواجهة. 

أهم ما جرى في 2013 كان مجزرة الكيماوي وتراجع الولايات المتحدة عن ضرب النظام، وظهور اسم داعش لأول مرة. في خلفية هذه الأحداث كانت موجات اللجوء تتصاعد إلى دول الجوار والدول الأوروبية. وبعد أن احتل داعش صدارة المشهد في 2014 وبدأ تدويل القضية السورية لتصبح «حرباً على الإرهاب»، صار إسقاط النظام شأناً ثانوياً على الصعيد الدولي. في 2015 تدخلت روسيا عسكرياً بشكل مباشر لتقلب الموازين لصالح النظام السوري.

سُتَر النجاة كانت تُباع على الأرصفة التركية حينها.  

تدخلت تركيا في 2016 لتصبح المعارضة السياسية والعسكرية مرتهَنة بالكامل لها، وليكتمل نصاب الدول الضالعة في رسم المشهد السوري. في هذا العام ستسقط حلب، وسيصل إحباط السوريين إلى ذروته مع إدراكهم لانعدام قدرتهم على التأثير. ثم ستدخل تركيا إلى عفرين في 2019، ليتجذّر الشرخ العربي الكردي وتأخذ الخارطة شكلاً قارّاً حتى كتابة هذا المقال: النفوذ الأكبر للنظام تحت الوصاية الروسية والإيرانية، ومناطق الإدارة الذاتية تحت الوصاية الأميركية، وجيوب المعارضة تحت الوصاية التركية في إدلب وعفرين واعزاز وتل أبيض. السوريون في مناطق النظام يعيشون أزمة اقتصادية خانقة، والسوريون في دول الجوار تُراودهم كوابيس العودة حين يُطْبقون أجفانهم. تدور في غرف كْلَبْهاوس اليوم نقاشات لمحاولة فهم ما جرى، وتتخللها تساؤلات حول ما يمكن فعله على المدى البعيد.

لا ندم على لحظة حبّ

يرى الكاتب مصطفى الجرف أن عام 2013 كان العام الذي «شعر فيه بالاستباحة بعد تراجع أوباما عن ضرب النظام إثر مجزرة الكيماوي»، وأن هذه اللحظة أدت إلى فقدانه الأمل. ذلك أن النظام السوري بمجزرة الكيماوي كان قد داس على الخط الأحمر الموضوع له دولياً ومرّ الأمر دون عواقب. في هذه السنة ظهر اسم داعش للمرة الأولى، وسيطر جيش الإسلام على دوما. كان هجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية حدثاً جللاً: «أظن أنه بعد هذه اللحظة صار الموت أمراً عادياً للسوريين، وفقدوا الإحساس بهول الأشياء». ولفت الجرف إلى أن الشارع السوري خرج من المعادلة السياسية مع تأسيس الائتلاف، الذي كان منسلخاً عنه، وأن القاع الذي وصل إليه الحال كان مع سقوط حلب ودخول تركيا بصفقاتها إلى المشهد ثم دخولها عفرين.

خرج الجرف من سوريا عام 2014 بعد أن كان مصرّاً على عدم الخروج: «حتى الموت في سوريا كان له بهجة قبل ذلك في ظل وجود مشاعر الحرية. كان السوريون يعتقدون بأن لهم قيمة لأنهم يغيّرون العالم. الجنازة كانت سرعان ما تتحول عرساً. حتى الموت كان ينبض الحياة». غادر مصطفى إلى تركيا، ولم يستطع البقاء في عنتاب بعدما عاينه من «نرجسية وأنانية واستنفاع وفساد في أوساط المنظمات». يشعر مصطفى أنه فقد الهالة والروح العالية التي كان يمتلكها في سوريا، والتي كانت قد تشكّلت عبر الإيمان بنبل وضخامة مشروع الثورة: «بعد الخروج من سوريا فقد كل شيء معناه، حتى الحرّية فقدت معناها. أنا اليوم أعيش بحرية في فرنسا، ولكن هذه الحرية لا معنى لها، مقارنة بما كان يمثّلة نُطق كلمة الحرية في حلب مثلاً». 

سألتُ مصطفى إن كان قد شعر بالندم على ما جرى في سوريا، فقال إنه نادم على كل ما فعله في حياته، باستثناء الأيام القليلة التي عايش فيها الثورة: «قد يندم أحدنا على زواج فاشل، ولكنه لا ينبغي له أن يندم على لحظة حبّ جميلة. ما فعله السوريون خلال سنوات الثورة كان مذهلاً بجسارته ونبله، والعظمة التي خرجت منهم كانت استثنائية. الأمل كان قد حوّلهم إلى ملائكة، وغيابه دفعهم إلى العدمية المتوحشة»، مضيفاً أنه، رغم كل ما حدث، ضد جلد الذات بشكل قاس: «نحن لا نستطيع مواجهة روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة ووحوش داعش والنصرة. كنا نظن أن الديمقراطية هي أمر محتوم في عالم اليوم في مواجهة الأنظمة البدائية، والدرس الذي تعلمناه من هذه التجربة هو أنه لا مكان للثورات في هذا العالم الذي يعاني انتكاساً في قيمه. ما نستطيع فعله اليوم، رغم غياب الأمل، هو ألا ننهار أو نبصق على أنفسنا. أن نحاول تجاوز التروما ومشاعر الانتكاس، وأن نتمكن، خاصة الشرائح الشابة منا، من معرفة البلدان التي نقيم فيها اليوم وامتلاك أدوات التأثير فيها». 

لحظة الجسارة الغامرة

شارك مروان زكريا في المظاهرة التي خرجت من الجامع الأموي بتاريخ 25 آذار 2011. شعر بأن ثمة شيئاً «غامراً» يحدث وهو يمشي مع الحشد. كانت هذه اللحظة «الأكثر جسارة وجرأة» في حياته. كان مروان يؤمن أن العالم يسير نحو التغيير، حتى قبل الثورة، وأن زمن الديكتاتوريات يشارف على النهاية. وأدرك مع لحظة الثورة تحطم آماله السابقة بأن النظام قد يغيّر نفسه. 

يضيف مروان: «أعترف أنني كنت أشعر قبل الثورة، دون أن أدرك ذلك، أننا كسوريين شعب طيب ولكن لدينا شيء من الجهل، وانتبهت إلى هذه المشاعر لاحقاً. جاءت الثورة كحدث مذهل، أدركتُ فيه أن بإمكاني التعلّم من أصغر متظاهر في الشارع. كنت أشعر كشاب سوري أن الآخرين ينظرون إلينا كأبطال خارقين يغيّرون العالم». خرج مروان من سوريا بعد تشكّل جبهة النصرة عام 2012 وانتشار التفجيرات العشوائية. أيقن باستحالة العودة إلى سوريا في عام 2013. تملّكتْه مشاعر مختلطة لدى حصول انقلاب السيسي في مصر في ذلك العام، إذ كان مرتاحاً لذهاب الإخوان في البداية، وسرعان ما أدرك فداحة هذا الحدث وتبعاته. ثم جاء تراجع أوباما عن ضرب النظام إثر الهجوم الكيماوي ليتجذر اليأس لديه.

يرى مروان أن الثورة «لم تُهزَم»، لأن الهزيمة تقتضي وجود طرفين يتواجهان بشكل عادل، ثم ينتصر أحدهما على الآخر. يقول إن الثورة «تعرضت للإبادة» عبر إبادة السوريين وحلمهم. يشير مروان إلى أن هذين الحدثين (انقلاب السيسي وتراجع أوباما) أسّسا لمشاعر الاكتئاب والإحباط لديه، ودفعه ذلك لزيارة معالِجة نفسية للمرة الأولى. انتقل من دبي إلى اسطنبول بعد ذلك مدفوعاً بالرغبة في الاقتراب من الحدث السوري. لم يتصالح مروان مع حالة الهزيمة حتى اليوم، فيقول إن «شعور الانكسار دُفن عميقاً، وكانت الحياة تسير بمعزل عنه. ثم جاء سقوط حلب في 2016 وانحدرت المشاعر السلبية إلى قاعها».

عن سؤال ما الذي يمكن فعله، يجيب مروان أن السوريين افتقدوا خلال هذه السنوات الكيان الجامع الذي يمثّلهم: «اتّضح بشكل جلي أن محاولات تأسيس الكيانات السياسية التقليدية فشلت خلال هذه السنوات العشر، فهذه الكيانات أخفقت في تأدية مهامها وصارت تحت وصاية الآخرين». السوريون تواصلوا وتعارفوا ونسّقوا ونقلوا المظاهرات بأدوات افتراضية، ويقترح مروان أن «يتم التفكير بعد كل هذه التجربة بكيان افتراضي يستفيد من الأدوات المتاحة اليوم في التكنولوجيا المتطورة ويستقطب أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال، ويمكنه مع الوقت التحول إلى كيان شامل، يجمع من يرغب من السوريين الانضمام إليه». 

ابحث عمّا ليس جحيماً 

لدى دخولها الجامعة، كانت هيفين جقلي قد بدأت بالتعرّف على ملامح الوضع السياسي والأمني في سوريا، قُبَيل اندلاع الثورة بسنوات قليلة. تقول هيفن إنها شعرت بالرهبة لدى اندلاع الثورة: «منذ كنا أطفالاً في سوريا، كان هناك تصور عن العالم بوصفه صراعاً بين الخير والشر، والصح والخطأ، يحكم مقاربتنا للأشياء. بالنسبة لشخص في الثانية والعشرين كانت المظاهرات في درعا تجسيداً لهذا الصراع. أبطال يواجهون رصاص الأشرار في الساحات من أجل الخير دون اكتراث لكلفة ذلك. أردت أن أشارك. اليوم بعد عشر سنوات تغيرت هذه النظرة القاصرة، وصرت أميل لمقولة حنة أرندت: الشر متطرف، أما الخير جذري. الناس ليسوا معطى نهائياً».

هيفين هي كاتبة سورية كردية من سكان مخيم اليرموك. شاركت في المظاهرات السلمية وعملت لفترة في مراكز لإيواء الهاربين من قصف النظام. بعد سيطرة المعارضة على المخيم، عملتْ كممرضة وعاشت فترة الحصار وظهور داعش. ثم غادرته عام 2014 بعد فوز بشار الأسد في الانتخابات: «معنوياتي كانت في الحضيض حينها، فالمخيم كان قد أصبح تحت سيطرة فصائل جهادية لا تعي ما تفعل، ولم يعد بوسعي البقاء فيه. ودمشق حين خرجت إليها كانت مغطّاة بصور بشار الأسد بعد أن أُعيد انتخابه رغم استخدامه السلاح الكيماوي، وكانت اللطميات تصدح من وسائل النقل. كان الانكسار في عيون الناس صورة متكاملة وطاغية للهزيمة. وحين طُلب مني مراجعة فرع أمن المنطقة الجنوبية، قررتُ مغادرة سوريا عازمةً على عدم ذكر اسمها مرة أخرى على لساني». 

في بيروت، عملت هيفن في الصحافة وبدأت بالتواصل مع مراسلين من بقية مناطق سوريا. توسّع مفهوم وواقع سوريا لديها عن حدود المخيم، وشعرت بعودة الرابط بينها وبين سوريا مرة أخرى: «لم أعد سجينة تجربتي الخاصة ولم أعد أستطيع الاحتفاظ بشعور الهزيمة مع هذه المعرفة الجديدة، وعادت الرغبة بأن أكون جزءاً من هذه الحيوية المكتشفة. أحببت الصحافة وأردت المزيد منها. قررت الانتقال إلى تركيا لأنني رأيت فرصة للمحاولة من جديد. بوجود المعابر الحدودية، كنت أطمح إلى العمل كصحفية ميدانية، وأن أكون جزءاً من المجتمع الذي يقاوم هيمنة الإسلاميين على المناطق المحررة». 

انتقلت هيفن الى تركيا منتصف 2015، لكن المعابر كانت قد أغلقت مع سوريا مع وصولها الى تركيا. عملت لعامين مع إحدى مؤسسات الإعلام البديل بانتظار أن تُفتح المعابر. لكن بعد استيلاء النظام على حلب وإدراكها أن المعابر أُغلقت دون عودة، انتقلت الى اسطنبول نهاية 2017 وعملت مع منظمات المجتمع المدني أملاً في العثور على بديل أو شكل جديد للعمل؛ تجربة تقول إنها كانت «مفيدة لكنها غير سارّة». 

تعتقد هيفن أن الكثير من الخسارات وقعت في الثورة لأن الائتلاف الذي يدّعي تمثيلها سياسياً وعسكرياً يفعل ما يحلو له دون أي رقابة أو محاسبة. فهو لم يغير استراتيجيته ولا خطابه طوال عشر سنوات رغم كل الخسارات التي مُني بها السوريون. كان اجتياح عفرين والانتهاكات المرافقة له تكليلاً لسلسلة من المصائب جرّها الائتلاف على الثورة: «كان بوسع المؤسسات الإعلامية والمنظمات الموجودة في تركيا أو خارجها أن تلعب دورها في هذا المجال كمؤسسات سورية وطنية ومدنية في مواجهة الانتهاكات التي تُرتكَب باسم الثورة. هذه المؤسسات الإعلامية أو التي تعمل على برامج مرتبطة بالعدالة الانتقالية لم تؤدِّ دورها في مساءلة الائتلاف حول دوره وواجباته، بدءاً من قضايا مثل انتهاكات الفصائل المسلحة، ومروراً باتفاقيات التهجير القسري أو شرعنة ترحيل اللاجئين إلى سوريا، وليس انتهاءً بقضية اجتياح عفرين وتحويل المعارضة المسلحة إلى مرتزقة».

عن جدوى العمل والاستمرار، تقول هيفن إن الثورة كانت تجسيداً مضاداً لرواية النظام القائلة إن الناس لا قيمة لوجودها ولأصواتها، مشيرةً إلى أن هناك الكثير من الاستسهال بالقول إنه لا جدوى من فعل أي شيء اليوم: «لدينا الماضي لنسأله، والحاضر لنتعامل معه، والمستقبل لنخطط له. خلال الأسابيع الماضية كان هناك أحاديث عن التذكر والندم والأمل، وهناك شبه اتفاق في معظم ما قرأته من تحليلات أو سمعته على عجزنا وكيف أننا ضئيلون في مواجهة قوى عالمية، لكن هناك حديث أقل عن ما هي الإمكانيات. أتفق مع من يقول إن واقعنا سيء، لكنني أختلف مع من يقول إن واقعنا اليوم كان أمراً محتوماً. وأعتقد أن هذه الحتمية هي الندم، والمحاولة مجدداً هي اللا-ندم». 

تضيف هيفن: «يقول سورن كيركغارد إن حب التكرار هو الحب الوحيد السعيد، فهو مثل حب التذكر، ليس لديه اضطراب الأمل، ولا مغامرة الاكتشاف القلقة، ولا أسى التذكر، بل له أمان اللحظة المباركة. الأمل رداء جديد قوي ومحكم وفاخر، ومع ذلك لم يلبسه أحد قط، لذا لا أحد يعلم كم سيكون مناسباً له. أما التذكر كما يصفه فهو رداء مهمَل مهما كان جميلاً، لم يعد مناسباً للمرء لأنه صار صغيراً عليه. أي أن التذكر حركة نحو الماضي، أما التكرار فهو تذكر في المستقبل. خلال هذه السنوات العشر كانت هناك أمور جيدة وأخرى سيئة. والأمر يعود إلينا إن أردنا، بإمكاننا العودة إلى ما جرى ومعاينة مواطن القوة في هذه السيرة ومحاولة الاستفادة من المعرفة التي راكمناها، وتوظيفها عبر الأدوات والمساحات التي أصبحت متاحة لنا بشكل مختلف عن السابق. كريغارد يقول أيضاً إن من يعيش على الأمل فقط هو جبان، ومن يريد أن يتذكر فقط شهواني، لكن من يريد التكرار هو إنسان. بيد أن هذا التكرار يستلزم شجاعة لنقول إنه كان بالإمكان أفضل مما كان، أو على الأقل الشجاعة لنقول إنه لا يمكننا الجزم بالقول دون مراجعة حقيقية لسيرة السنوات العشرة». 

تستعير هيفن كلام الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو في مقاربتها لما نعيشه اليوم: «إن جحيم الأحياء ليس شيئاً سيكون، وإذا وُجد جحيم، فهو ذلك الموجود هنا الآن. الجحيم حيث نعيش كل يوم والذي نكونه حين نكون معاً. هناك طريقتان لتجنب عذابه، الأولى: سهلة للجميع، أن تتقبل الجحيم وتصبح بعضاً منه، فلا تراه بعد ذلك. الثانية خطرة، وتتطلب احتراساً وخشية دائمين: تبحث وتعرف، في وسط الجحيم، من وما هو ليس جحيماً، ثم تُمكّنهما من البقاء وتمنحهما مجالاً».